رقم الخبر: 213375 تاريخ النشر: شباط 07, 2018 الوقت: 14:27 الاقسام: مقالات و آراء  
بعد أوكرانيا.. هل يحرك الناتو أزمة مولدافيا؟

بعد أوكرانيا.. هل يحرك الناتو أزمة مولدافيا؟

بعد إزاحة يلتسين عن السلطة في آخر يوم من سنة 1999، وبداية عهد فلاديمير بوتين تبنت السلطة الروسية الجديدة العقيدة الجيو استراتيجية الأوراسية التي تأخذ روسيا فيها على عاتقها فتح جميع قنوات التعاون السياسي والثقافي والاقتصادي والأمني والعسكري بين البلدان الاسيوية والشرقية عموما، من جهة، وبين البلدان الأوروبية عموما من جهة أخرى.

وعملا بهذه العقيدة كانت روسيا ولا تزال تسعى لحل كل المعضلات الناشئة عن ظروف «الحرب الباردة» السابقة وتفكك المنظومة السوفياتية السابقة، عن طريق التفاهم والحوار والتعاون لما فيه خير الجميع.

ولكن دول الناتو والاتحاد الاوروبي الواقعة تحت التأثير الشديد والتبعية للولايات المتحدة الاميركية، فإنها انتهجت سياسة تقوم على «معاداة روسيا» وخلق المشاكل فيها وحولها. وتبدى ذلك بشكل صارخ في دعم الحركات الانفصالية والإرهابية التكفيرية داخل الأراضي الروسية بالذات، وفي استغلال التسهيلات المرورية عبر الأراضي الروسية لقوافل نقل الجرحى والمؤن للقوات الأميركية والدولية من وإلى الأراضي الأفغانية، لتهريب المخدرات من أفغانستان الى روسيا، وأخيرا لا آخرا إثارة النزاعات حول روسيا ومعها، كما جرى في ناغورني كاراباخ وجورجيا واوكرانيا.

وتضع الكتلة الغربية نصب اعينها تحقيق الاهداف التالية:

اولا ـ التضييق على روسيا اقتصاديا بالحصار والمقاطعة وفرض العقوبات عليها.

ثانيا ـ تطويق روسيا بالقواعد العسكرية الاميركية والناتوية في البلدان المحاذية لها.

وثالثا ـ تحويل تلك البلدان الى بؤر للفساد ومقرات وممرات للتهريب والتخريب والتجسس ضد روسيا.

وفي هذا الصدد تعمل الكتلة الغربية الآن لتفجير الأوضاع في جمهورية مولدافيا كوسيلة جديدة للاستفزاز والتحدي والإلهاء ضد روسيا.

وتسمى مولدافيا أيضا مولدوفا، وهي جمهورية صغيرة عاصمتها كيشيناو وهي تبدو كجزء من رومانيا التي تطالب بضمها. وتبلغ مساحة مولدافيا اكثر من 4 الاف كلم2، وهي تقع بين رومانيا واوكرانيا. وعدد سكانها 3،5 ملايين نسمة يعمل منهم في الخارج اكثر من مليون و200 ألف، منهم 750 ألفا يعملون في روسيا. والمداخيل التي يؤمنها العاملون في الخارج هي المصدر الاقتصادي الأول في البلاد. والتحويلات من الخارج تشكل 23% من الدخل الوطني القائم، وتحويلات العاملين في روسيا تشكل 67% من التحويلات الخارجية. ومصدر الدخل الثاني لمولدافيا هو زراعة الكرمة. ويتم تصريف القسم الأكبر (85%) من فاكهة العنب من مولدافيا في روسيا أيضا.

ويضع الاتحاد الأوروبي أمامه مهمة جذب مولدافيا للابتعاد عن روسيا والانضمام إلى ما يسمى «الشراكة الاوروبية» كخطوة نحو ضم مولدافيا الى الأسواق المفتوحة بينها وبين الاتحاد الاوروبي. ولهذه الغاية فإن بروكسل لا تقدم أي مشروع اقتصادي حقيقي للتعاون مع مولدافيا بل تقول مجلة «بانوراما» المولدافية انه خلال 3 سنوات تم انفاق 330 مليون يورو على «الجماعات الضاغطة» (اللوبيات) التي تدعو الى الانفتاج على أوروبا الغربية، وهذا يعني ببساطة رشوة مؤسسات المجتمع المدني والصحافة والنقابات وقادة الاحزاب والشخصيات السياسية. وهذه الأموال تصبح اساسا للفساد المستشري في البلاد.

