رقم الخبر: 213716 تاريخ النشر: شباط 13, 2018 الوقت: 16:06 الاقسام: ثقافة وفن  
عادات تجسد الاصالة منذ العهد القديم
شيم وكرم وضيافة أهل الرافديــن

عادات تجسد الاصالة منذ العهد القديم

الحنين إلى الماضي شعور يلازم أي إنسان كلما تقدّم به العمر، ونفس الأنسان یتلذذ بالماضي أكثر من الحاضر، وتتوق لاستنشاق عبق الزمن الراحل أكثر من تلذذها برائحة القادم من العمر، وكلما ابتعدت اللحظات كلما ساقنا الحنين إليها، والحديث عن الذكريات الغابرة ألذ وأشهى من الحديث عن المستقبل المجهول، فقطار التأريخ لا يمكن ايقافه.

لقد مر المجتمع العراقي القديم بمراحل تاريخية متعاقبة تطور خلالها من شكل لآخر حيث مرّ بمرحلة الصيد والجمع ومرحلة الاستقرار حيث بنى القرى ومارس الزراعة ودجن الحيوانات وأقام المدن وأسس فيها انواع الحضارات التي تعد من اولى الحضارات في العالم كالحضارة السومرية والاكدية والبابلية والآشورية. وخلال هذه المراحل كانت تتبلور النظم الاجتماعية في المجتمع العراقي لتحديد علاقات وممارسات الافراد بعضهم مع بعض، على شكل جماعات يتعاون افرادها في سد حاجاتهم والدفاع عن انفسهم وبناء مقومات حياتهم وتطوير حضارتهم، ان المجتمع العراقي نتيجة مكوناته البنيوية هو تجمع متنوع يتشكل من عرب وكرد وتركمان وكلدان وآشوريون وأرمن وشبك وكاكيين وبعض من اصول قوقازية وشاميين ونجديين، ومن اصول ايرانية وهندية، وهم مسلمون ومسيحيون وصابئة ويهود، وهذا الارتباط جعل الاكثرية، مؤمنين بقيم واحدة ومصالح مشتركة وأهداف عليا. علما بان القيم والمصالح والاهداف التي يؤمن بها العراقيون جعلتهم موحدين ومتماسكين، وهذا هو سر قوتهم ونجاحهم في تحقيق الاهداف المتوخاة، ان الانسان العراقي لا يمكن ان يعتبر انسانا بالمفهوم الصحيح الا اذا تقيد والتزم بقواعد منظمة لسلوكه ومنظمة لسلوك الجماعة والجماعات التي ينتمي اليه، فالكرم سمة العراق المتوارثة منذ القدم، يحس كل من عايش العراقيين الاصلاء ويقف على حقيقة وأصالة الإنسان الرافديني التي تمتد جذورها إلى الأصالة العربية والحضارات التي تعاقبت عليه، وفيه ضربت الأمثلة وقيلت الأشعار، فالتاريخ حافل بمواقف راسخة، عكست في مضامينها ارتباط القدامى بهذه الصفة واعتبارها أحد أهم مبادئ الحياة، ولا يمكن التخلي عنها حتى وإن كلفهم ذلك نفيس أموالهم وأملاكهم، فاستقبال الضيف وإكرامه بسخاء، فطرة جبل عليها العراقيين عموماً والبدو على وجه الخصوص، الكرم العراقي، بما يعنيه من تقديم الطعام والشراب للضيف، او للمحتاجين والفقراء، يكاد يغطي على المكارم الأُخرى، نظراً لما كان لهذا الكرم من اهمية ترمُز الى رفعة المكانة والى وساعة الاعتبار عند مقدم المكرمة، فالكرم صفة يتمسك بها من عرف قدر الرجال وقدر قيمة الضيف ووضع نفسه مكانه وفي ظرفه واجود انواع الكرم الذي يكون بدون سابق وعد او معرفه، لمن تكرم وتقدم كل غالي ونفيس وانت لاتعرفه اصلا فهذا قمة الكرم، ونود الإشارة فإن الكرم والضياقة هي من شيم العرب التي تربوا بها وعاصروها وتغنوا بها على مدى الأجيال، والشواهد المعنية تشهد بها في جيلنا ومن سبقنا، والى المستقبل في ظل العولمة وما تصبوا اليها!.

 الكرم يرمز الى رفعةِ الأمة

اعتادت العوائل العراقية والبغدادية ان تستقبل، الأهل  والأقارب والأصدقاء المقربين والجيران وتكون زياراتهم اعتيادية مألوفة في أي وقت من أوقات الصباح أو المساء وتكون جلساتهم في غرفة المعيشة، اما الاهتمام الكبير بغرفة الخطار لتكون بموازاة قيمة ومكانة الزوار والضيوف الذين يتوافدون على زيارة البيت بين فترة واخرى في المناسبات والقبولات والعزائم، وتحرص على إظهار تلك الغرفة بحلة جديدة قدر المستطاع، لأنها تمثل واجهة البيت ومكانة اهله، كما كانت تعقد بها الاجتماعات الحزبية والسياسية، وجلسات السمر في بعض البيوت او موضعاً لمجالس الشعر والادب والثقافة في كثير من الاحيان كان الخطار يأتون بدون موعد، فالكل يستقبله بالبشاشة والترحاب.

