رقم الخبر: 220160 تاريخ النشر: أيار 18, 2018 الوقت: 13:32 الاقسام: ثقافة وفن  
هكذا نصوم... ونثور على كل ما يغضب الرب

هكذا نصوم... ونثور على كل ما يغضب الرب

كما أن الصلاة تدفعك إلى أن تؤصّل الرفض في نفسك للفحشاء والمنكر، فإن الصوم يدفعك إلى أن تحرك إرادتك في رفض كلّ ما لا يريده الله سبحانه وتعالى، وبذلك كان الصوم حركةً في الإنسان...

إذا جئنا إلى الصوم، فالصوم في معناه يمثل حالة سلبية تحمل بداخلها معنًى إيجابياً، لأن السلب عندما يكون مسؤولية، فإن إرادتك في حركة السلب تمثل حالة إيجابية أيضاً، فأنت تريد أن لا تأكل وأن لا تشرب وأن لا تتلذّذ، ولذلك هو ليس سلبية طبيعية بعيدة عن إنسانية إرادتك، بل هي حركة في الإرادة أن ترفض ما لا يريده الله منك.

ومن هنا، فإننا نستطيع أن نقول، كما أن الصلاة تدفعك إلى أن تؤصّل الرفض في نفسك للفحشاء والمنكر، فإن الصوم يدفعك إلى أن تحرك إرادتك في رفض كلّ ما لا يريده الله سبحانه وتعالى، وبذلك كان الصوم حركةً في الإنسان، من خلال هذا الخضوع الإرادي لله سبحانه وتعالى، ولذلك كان الصوم عبادة صامتة، لا يتحرك فيها شيء في جسدك ولا يتحرك فيها أيّ تعبير في لسانك.. فدور الصوم هو في أن يبقى في عمق إرادتك وفي عمق إحساسك وشعورك، وذلك بأن تكون بالصوم الإنسان الرافض، فالصوم هو حركة رفض في الوقت الذي تتوجّه في نفسك إلى القبول.

ومن هنا، فقد نعيش الصوم في هذه المفردات، وربما ننحرف في ممارستنا له، بأن نطوّق هذا الرفض في السحور وفي الفطور بنحو لا يحقّق شيئاً فيما نستعدّ له من مآكل قبل أن نصوم وبعد أن نصوم، كأننا نثأر من الرّفض على طريقة الحيل الشرعيّة التي تجعل الإنسان يضعف إرادته في مقدّمة الصوم وفي نهايته، فيما المطلوب من الصوم أن تكون إنساناً رافضاً لكلّ ما حرّمه الله، لأنّ هناك الصوم الصغير الذي هو مقدّمة للصوم الكبير، فإذا كان الله قد حرّم علينا أن نأكل أو نشرب أو نستمتع بما نستمتع به في هذا الوقت المعيّن، فلقد أرادنا أن نصوم في كلّ عمرنا عمّا حرّمه من مآكل ومشارب ولذّات وما إلى ذلك.

عبادة الله

لذلك  فإنّ الصوم عبادة لله: «الصوم لي وأنا أجزي به»، هو عبادة لله، ولكنك كلّما اقتربت من الله أكثر، وقفت مع مسؤوليتك التي حمّلك الله إياها أكثر، وكلّما اقتربت إلى الله أكثر، اقتربت من الناس أكثر، لأن الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله من أدخل على أهل بيته سروراً.

وهكذا، تنطلق العبادة عندما تتصل بالله بخطٍّ من الله إلى الناس، لأنَّ هناك نقطة في عقيدتنا الإسلامية، وهي أنَّ الله ربما يكون في بعض الديانات شيئاً غامضاً، بحيث لا علاقة للبشريّة به، أو لا علاقة له بالبشر إلّا أن يتعبّدوا له، لكن تعالوا إلى ربّنا في عقيدتنا، فهو الرحمن وهو الرحيم وهو المعطي وهو الكريم وهو المغيث، ومعنى ذلك، أن ربّك لا ينفصل عن حياتك، فأنت عندما تتحرك في كل أصعدة حياتك، فإنك تشعر بأن الربّ المنعم قد أنعم بذلك عليك، وأنت عندما تفكر وتبدع في فكرك، تشعر بأن الربّ هو الذي أنعم عليك فألهمك، وعندما تحسّ القوة في نفسك، فإنك تشعر بأنك تستمدّ القوّة منه، وهكذا هو الرحمن الرحيم، وهو ربّ العالمين، وهو المعطي وهو الكريم وهو الجواد وهو الحكيم الذي يمنح حياتك من حكمته.

لذلك، فكلما عرفنا الله أكثر، اقتربنا من مسؤولياتنا بالحياة أكثر، وشعرنا بالأمن أكثر، ولقد كان رسول الله(ص) في أشدّ حالات الخطر، ولكنه كان يحسّ بالأمن تماماً كما لو لم يكن هناك خطر: «إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَ».هذه المعيّة معيّة الله لعبده، تعني أنك لو كنت في الصحراء وحدك، فإنك لست وحدك، لأن الله معك، وفي الدعاء عندما نقول: «يا عدّتي في كربتي، ويا صاحبي في شدتي»، فإنّ الله هو صاحبك الذي يصحبك في الشدّة التي تهزّ كل كيانك، والله معك في شدّتك، بحيث يخفّفها عنك ويحميك من كلّ تأثيراتها. فالمسألة ليست مختصّة بالنبيّ فحسب، ولكنها مسألة المؤمنين أيضاً: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ».

 

 

بقلم: آية الله السيد محمد حسين فضل الله  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: قناة الكوثر
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 9/0369 sec