رقم الخبر: 217716 تاريخ النشر: نيسان 23, 2018 الوقت: 15:09 الاقسام: مقالات و آراء  
«فادي البطش» القامة العلمية التي هزّ اغتيالها الفلسطينيين

«فادي البطش» القامة العلمية التي هزّ اغتيالها الفلسطينيين

ضمن سلسلة تصفية القيادات في الأطر التنفيذية للجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، فجع الفلسطينيون باغتيال المهندس والعالم «فادي البطش» صاحب الخمسة والثلاثين عاماً على الأرض الماليزية؛ حيث يواصل عمله وتعلُّمه منذ 10 سنوات.

وقع اغتيال «البطش» بأربع رصاصات صوِّبت نحو رأسه من مسدس كاتم للصوت، على يد مجهولين حتى الآن، وقد أعاد مشهد جثمانه المضرَّج بالدماء الذاكرة إلى الأحداث القريبة التي تؤكِّد إصرار الاحتلال الإسرائيلي على استهداف القامات العلمية الفلسطينية والعربية، خاصةً التي يرى فيها قدرة على تطوير ترسانة الأسلحة للفصائل الفلسطينية.

«فادي البطش» يُغتال غريباً في ماليزيا

كان الخروج الأخير لأداء صلاة الفجر للمغترب في ماليزيا منذ 10 سنوات، الأكاديمي الفلسطيني ومهندس الكهرباء «فادي البطش»، 21 أبريل/نيسان 2018. فحين خرج من منزله يردِّد أذكار الصباح في الطريق متحمساً  كعادته لأداء صلاة الفجر ثم قراءة وتره القرآني، باغتته أكثر من 10 رصاصات وجهها صوبه رجلان ملثَّمان انتظراه في طريقه إلى مسجد «إيدامان» الواقع في منطقة «جومباك» بالعاصمة الماليزية كوالالمبور حيث يقطن.

سجَّل هذا اليوم بوصفه تاريخاً لن ينساه الفلسطينيون. «فادي البطش» أحد نشطاء حماس في ماليزيا، وقد تمت العملية الموجعة على الفلسطينيين باحترافية عالية خطَّط لها منذ فترةٍ طويلة، قامت دقائقها الأخيرة على تفحُّص المغتالين لوجوه المارة في المنطقة بشكلٍ دقيق، ونقل عن شهود عيان قولهم إنَّ الرجلين ضخمان، ويحملان ملامح أوروبيَّة، وتواجدا في مسرح الجريمة قبل نحو 20 دقيقة من اغتيال البطش، وقال شاهد يدعى «عمر»: «كنت متوجهاً لأداء الصلاة برفقة بعض جيران الحي، ورأينا القاتلين وهما يتفحّصان وجوه المارة ويحدِّقان فيها بفعل الظلام الدامس، وقبيل دخولنا للصلاة سمعنا صوت إطلاق نارٍ خفيف، بدا كأنه كاتم للصوت، ولكننا لم نعر الأمر اهتماماً، ودخلنا المصلَّى لأداء صلاة الفجر»، وتابع القول لـ«عربي 21»: «أثناء انتهائنا من الصلاة حضر أحد المصلين متأخراً، وأخبرنا أنَّ الشهيد فادي غارق في دمائه بعد إطلاق الرصاص عليه، وبالفعل ذهبنا إلى المكان ووجدناه مسجَّى على الأرض قبالة المجمع السكني (إيدامان بوتري) حيث يسكن، وقد فارق الحياة».

أمَّا وزير الداخلية الماليزي «أحمد زاهد حميدي» فقد عقَّب بالقول إنَّ: «منفِّذَي عملية اغتيال العالم الفلسطيني فادي البطش يوم السبت في كوالالمبور قوقازيَّان على صلةٍ باستخبارات أجنبية، الشرطة أمرت بإجراء تحقيق شامل في حادثة مقتل فادي البطش، بما في ذلك الحصول على تعاون مع الوكالات الأخرى ذات الصلة (الإنتربول الدولي)»، فيما كانت عائلة البطش أكثر وضوحاً، فاتهمت جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) بالوقوف خلف حادثة الاغتيال، وتحدَّثت عن تلقِّي ابنها عدداً من التهديدات الإسرائيلية مؤخراً.

من هو المهندس الفلسطيني فادي البطش؟

(إنه ابناً من أبنائنا البررة وفارساً من فرساننا تميز بتفوقه وإبداعه العلمي، وإن له في هذا المجال إسهامات مهمة ومشاركات في مؤتمرات دولية في مجال الطاقة، الشهيد كان نموذجاً في الدعوة إلى الله والعمل من أجل القضية الفلسطينية)، هكذا نعت حركة «حماس» فادي البطش.

ولد البطش في مخيم جباليا الواقع شمال قطاع غزة، ونبغ وهو طفل في دراسته حتى حصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية من الجامعة الإسلامية في غزة، ثم سافر عام 2009 للحصول على الدكتوراه من جامعة «مالايا» الماليزية، وكان من أبرز ما حققه البطش هو نزعه لمنحة «خزانة» الحكومية بوصفه أول عربي يحصل على هذه الجائزة، حدث ذلك في 2016.

