رقم الخبر: 212374 تاريخ النشر: كانون الثاني 24, 2018 الوقت: 14:25 الاقسام: مقالات و آراء  
ما هي حقيقة الموقف الروسي من العملية التركية في عفرين؟

ما هي حقيقة الموقف الروسي من العملية التركية في عفرين؟

تحتار الأوساط المتابعة في فهم حقيقة الموقف الروسي من العملية العسكرية التي تشنها تركيا في الشمال السوري، والتي تستهدف فيها منطقة عفرين كجغرافيا، والكانتون الكردي الغربي كمشروع، وفيما تعتبر بعض هذه الأوساط ان الروس مخطئون في موافقتهم على العملية كونها تشكل اعتداءً واضحاً على سوريا، يعتبر البعض الآخر أن الرئيس بوتين وجد في العملية التركية فرصة استراتيجية لتوجيه الحل في سوريا تبعا للمخطط الذي رسمه.

صحيح ان ما يحرك الموقف الروسي في سوريا بالأساس هو مصالحهم ومقتضيات امنهم القومي، ومحاربة الارهاب كانت في صلب هذه الاهداف، بالاضافة لإمتلاكهم نقطة ارتكاز استراتيجية على السواحل الشرقية للمياه الدافئة في البحر المتوسط، ولكن هذا كله لم يتعارض يوما مع دعمهم اللامحدود لسوريا، دولة وجيشا وحكومة ورئيسا، وهذا الموضوع دفعهم للدخول في حرب غير سهلة، تعرضوا فيها لإنتقادات واسعة من قسم كبير من المجتمع الدولي، كما وأنها كلفتهم شهداء ومصابين من وحداتهم العسكرية، وكلفتهم قدرات مادية ولوجستية وعسكرية ضخمة، وخاصة ان روسيا وقواعدها العسكرية بعيدة جغرافياً عن الميدان السوري، وهي، وهذا هو المهم، لا تستفيد ماديا من جهات «مانحة»  كما هي الحال مع الولايات المتحدة الاميركية، التي تتكفل الدول الخليجية المعروفة بتأمين المبالغ الضخمة لتغطية تكاليف حروب الأخيرة بالكامل في المنطقة وخارجها.

في الحقيقة، صحيح ان روسيا تعارض العملية في العلن وفي المحافل الدولية، وتدعم موقف الدولة السورية أیضا، والتي اعتبرت ان العملية عدوان صريح على الاراضي وعلى السيادة السورية، ولكن من غير المستبعد ان تكون روسيا قد استدرجت الاتراك للدخول في مستنقع عفرين، وذلك تبعا للمعطيات التالية:

 عسكرياً

-  ترى روسيا من منظارها المدرك والعالم بتفاصيل وجزئيات الميدان في الشمال السوري، ان معركة عفرين لن تكون سهلة من الناحية العسكرية، فهي تعلم جيدا ان وحدات الحماية التركية، والمطعّمة بمقاتلين اشداء من حزب العمال الكردستاني، سيقاتلون بشراسة للدفاع عن منطقة عفرين، كما وتعلم انهم يستفيدون من اسلحة اميركية متطورة ونوعية وفاعلة، اقلها صواريخ مضادة للدبابات، من نوع «تاو» الجيل الثالث وربما الرابع البعيد المدى، وأنهم أیضا يملكون مجموعة كبيرة من صواريخ الكورنيت الروسية الصنع، والمعروفة بفعاليتها في مواجهة دبابات الميركافا الاسرائيلية في الاعتداءات على لبنان.

-  لا يخفى على الروس أیضا ان عماد الوحدات البرية المتدخلة في عملية غصن الزيتون هو من مسلحي درع الفرات ومن مجموعات اخرى تقاتل ضد الدولة السورية في جبهات ادلب الكبرى، وهذا أیضا سيكون لمصلحة الجيش العربي السوري في تشتيت هذه المجموعات واضعافها في مواجهته، وخاصة ان الأخير يقود حاليا معركة حساسة ومفصلية في ريف ادلب الجنوبي الشرقي، ومن المرتقب ان يوسعها الى ارياف اخرى.

- يرى الروس والدولة السورية أیضا، ان اي استنزاف للفريقين المتواجهين على الارض في عفرين، نتيجة ضغوط الميدان وتوازن القوة تقريبا بين الاثنين، سيؤدي لمصلحة دخول الجيش العربي السوري الى عفرين، حيث سيكون ذلك مخرجا للأتراك، على اساس ان ذلك يقضي على الحالة الإنفصالية الكردية في عفرين، ومخرجا أیضا للأكراد إذ ان مصلحتهم، وبعد فقدانهم السيطرة على عفرين، تكون في وجود الدولة السورية وليس في وجود الاتراك ومجموعاتهم المسلحة المتخاصمة والمتقاتلة معهم.

استراتيجياً

- لا شك ان القرار التركي بمهاجمة الحالة الانفصالية الكردية في عفرين، من دون معارضة فعالة من الاميركيين، سوف يغضب قوات سوريا الديمقراطية التي هي اساس هذه الحالة الانفصالية وقائدتها، وبما أن «قسد» تُعتبر الحليف الاساس للأميركيين في سوريا، سيشكل غض النظر الاميركي عن عملية غصن الزيتون، مشكلة بين الحليفين، الامر الذي سيكون لمصلحة روسيا ولمصلحة الدولة السورية بشكل خاص.

- من ناحية اخرى، يرى الرئيس الروسي، ومن خلال نظرته الإستراتيجية العميقة، كلاعب شطرنج متميز، انه حتى في نجاح الأتراك في الدخول الى عفرين، سيكون ذلك لمصلحة الدولة السورية اكثر من تثبيت الحالة الانفصالية الكردية وإعطائها الشرعية الدولية بطريقة غير مباشرة، في حال الوقوف بوجه الاتراك ومنعهم من إكمال المنطقة الآمنة في الشمال السوري، والقضاء على «الارهاب»  كما يدعون، والمتمثل بحزب العمال الكردستاني.

- من ناحية اخرى، ومن منظار فهمهم الواسع للمشكلة السورية ولمسار الحل الممكن، يرى الروس ان لتركيا دوراً اساساً في توجيه وترويض وإسكات اغلب المجموعات المسلحة التي تؤثر في الميدان السوري، والتي مطلوب منها ان تكون معتدلة وتنخرط في المفاوضات، ما بين سوتشي واستانة وجنيف.

 اذاً، للأسباب وللمعطيات المذكورة اعلاه، ومن المنظار الروسي، لماذا ازعاج الاتراك ومعارضتهم في الملف الاكثر حساسية بالنسبة لأمنهم القومي، وبالنسبة لسياستهم داخل تركيا وخارجها، اي الموضوع الكردي وأحلامهم الانفصالية المدعومة اميركيا؟ ولماذا تفويت الفرصة على نشوب خلاف وتوتر بين الاميركيين وقوات سوريا الديمقراطية؟ وخاصة ان فرصة انسحاب الاتراك من عفرين وتسليمها للدولة السورية لاحقا، ستكون اكبر من فرصة خضوع الاكراد المنتصرين في عفرين للدولة السورية، ولا سيما ان الولايات المتحدة الاميركية حينها ستستغل تلك اللحظة وتثبّت اكثر مخططاتها لتفتيت سوريا؟

 

 

بقلم: شارل أبي نادر - عميد متقاعد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 5/7357 sec