رقم الخبر: 215863 تاريخ النشر: آذار 14, 2018 الوقت: 15:57 الاقسام: مقالات و آراء  
اميركا.. من وهم القدرة والسيطرة الى حقيقة العجز واليأس

اميركا.. من وهم القدرة والسيطرة الى حقيقة العجز واليأس

من يتابع السلوك الأميركي في سورية مؤخرا يجدها تتمسك بأوراق قوة واهية لا تخيف الا السطحيين الذين يصغون الى تهديدها ويجترون تاريخها وبطشها ويتذكرون عداءها للقانون وحقوق الناس.

فأميركا اليوم تغيرت وما كانت تهدد به وترعب الناس تراجع أثره ومفعوله الا عند ضعفاء القلوب والعقول ولهذا نجدها ومن اجل المحافظة على صورة الماضي تلجأ الى الأكاذيب والترويج الإعلامي للأوهام وفي هذا السياق تأتي أكذوبة اتهام سورية باستعمال السلاح الكيماوي، الاكذوبة التي باتت تلجا اليها في كل مرة تجد ارهابيها في مازق وتشعر انها بحاجة لإنقاذهم او التدخل لحمايتهم او منع الجيش العربي السوري من تنفيذ عملية عسكرية تكون نتائجها ذات طبيعية استراتيجية جذرية. 

ان لجوء اميركا الى الاحتيال والكذب في مواجهة الاخرين يذكرني بالقول المعتمد في فلسفة القانون ونصه: «ان القوي يبطش والضعيف يحتال» من اجل بلوغ المآرب وتحقيق الأهداف، القول الذي طبقته اميركا في قوتها حيث اتجهت الى الإطاحة بكل قواعد الاخلاق والدين والقانون معتبرة نفسها صاحب حق في ان تفعل ما يشاء دون ان تخشى محاسبة من أحد وهذا هو حال إسرائيل أيضا ربيبة اميركا.

بيد ان محور المقاومة الذي يشكل نسبة متواضعة جدا جدا من حجم العالم رفض المنطق الأميركي و تصدى له وفرض منطقا معاكسا مفاده ان من يتمسك بحقه ويدافع عنه لا يمكن لأحد ان يسلبه إياه مهما بلغت قدرة المعتدي وكان التطبيق الأول لهذا الامر في جنوب لبنان حيث فرضت المقاومة ومحورها معادلة تعاكس الرغبة والإرادة الأميركية -الإسرائيلية، ثم تكررت المواجهة في سورية  التي وبعد سبع سنوات من القتال المرير أوصلت اميركا التي تقود معسكر العدوان على المنطقة، اوصلتها الى مرحلة اقل ما يمكن القول فيها انها مرحلة اليأس من تحقيق الأهداف. 

عندما انطلق العدوان على سورية كان النجاح يقينيا لدى أصحابه، وكان يهزأ بمن يناقش مجرد مناقشة بالأمر، لكن اليوم وبعد السنوات السبع انقلب المشهد وبات يسخر ممن يظن ان بإمكان العدوان ان يسقط سورية كما هدف، او ان يقسم سورية كما تراجع الى الهدف التالي واليوم تصدح في اميركا نفسها أصوات الخبراء والباحثين الاستراتيجيين الذين ينعون المستقبل الأميركي في الشرق الأوسط عامة واستحالة الاستمرار في سورية خاصة.

بات هذا الأمر مسلما به لدى عميقي النظرة   رغم ان خطوطا كثيرة في المشهد السوري تكاد توحي للبعض بأن اميركا التي عجزت عن الهيمنة على كامل سورية، شرعت بتنفيذ مشروع الاقتطاع والتقسيم ولأجل ذك نشرت قواعدها العسكرية العشرين ذات السبعة آلاف عسكري، شرقي الفرات وفي الجنوب قرب التنف من اجل تهيئة البيئة لإقامة الكيان الكردي الإنفصالي ووضعه تحت الحماية الأميركية، فهل ان هذه الخطة قابلة للنجاح وهل ان المشروع الأميركي التقسيمي سيرى النور؟

قد يقول البعض ان فتح معركة الغوطة الشرقية كان مرحلة من مراحل التنفيذ الأميركي لخطة التقسيم عبر اشغال الجيش العربي السوري هناك ومنح التركي فرصة الامساك بالشمال الغربي للبلاد وجعل الأميركي يستأثر بالمنطقة شرقي الفرات، ولكن النتيجة التي ستؤول اليها حرب الغوطة كما بات مؤكدا ستعاكس تماما ما ارادته اميركا. فالغوطة باتت قاب قوسين او أدنى من التحرير الناجز واستعمالها لخدمة التقسيم بات امرا من الماضي.

