رقم الخبر: 220042 تاريخ النشر: أيار 16, 2018 الوقت: 15:41 الاقسام: مقالات و آراء  
تركيا تتأرجح بين الناتو وروسيا

تركيا تتأرجح بين الناتو وروسيا

تبدو تركيا في الظاهر انها متماسكة حول السلطان رجب طيب اردوغان. والواقع ان هذا المظهر السياسي لتركيا هو مظهر خادع تماما. فالسلطة التركية الحالية تقوم على «تحالف اكراهي» بين تيارين «او معسكرين» كبيرين هما:

- التيار التاريخي المتمثل في الأتاتوركية «العلمانية السطحية التغريبية» والذي يتحصن في الجيش وجميع الاجهزة القديمة للدولة ولا سيما الاجهزة الامنية.

- التيار الاسلامي، خصوصا «الاخواني»، بكل اجنحته «المتطرفة» والداعمة للارهاب التكفيري «الداعشي» ومشتقاته، و«المعتدلة»، المعادية والموالية للغرب.

ويقوم هذا «التحالف الاكراهي» بين الاتاتوركية والاردوغانية على عوامل الخوف التالية:

اولا: الخوف من اندلاع فتنة مذهبية سنية ـ علوية في تركيا، حيث ان السلطة «من ايام السلطنة العثمانية، مرورا بالمرحلة الاتاتوركية، حتى المرحلة الاردوغانية الحالية» هي سلطة تهمش «القزلباش» العلويين الذين يمثلون «اقلية»  كبيرة جدا في تركيا تتراوح بين 10 ـ 15 مليون نسمة.

ثانيا: احتمال التفجير العسكري من جديد  ـ بقيادة الـ «ب ك ك» ـ للمسألة الكردية في تركيا.

ثالثا: الخوف المرَضي التركي «وهو مرض تاريخي» من روسيا. فالسلطة التركية «اي سلطة كانت» تعرف تماما ان عين روسيا، ومنذ ايام القيصرية لم ولن تحيد عن مضائق البوسفور والدردنيل، التي تعتبر روسيا انها مغتصبة من قبل الاتراك، وأنها ينبغي ان تكون «في اكثر الاحتمالات اعتدالا» منطقة دولية حرة تمتلك فيها روسيا امتيازات خاصة بالتلاؤم مع أمنها القومي، التجاري والعسكري.

هذه المخاوف هي التي تعطي المظهر الموحد لتركيا خلف اردوغان. وهي نفسها المخاوف التي أملت وتملي السياسة المتذبذبة والمتناقضة لتركيا من الارهاب التكفيري.

فعشية وخلال اندلاع الطاعون الداعشي في سوريا والعراق وسقوط حلب والموصل والاراضي الشاسعة في سوريا والعراق بالأيادي السود للدواعش المبرقعين بالمعارضة العميلة، برزت تركيا اردوغان بوصفها اكبر مركز تجمع وانطلاق، وأكبر ملجأ وظهير، للجحافل الداعشية. ولكن بعد التدخل الجوي لروسيا، بطلب من السلطة الشرعية السورية، وقصم ظهر الداعشية وبداية نهايتها، أيقنت تركيا ان الداعشية المنهزمة يمكن ان تكون مدخلا لتحريك المسألة الكردية داخل تركيا بالذات، فانقلبت ـ اي تركيا ـ على الداعشية، ورضيت ان تقف في آستانة الى جانب روسيا وايران لاجل التسوية السياسية السلمية للازمة السورية. الا انها تفردت في التدخل العسكري غير المشروع في شمال سوريا، للحؤول دون نشوء منطقة كردية يدعمها الجيش الاميركي تكون منطقة نفوذ للـ «ب ك ك» التركي، مما يهدد الامن القومي التركي ووحدة الاراضي التركية لاحقا.