ومن ضمن هذا الاتجاه قدم الاتحاد الاوروبي بصفة هبات وقروض في سنة واحدة 336 مليون دولار، وقدم البنك الاوروبي للانعاش والتنمية 327 مليون دولار، وقدمت الولايات المتحدة 253 مليون دولار كهبات، وقدم البنك الدولي 173 مليون دولار كقروض. وقد بلغ حجم الدين الخارجي لمولدافيا اكثر من 6 مليارات دولار.

كل ذلك يجعل البلاد مقسومة بشدة الى معسكرين، فالنخبة السياسية والاجتماعية تطالب بالانضمام الى رومانيا «وبالتالي الانضمام الى الناتو والاتحاد الاوروبي». في حين ان الغالبية الشعبية تطالب بالاحتفاظ باستقلال مولدافيا واستمرار التعاون مع روسيا. وفي استطلاع عام اجري منذ وقت قريب ايد 42% الانضمام الى رومانيا والانفتاح على الاتحاد الاوروبي بينما ايد 48% الانفتاح على الاتحاد الاوروبي مع التمسك بالتعاون والانفتاح على روسيا.

وعلينا ان نلقي الضوء هنا على مسألتين اثنتين حساستين في مولدافيا هما:

الاولى ـ جمهورية شرق دنيستر «نهر دنيستر قرب الحدود مع اوكرانيا»: وهي كناية عن شريط مستطيل على امتداد شرق نهر دنيستر، مساحتها 1832 كلم2، وعدد سكانها اكثر من 555 الف نسمة، عاصمتها تيراسبول، وهذه الجمهورية هي مستقلة بحكم الامر الواقع عن مولدافيا، وأغلبية سكانها من الروس والاوكرانيين الناطقين بالروسية. وتطالب غالبية سكانها بالانضمام الى روسيا وايجاد الصيغة القانونية الدولية المناسبة لذلك.

والثانية ـ هي جمهورية غاغاأوزيا (Gagayzia) ذات الحكم الذاتي. مساحتها 1832 كلم2، عدد السكان اكثر من 155 الف نسمة. والغاغاأوز هم فرع تركي ولغتهم قريبة من اللغة التي يتكلم بها اتراك بلغاريا. ولكن غالبيتهم (93%) مسيحيون ارثوذوكس. وتقع (Gagayzia) في اقصى جنوب مولدافيا قرب اوكرانيا. ولهم برلمان خاص بهم ينتخب كل اربع سنوات، وكذلك رئيس ينتخب كل اربع سنوات ويحق له الترشح لولاية ثانية. العاصمة هي كومرات.

و«جمهوريتا» شرق الدنيستر وغاغاأوزيا هما مستقلتان تماما في شؤونهما السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ولكنهما تعتبران جزءا من مولدافيا باتجاه العالم الخارجي، ومواطنوهما يستخدمون جواز السفر المولدافي في الخارج. وتؤكد هاتان الجمهوريتان الاعلان عن انهما في حال انضمام مولدافيا الى رومانيا، فإنهما ستعلنان اوتوماتيكيا الانفصال التام عن مولدافيا وتطلبان الحماية من روسيا.

وباختصار: ان مولدافيا هي جمرة متوقدة تحت الرماد. وما يؤخر الكتلة الغربية عن تحريك تلك الجمرة هو:

أولا ـ عدم الثقة بأية امكانية للنجاح والخوف من ان ينقلب السحر على الساحر من اول الطريق، واعطاء روسيا المبرر القانوني لإنزال قواتها في مولدافيا بطلب من شعبها بالذات.

والثاني ـ الخوف من زعزعة الأوضاع في رومانيا والسقوط السريع للحكم الموالي للغرب فيها، الذي يترنح الآن تحت ضغط الفساد المستشري والأزمة الاقتصادية الخانقة.

 

بقلم: جورج حداد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 6/4034 sec