رقم الخبر: 211643 تاريخ النشر: كانون الثاني 15, 2018 الوقت: 15:15 الاقسام: ثقافة وفن  
سيكولوجية السعادة..بين الحقيقة والسراب
يشترك الناس جميعاً في طلبها

سيكولوجية السعادة..بين الحقيقة والسراب

هل تظن أنه سؤال عجيب؟! ولكني أختلف معك تماماً؛ حيث أن الناس كلهم قد اختلفوا في تعيين ماهية السعادة، ومتى يمكن أن نصف إنسانا بالسعيد، فقال الدكتور ناصر العمر أنها: (ذلك الشعور المستمر بالغبطة، والطمأنينة، والأريحية، والبهجة، وهذا الشعور السعيد يأتي نتيجة للإحساس الدائم بخيرية الذات، وخيرية الحياة، وخيرية المصير),

أما علماء النفس فلهم رأي آخر في تعريف السعادة، يضيف معاني ويغير أخرى، فالسعادة عندهم هي: (الشعور باعتدال المزاج، وهي الشعور بالرضا والإشباع، وطمأنينة النفس وتحقيق الذات، والشعور بالبهجة، واللذة والاستمتاع، وهي باختصار: الشعور بالرضا الشامل) [سيكولوجية السعادة، مايكل أرجيل].

وإن اختلفت الألفاظ والتعبيرات ولكن المعنى واحد؛ وهو أن سعادتكِ هي شعورك بالرضا والاطمئنان والسلام الداخلي، فهذه هي السعادة، ولكن ليس هذا ما يهمنا بشدة، إنما الذي يشغل بال الواحد منا: (كيف أصل إلى السعادة؟!)، وللأسف الشديد اتخذ الكثير من الناس طرقاً ظنوها تؤدي بهم للسعادة، ولكنها كانت إلى الشقاء والتعاسة أقرب.

هل السعادة في الراحة؟

أخالك تراه تفكيراً عجيباً؛ أن تكون السعادة في الراحة ... ولكن للأسف هناك الكثير من الناس من يظن أن السعادة في الراحة ... في كثرة النوم وعدم تحمل المسؤوليات من دراسة أو عمل أو ما شابه، فهذه هي السعادة لديها، ولكن الحقيقة أنها سعادة مزيفة.

يرفع لنا الرافعي الغطاء عن هذه الحقيق بقوله: (ليست السعادة في الراحة والفراغ ولكنها في التعب والكدح والمشقة حين تتحول أياماً إلى راحة وفراغ) [وحي القلم، الرافعي، (42/1)].

ونظم هذه الحقيقة الشافعي شعراً بقوله:

أأبيت سهران الدجى وتبيتُه    نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي

دعائم السعادة الحقيقية

أسمعك تسأل: إذاً كيف السبيل إلى السعادة؟

وإليك أهدي خلاصة ما اتفق عليه علماء وكتاب المسلمين وحتى غير المسلمين في مسألة السعادة، فاعلم أولاً في البداية أن السعادة لها شرط ومجموعة مقومات، وإليك مفاد كلامي:

شرط السعادة ـ لا سعادة إلا في كنف طاعة الله تعالى:

إن كنت تبحث عن السعادة؛ (تلك الغاية الغالية التي يشترك الناس جميعاً في طلبها والسعي لتحقيقها؛ بجمع المال من حله وحرامه تارة، وبإهلاك الصحة والوقت في تناول الشهوات من الحرام تارة أخرى؛ فدعني أسألك، كم سنة عشتها وأنت بعيد عن ربكِ؟ كم مرة نلت فيها ما اشتهته نفسك مما حرم الله تعالى؟ كم اقترفت من الزلات بحثاً عن السعادة؟ فهل ذقت حقّاً طعم السعادة الحقيقية؟!) [هزة الإيمان، فريد مناع].

فإن الإنسان مهما أوتي من زينة الحياة الدنيا، ومهما ملك وحاز من أسباب السعادة؛ فإنه لن يستطيع أن يحوز السعادة طالما كان بعيداً عن طريق الله تعالى؛ ذلك لأنه (في القلب شعث لا يَلُمُّه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأُنس به في خلوته، وفيه حزن لا يُذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته، وفيه قلق لا يُسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يُطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون وحده مطلوبه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها؛ لم تُسد تلك الفاقة منه أبداً ) [مدارج السالكين، ابن القيم، ص(743)، بتصرف].