ويعد من أهم ما أنجزه البطش هو ابتكار جهاز يعتمد تصميمه على تكنولوجيا إلكترونيات القوى، يتم توصيله بشبكة نقل الطاقة الكهربائية ويحسّن من كفاءة الشبكة بنسبة تصل إلى 18%، كما أنَّ هذا الجهاز يعمل على تقليل الفقد في الطاقة الذي ينتج من عملية نقل الطاقة الكهربائية من محطات توليد الطاقة الكهربائية عبر خطوط النقل إلى المستهلكين.

وقد اعتبرت حماس ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن اغتيال «البطش» –يُجمل في الفقرة التالية– يمثل تهمة لإسرائيل ولأجهزتها الأمنية، فقال القيادي في حركة حماس أسامة حمدان إنه: «لا مصلحة لأحد باغتيال البطش سوى أعداء الشعب الفلسطيني، نحن في حركة حماس إذ ندرك استهداف إسرائيل للكفاءات العلمية العربية والفلسطينية، فإننا نتريث في توجيه أصابع الاتهام بشكل قطعي حتى تظهر نتائج التحقيق، التي نتابعها عن قرب مع الجهات الماليزية، ونحن نثق بأنها تتعامل بجدية في ملاحقة وكشف الفاعلين».

وتستهدف دولة الاحتلال –دون اعترافٍ بذلك– بشكلٍ متواصل العلماء الفلسطينيين والعرب المتخصّصين في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والعلوم، ففي العام الحالي فقط، استشهدت المستشارة في مجال الكيمياء الفلسطينية «إيمان حسام الرزة»، إذ وجدت جثة هامدة في منزلها في شهر مارس/آذار الماضي، وذلك بعد تلقّيها تهديدات من ضباط الموساد، كما عثر على جثمان اللبناني المتخصص في الفيزياء النووية في فرنسا «هشام سليم مراد»، في شهر فبراير/شباط الماضي، وكذلك اغتيل اللبناني «حسن علي خير الدين» في كندا بسبب أطروحة الدكتوراه التي قدَّمها حول سيطرة اليهود على الاقتصاد العالمي.

إعلاميو الاحتلال يقرون بمسؤولية «الموساد» عن الاغتيال

«إنّ حركة حماس حوّلت ماليزيا إلى ساحة لتجنيد خلايا خاصة بها، وتطوير ترسانتها العسكرية في قطاع غزة» هذه الفقرة من تصريح للمراسل العسكري للقناة العبرية العاشرة «أور هيلر»، وليس القول الأخير للإعلام الإسرائيلي الذي اعتاد أن يروِّج لكون ماليزيا ساحة لتدريب وتجنيد حماس لعناصرها.

يقول «هيلر» في تقريرٍ للقناة العاشرة يعقِّب على حادثة اغتيال «البطش» إنّ: «حماس باتت تؤسس خلايا لها في ماليزيا، والسلطات هناك تغضُّ الطرف عن ذلك، حماس تستغل ماليزيا ساحة لتجنيد أشخاص من جنسيات مختلفة، وترسلهم إلى تركيا أيضاً، كما أنّها تجنّد فلسطينيين من الضفة لصالحها»، لم يكتفِ «هيلر» بذلك؛ بل حدَّد عدد من جنّدتهم حماس في ماليزيا في السنوات الأخيرة، وقال إنَّ عددهم هو ما بين 40 إلى 50 شخصاً، وختم بالقول: «إذا كانت إسرائيل وراء الاغتيال يمكن الافتراض أنّه تم منع هجوم كبير قد خُطِط له، أو أنه تم إحباط مشروع كبير تعمل عليه حماس لبناء قوتها العسكرية في غزة لإستخدامه في الحرب المقبلة».

ووصل الأمر إلى حدّ تصريح ما يسمى بـ «وزير الدفاع الإسرائيلي»، أفيجدور ليبرمان، بأنّ حكومته طلبت من السلطات المصرية عدم السماح بنقل جثمان «البطش» عبر أراضيها إلى غزة؛ استجابةً للمطالب الفلسطينية، كما واصلت وسائل الإعلام الإسرائيلية القول دون أي تعليق رسمي إنَّ «البطش» كان متخصصاً في الطائرات المسيّرة، ولذلك ربطت حادثة اغتياله بحادثة اغتيال مهندس الطيران تونسي الأصل «محمد الزواري»، الذي عمل لصالح حماس في تطوير الطائرات المسيرة، فقال مراسل القناة العاشرة العبرية «ألون بن ديفيد»: «التقديرات تفيد أن العالم الفلسطيني فادي البطش الذي اغتيل في ماليزيا اليوم كان يقود مشروعاً لتحسين دقة الصواريخ لدى حماس، وقتله يأتي في سياق اغتيال التونسي محمد الزواري».