اما في الريف كان الاقطاعيون من الشيوخ يقيمون لهم ديواناً خاصاً، وهي غرفة الخطار، ونكون مفتوحة بدون ابواب، يستقبلون فيه ابناء عمومتهم في الليالي توزع فيها القهوة ويتجاذبون فيها اطراف الحديث في امور العشيرة والزراعة والسقي والحصاد والتسويق، ومن هنا جاءت لفظة الديوه خانة وهو سلوك غابر في الازل في كل المجتمعات التي تتخذ من اماكن خاصة تكون مركزاً لتجمع الناس والتداول في امورهم العامة، وقد فرضت هذه الصالات او الاماكن وجودها لالتقاء رجال القرية بسبب انعدام وسائل الراحة وتبديد الوقت فلا وسيلة غير ايجاد مكان للتجمع وتبادل الاحاديث والآراء وعلى ذلك.

وفي الجنوب والغربية والشمالية، فالمضيف مركز هام من مراكز الحياة القبلية، فالمضايف هناك مفتوحة وليس لها باب يفتح، وهذا الشيء أنما يدل على الكرم، وللمضيف مهابة، والزائر لهذا المكان يحس ويقف على حقيقة وأصالة الإنسان العراقي التي تمتد جذورها إلى الأصالة العربية والحضارات التي سبقته، فقد بنيت المضايف من قبل الشيوخ او الاثرياء من غير ابواب اصلا وهي ملك هذه الناحية او ذلك القضاء او تلك القرية، حتى تجد غنيهم وفقيرهم يتباهى بقوله «مضيف العشيرة» وهو بلاشك البرلمان الحقيقي لكل منطقة يتواجد فيها، بداخله تسن القوانين وتشرع الاحكام وتتصالح النفوس وتصدر اوامر الصلح وعقد القران وعقوبات الردع للمذنب واعطاء الحقوق للضحية.

المضيف.. نظرة تقديس واحترام

في منطقة الاهوار المضايف هناك مصنوعة من القصب ترجع اصولها الى الفن المعماري للحضارة السومرية، حيث وجدت في مدينة اور التاريخية على رقم طينية واختام اسطوانية ترجع تاريخها الى اكثر من 3000 سنة تحمل نقوشا مماثلة لهذه المضايف، حيث ان السومرين استطاعوا  تصميمها على طرق هندسية محددة، مستغلين بذلك طبيعة وجغرافية المنطقة، حيث يتم بناؤها جميعا باتجاه من الشمال الغربي الى الجنوب الشرقي، وذلك لكون هبوب الرياح هناك غالبا ما تكون شمالية غربية، فيدخل الهواء الى المضيف عبر احد البوابات او الفتحات القصبية الموجودة في الجدار ويخرج من الطرف الاخر، فيحدث عملية «تبريد طبيعي للمكان» ويشعر الجالس فيه بحرارة اقل من الجالس في البناء الحديث المبني من الطابوق والاسمنت، ولهذا المبنى خصوصية لم يدركها إلا من عاش في الأهوار والقرى المحاذية لها، يعتبر دار الضيافة مهماً في الحياة الاجتماعية والسياسية للعشيرة ، وينظر أهل الأهوار الى تقاليد المضيف وآدابه نظرة تقديس واحترام، والمضيف مكان تلتقي فيه الطبقات الاجتماعية وتتصل ببعضها طبقا لنظام وعرف دقيقين.

في البادية الصحراوية، تلك البيوت المصنوعة من الشعر والتي يسكنها البدو، البدوي معروف بشهامته وحسن معشره، وإكرامه لضيفه، واستقباله له بوجه بشوش والترحيب به، حتى يستأنس ضيفه وتنفرج أساريره، وفي هذا فرحة غامرة ينتشي لها البدوي وهو يشعر بأنه قد نجح في إكرام ضيفه وأفلح في إدخال السرور إلى نفسه، فالضيافة عندهم أمر لامفر منه فهي صفة من صفاتهم لازمتهم منذ نعومة أظفارهم، فللضيف عندهم مكانة خاصة ومميزة وله احترامه وإنهم لايتوانون في تقديم واجب الضيافة إليه، فمتى أقبل الضيف نحو المضارب لابد من أن يستقبل بحفاوة وترحيب وفي ذلك قالت البدو بالضيف «إذا أقبل أمير وإذا جلس أسير وإذا غادر المضارب شاعر» فهو أمير اذ يقيم عند معازيبه معززاً مكرماً وإذا جلس يكون أسيراً أي الضيف لايعمل شيئاً إلا بإذن أصحاب البيت فلا يستطيع الخروج. تعتبر القهوة المرة أول مايقدم للضيوف فلا يجوز عدم تقديمها لانها رمز للكرم والضيافة، والقهوة وشب النار بالمضارب علامة مميزة عند البدو ولايمكنك أن ترى بيتاً خالياً من أدوات القهوة فهي أجمل ما يزين المضافة العربية.

هذه شيم  وكرم وضيافة أهل الرافديــن النهرين دجلـة والفرات، وبالرغم من تعرضه الى هزات الحصار وما تلاه من احتلال دمر المدن ومرتكزات بنائه وكيانه وزهقت الارواح ونهبت الثروات، الا انها لم تفلح في القضاء على روح وكرم وشهامة ابنائها تجاه ضيوفها وخطارها، وما أجمل أن نختمها ونقول:  اللهم احفظ العراق واهله الطيبين، ومن الله التوفيق.

 

 

بقلم: سرور ميرزا محمود  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/4544 sec