وقد يقول قائل بأن اميركا قادرة على فرض ارادتها وتمرير مشروعها بفائض القوة العسكرية التي تمتلكها، وهنا نرد، لماذا اذن لم تسقط اميركا سورية كما شاءت، او لم تعلن على مدار السنين السبع الماضية ان لا شرعية للرئيس الأسد؟ ثم بقي الأسد في مقامه وخسر المراهنون على سقوطه واليوم يقر العالم كله صراحة او ضمنا بأن لا شرعية في سورية تتقدم على شرعية الرئيس الأسد ولا حل في سورية الا بتوقيع الأسد، فما الذي استطاعته اميركا في مواجهة هذه الحقيقة؟

لقد اجتاحت اميركا العالم بأسطورة الهيبة والقوة التي تفعل أي شيء، واليوم وبعد ما تحقق في العراق الذي غزته ثم طردت منه، وبعد الهزيمة الاستراتيجية التي ترسم خطوطها في المشهد السوري نرى ان تلك القوة وتلك الهيبة لم تعد في المستوى والصورة التي تمنح اميركا القدرة على التحكم بزمام الأمور في العالم، هذا العالم الذي بعضه تغير، وبات يتابع تهديدات اميركا وصخبها بأذن وقلب وعقل مختلف وهنا نستطيع ان نقول ان القوة التي كانت اميركا تهدد باستعمالها لإخضاع الآخرين باتت تواجه بقوة لا يستهان بها في اكثر من باب وعنوان ويكفي ان نذكر بما يلي:

- القوة النووية: التي اعتمدتها اميركا وأكد عليها الأطلسي في المفهوم الاستراتيجي الأخير له بأنها السلاح الاستراتيجي الحاسم، ان هذه القوة مقيدة الان وخاضعة لمعادلة الردع الاستراتيجي العام، وقد تطور نطاق تطبيق هذه المعادلة مؤخرا ليشمل ليس الدول التي تملك السلاح النووي فحسب بل والدول المصنفة حلفاء لروسيا على حد ما جاء في الخطاب الاستراتيجي الزلزالي الأخير للرئيس بوتين الذي اعتبر ان أي اعتداء على حلفائه مهما كان نوعه انما هو اعتداء على روسيا يستوجب الرد المناسب وهذا ما بات يشغل الدوائر الأميركية التي تتعاطى بكل جدية واهتمام مع الموقف الزلزالي الروسي هذا.

- القوة العسكرية التقليدية: كانت اميركا مطمئنة الى ان جيوشها التقليدية قادرة على اجتياح أي مكان على الكرة الأرضية وفرض سيطرتها عليه لأن أحدا في الدنيا لا يملك جيشا قادرا على مواجهة الجيش الأميركي خاصه بعد انحلال الاتحاد السوفياتي. اما اليوم وبعد ما شهدته منطقة غربي آسيا من مواجهات في الميدان فقد بدا واضحا ان الحرب هي حرب الجيل الرابع التي تتفوق فيها التنظيمات المسلحة غير التقليدية في حرب الغيرة والحرب غير المتشابهة واثبت المقاومة التي ابتكرت أسلوب قتال جديد انها تستعصي على الإحتواء والسيطرة. ومن يريد ان يعرف أكثر فليراجع السلوك الإسرائيلي حيال لبنان ومقاومته. وفضلا عن ذلك فإن آخر ما افرزته دوائر الأبحاث الأميركية هو التحذير من أي اصطدام أميركي بروسيا ليس نوويا فقط بل أيضا وأي صدام لأن الحرب ليست في مصلحة اميركا التي تعاني في أكثر من باب يلزمها فتحها للدخول في حرب.

- القوة السياسية والدبلوماسية الدولية: صحيح ان اميركا لا زالت تملك القرارات الإدارية في الأمم المتحدة والسيطرة على القرارات التي تتخذ في المنظمات الدولية التابعة لها، لكن الصحيح أيضا ان القرارات الدولية الملزمة التي تصدر عن مجلس الامن الدولي وحده باتت مكبلة بالفيتو الروسي والصيني الذي عطل تلك الهيمنة وأفقد اميركا القدرة على أصباغ الشرعية على أي عدوان تريد ارتكابه.

- القوة الاقتصادية: في هذه يكمن اليوم الوهن الأميركي المخيف، هذا الضعف الذي جعل اميركا تعرض خدماتها العسكرية على من يريد الحماية مقابل الاجر عملا بمبدأ ترامب الجديد «ادفعوا نحميكم» ولا خدمات مجانية، وهذا الضيق الاقتصادي أيضا جعل اميركا في مواجهة مع أقرب حلفائها من باب الضرائب والقرار الأخير حولها شاهد على ذلك.

ان واقع اميركا اليوم بصح معه القول عنها بأنها صاحبة «وهم القوة والجبروت» الذي ما ان تتصدى له حتى تفضحه ما يذكرنا بواقع العدو الإسرائيلي حيث ان المقاومة التي واجهته وبقدرات متواضعة فضحت «القوة التي لا تقهر» وأظهرت حقيقته بأنه «القوة العاجزة». وبالتالي ان اميركا كإسرائيل تملك قوة لا نشك بها، ولكن قوتها دون مستوى الأهداف الاستراتيجية الفائقة الحجم، فإذا ما ووجهت بمنطق رفض السيطرة والاملاء فأنها ستنكفئ، فهي اليوم تصرخ صاخبة وتتصرف مقيدة، وبهذه الحقيقة نعرف عجزها عن تنفيذ الكثير من التهديدات التي يطلقها مسؤولوها، فلا الاتفاق النووي مع إيران ستخرج منه ولا الحرب التي تهدد بها ستندلع ولا التقسيم لسورية التي تهول به سينفذ طالما ان هناك قوى التزمت بالدفاع عن الحقوق وامتلكت القوة والإرادة لتنفيذ التزامها...

 

بقلم: العميد د. امين محمد حطيط  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: وكالة انباء التقريب
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/0687 sec