كذلك كان من أبرز تلميحات الإسرائيليين حول مسؤولية الموساد عن اغتيال «البطش»، ما جاء على لسان معلق الشؤون الاستخبارية في صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية «رونين بريجمان» عبر حسابه على (تويتر) حين قال: «عملية اغتيال البطش تدلِّل على الاستراتيجية التي يعتمدها رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين، والقائمة على المسّ بقدرات وحدات تطوير وإنتاج السلاح لأطراف معادية تعمل في مناطق بعيدة جغرافياً عن إسرائيل، وهي تعمل على المس بهذه الوحدات في بداية عملها بهدف عدم السماح لها بإنجاز الأهداف التي وضعتها».

ثم كتب «بريجمان» الذي ألف كتاباً عن تاريخ عمليات الاغتيال التي نفذها الموساد في تغريدة أخرى أنَّ: «عملية اغتيال البطش تعيد للأذهان عملية اغتيال مهندس الطيران التونسي محمد الزواري التي نفذت في ديسمبر/كانون الأول 2016، فعملاء الموساد قاموا بتصفية الزواري؛ لأنه كان يعكف على تطوير غواصة صغيرة غير مأهولة بهدف توظيفها من قبل حركة حماس في استهداف حقول الغاز الإسرائيلية في حوض البحر الأبيض المتوسط».

إسرائيل تستهدف ماليزيا بسبب «حماس»

لم تكفّ دولة الاحتلال الإسرائيلي عن زج ماليزيا في معركتها مع حماس؛ فألقت بالاتهام تلو الآخر، مؤكدة أن ماليزيا تحتضن عناصر من حماس يتدربون ويطورون الأسلحة، أبرز هذه الاتهامات الإسرائيلية، ما جاء في أبريل عام 2015، حين كشف جهاز الشاباك لدى الاحتلال عن ما اعتبره «دلائل جديدة تشير إلى أن الجناح العسكري لحركة حماس يقوم بتجنيد فلسطينيين وتدريبهم في ماليزيا لتنفيذ عمليات سرية للحركة»، وذلك إثر اتهام الاحتلال لمواطن فلسطيني من الخليل عاد من ماليزيا، وهو «وسيم قواسمة»، بالتعاون مع حركة حماس، وجاء في لائحة الاتهام أن «قواسمة»: «أقسم اليمين للحركة الإسلامية خلال دراسته في الجامعة الإسلامية بكوالالمبور، حيث تم تجنيده على يد ناشط رفيع في حماس في اتحاد الطلبة في الجامعة، وكان من المتوقع أن يقوم المجندون بالعودة إلى بلدهم للعمل نشطاء ومبعوثين سريين لشبكات تم إنشاؤها تابعة لحماس في الضفة الغربية وغزة».

أيضاً في أغسطس/آب عام 2014، نشرت قوات الاحتلال ما يفيد بأنّ أحد الفلسطينيين المنتمين لحماس اعترف للمحققين أنه: «قد حصل على تدريب عسكري في ماليزيا وغزة من أجل الهبوط بمظلَّة في إسرائيل، واختطاف وقتل مدنيين إسرائيليين»، وقد نفت وزارة الخارجية الماليزية قيام مقاتلي حماس بتدريب مجندين على أراضيها في ذلك الوقت، وقال وزير الدفاع الماليزي «أحمد زاهد حميدي» إن: «ماليزيا من المؤيدين الأقوياء لنضال الفلسطينيين من الناحية الأخلاقية والمساعدات الإنسانية، وأن الدعم القوي من الماليزيين كان بسبب العلاقة طويلة الأمد بين القادة الماليزيين والفلسطينيين». وأضاف: «وهذا قد يكون سبب عدم الرضا من جانب إسرائيل؛ لذا وكالة الاستخبارات الإسرائيلية تحاول خلق دعاية لتشويه سمعة ماليزيا، مع توجيه اتهامات لا أساس لها إليها، وهذه محاولة للتعويض عن فشلهم في التعامل مع مقاتلي حماس في غزة».

أما في يونيو/حزيران 2017، فقد أورد الإعلام العبري ما يفيد بأن القيادي في حركة حماس «صالح العاروري» توجّه إلى ماليزيا في ضوء أزمة قطر مع دول الخليج (الفارسي)، ومطالبتها بترحيل قادة حماس من أراضيها، وهو ما نفته ماليزيا آنذاك، ورداً على ذلك قال قائد الشرطة الماليزية «خالد أبو بكر» إنه: «لا توجد مشكلة في زيارة قادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ماليزيا ولقاء الماليزيين ما دام ذلك يتم في إطار سلمي»، وأضاف «أبو بكر» الذي نفى ما ذكره الإعلام الإسرائيلي: «إذا كانوا يأتون في وضع سلمي ودون إثارة مشكلة فأين المشكلة؟».

 

 

 

 

بقلم: میرفت عوف  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: شفقنا
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 6/2233 sec