فالسعادة الحقيقية كتب الله تعالى أن لا ينالها إلا من عرفه سبحانه وتعالى، وسلك طريقه، فهو سبحانه الذي يملك القلوب، وهو القادر أن يَسكُب السعادة في قلبكِ سكباً، كما وعد سبحانه؛ فقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [ النحل: 97 ].

مقومات السعادة

المقوم الأول ـ الاتساق الداخلي:

أعني بهذا الاتساق أن يستوي ظاهرك مع باطنكِ، فمن (أهم أسباب السعادة أن يتحقق التناغم بين ما يعتقده الفرد وبين ما يقوم بتطبيقه؛ فليس عنده ما يعيق تطبيق ما يؤمن به ويعتقده وهذا الأمر عبر عنه الله تعالى بالمقت؛ فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف: 2-3]، فكلما اقترن القول بالفعل لم يكن عند الإنسان عُقد في حياته فيقترب أكثر فأكثر من السعادة)

المقوم الثاني ـ مفتاح السعادة التفاؤل:

فباب السعادة لا يمكن أن يدخله من كان يرى السواد في كل شيء، والفشل في كل أمر، فهذا أبعد ما يكون عن السعادة، وإنما مفتاح ذلك الباب هو التفاؤل؛ فغالباً (لا يسد باب إلا ويفتح مقابله أبواب، ولكننا دائماً ننشغل بالباب المغلق عن الأبواب التي فتحت.

فسرطان السعادة القاتل هو اليأس، والترياق الناجع هو التفاؤل، ولم يعرف التاريخ تفاؤلاً كما عرفه العرب والمسلمون؛ فالإسلام جاء ليضفي السعادة على البشر جميعاً فكانت تعليماته كلها تصب في بحر التفاؤل.

المقوم الثالث ـ صحة العلاقات الثلاث:

(إذا اعتبرنا أن مجمل علاقات الإنسان تكون في اتجاهات ثلاثة: علاقة الإنسان بخالقه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان مع المحيط الذي يعيش فيه، فإن السعادة تكمن في حل هذه المعادلات الثلاث وإيصالها إلى درجة التوازن؛ والتعاسة تصل إلى الإنسان من خلال اضطراب في إحدى هذه المعادلات الثلاث).

فالسعيد هو من ينجح في علاقته مع ربه سبحانه وتعالى؛ ويكون ذلك عبر استقامة الجوارح والقلب ظاهراً وباطناً، بالمواظبة على الواجبات واجتناب النواهي.

والسعيد أيضاً هو من ينجح في علاقته مع نفسه؛ فيكون ناجحاً في عمله وفي دراسته وفي كل جوانب الحياة التي يخوضها.

وتمام السعادة هو النجاح في العلاقة مع الآخرين؛ فبناء العلاقة الطيبة مع الزوج ومع الأسرة والأهل والأصدقاء، هي من متممات السعادة الحقيقية.

والدليل على ذلك أنه من أحد تعريفات علماء النفس للسعادة: (أن يجد الإنسان نفسه ويتصالح معها؛ لذلك كان من أهم أسباب التعاسة أن الإنسان لا يجد نفسه ولا يعرف أين موقعه في المجتمع ومن هو؟ وما هي مكانته؟ وماذا يستطيع أن يقدم؟) [حقيقة السعادة، عبد اللطيف البريجاوي].

المقوم الرابع ـ السعادة في شكر النعم:

فما استجلب عبد الرضا والسعادة كما يستجلبها بالشكر، فالعبد الذي يكثر من شكر الله تعالى على نعمه بلسانه وبقلبه حقيق؛ يقذف الله في قلبه الرضا والسعادة بما أعطاه وقسمه له، لذلك من (أحد المشاكل التي يعاني منها البشر اليوم أنهم يفكرون بما ينقصهم ولا يفكرون بما يملكون؛ فالإنسان يملك الكثير والكثير من مقومات السعادة)

وصفة السعادة

جناحا السعادة: الزواج الناجح والأصدقاء المخلصين.

قلب السعادة: الرضا بالقضاء.

رأس السعادة: العمل المنتج الدائم.

رئة السعادة: النجاح.

يد السعادة: العطاء.

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 7/5553 sec