هذه الاوضاع فرضت نوعا من التمايز في المواقف الاميركية، من جهة، والتركية، من جهة اخرى، ليس فقط في شمال سوريا، بل في كل الازمات الاخرى في المنطقة المحاذية لتركيا ولروسيا. وظهر ذلك بشكل واضح في تخلف تركيا «المطلة على البحر الاسود» عن حشد قواتها الحربية الى جانب القوات البحرية الاميركية والناتوية في البحر الاسود بمواجهة البحرية الروسية المرعبة، لا سيما بعد استعادة روسيا لشبه جزيرة القرم من اوكرانيا. لا بل ان تركيا اردوغان وقعت الاتفاق التاريخي مع روسيا حول مد انبوب الغاز القاري «الذي سمي «السيل التركي» بطلب شخصي من اردوغان» الذي سيعبر الاراضي الروسية والبحر الاسود فالاراضي التركية، والذي ستكون محطة «الترمينال» الخاصة به في اليونان «وذلك بطلب من الطرف الروسي»، ومن اليونان يتم توزيع الغاز الروسي على مختلف بلدان اوروبا الشرقية والوسطى والجنوبية. وطبعا ان تركيا ستقبض في كل السنوات القادمة مئات مليارات الدولارات اجرة ترانزيت الغاز المار في مياهها الاقليمية في البحر الاسود وفي اراضيها. وكذلك ستقبض اليونان. وهكذا تجمع المصالح الاقتصادية بلدين عضوين في حلف الناتو، هما تركيا واليونان، مع روسيا. واليوم بدلا من ان تقف الزوارق وسفن خفر السواحل التركية في البحر الاسود الى جانب السفن الاميركية والناتوية فإنها تقف الى جانب السفن والزوارق وورشات العمل الروسية لحماية خط انبوب الغاز الروسي في البحر الاسود.

ولكن هذا لم يمنع تركيا، بوصفها عضو قديم في الناتو، من طلب تزويدها بالطائرات المطاردة ـ القاذفة من الطراز الجديد من الجيل الخامس من طراز F-35 Lightning II. وعقدت اتفاقية بهذا الشأن لتسليم تركيا 116 طائرة من هذا الطراز، 100 منها أصبحت جاهزة للتسليم. ولكن التسليم متوقف لأن سياسيين وعسكريين اميركيين يعترضون على تزويد تركيا بهذه الطائرات الحديثة، ويقولون ان تركيا بدلا من ان تكون هي في خدمة اميركا والناتو فإنها تريد ان يكونا هما في خدمتها.

ولا بد ان نذكر هنا الأزمة التي نشبت بين اردوغان والناتو في تشرين الثاني الماضي، حينما كانت قوات مشتركة من الناتو تقوم بمناورات عسكرية في النروج وعمد بعض العسكريين لوضع لوحة للتهديف وضعوا عليها صورة اردوغان وصورة مصطفى كمال اتاتورك تحت عبارة «اعداء مشروطين» كي يطلق عليها الجنود النار. وقام حينذاك اردوغان بسحب القوة التركية المشاركة في المناورات. وقد تناولت وسائل الاعلام التركية هذه الحادثة بغضب.

وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضد اردوغان سنة 2016 اتهمت الاوساط التركية اميركا بالوقوف خلف المحاولة.

ولكن وزير الخارجية التركي وغيره من المسؤولين الاتراك اكدوا في اكثر من مناسبة بأن تركيا لن تخرج من حلف الناتو وتتحالف مع روسيا.

ولكن انطلاقا من الدعم العسكري الاميركي للإنفصالية الكردية في شمال سوريا، فإن بعض المحللين الاتراك اخذوا يضعون علامة استفهام حول الدور الذي يمكن ان تلعبه القاعدة العسكرية الاميركية في انجرليك في داخل تركيا بالذات.

وربما لهذا السبب وقعت تركيا اتفاقية مع روسيا لشراء منظومة S-400 الروسية للدفاع الجوي.

والسؤال المطروح الان هو: الى متى ستبقى الاردوغانية قادرة على الرقص فوق الحبل المشدود للعلاقات المتوترة بين روسيا وبين اميركا والناتو؟

 

 

بقلم: جورج حداد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 6/9706 sec