رقم الخبر: 211476 تاريخ النشر: كانون الثاني 13, 2018 الوقت: 14:46 الاقسام: ثقافة وفن  
التاريخ بين الإمكانية والواقع
شروط موضوعية بمعزل عن الاختيار

التاريخ بين الإمكانية والواقع

ما التاريخ؟ يدل مفهوم التاريخ، في نصنا، على سيرورة البشر وصيرورتهم، والسيرورة من سار، تلك الحركة التي تعبر فيها البشرية عن مسارها، أو الدالة على مسار مجتمع أو جماعة أو شعب أو أمّة،

وكلها مفاهيم دالة على السيرورة. فيما الصيرورة، من صار، مفهوم دال على ما صارت إليه السيرورة، إنها أحوال السيرورة وانتقال البشر من حالة إلى أخرى، أو ثبات مرحلة من التاريخ، أو حال النكوص التاريخي أو التجاوز. وليس هناك سيرورة دون صيرورة ولا صيرورة دون سيرورة.

وأن الوعي حركة التاريخ التي أشرنا إليها لم يعد يتكئ على مفاهيم الحتمية والقانونية والضرورة التاريخية لفهم سيرورته وصيرورته، وإن كان هناك ميل للتاريخ، بل صار الفهم لحركة التاريخ ملزماً أن يكشف عن الشروط المتعددة والمتشابكة التي تنتج أحوال التاريخ، وهنا بالذات تبرز أهمية مفهومي الإمكانية والواقع.

في المستوى المنطقي المجرد: كل حال من أحوال التاريخ كان إمكانية في قلب التاريخ بمعزل عن أحكامنا التقويمية لهذه الحال أو تلك. وانتصار إمكانية أو موتها، أي تحوّلها إلى واقع مرده إلى تلك الشروط المتشابكة التي تحدثت عنها. إنها الشروط الذاتية والشروط الموضوعية في تشابكها. والشروط الإنسانية هي حال إرادته من حيث فاعليتها أو جمودها.

والشروط الموضوعية هي الوقائع التي صارت موجودة وجوداً مادياً بمعزل عن اختيارنا لها. فأحوال التاريخ المادية- الموضوعية صارت مستقلة عن إرادنا حتى لو كانت إرادتنا -في لحظة ما- شرطاً من شروط وجودها. فالمؤسسة وإن كانت ثمرة إرادة البشر في تنظيم حياتهم عبر سيرورتهم فإنها أصبحت مستقلة عنهم، وتحولت إلى واقع موضوعي غير مرتبط بإرادتهم. والعلاقات الرأسمالية حال من أحوال الصيرورة التاريخية لكنها أصبحت واقعاً بمعزل عن الذات الإنسانية وهكذا.

مفهوم الإمكانية

نعود إلى مفهوم الإمكانية، الإمكانية واقع لم يتحقق بعد ينمو في أحشاء الواقع الموضوعي الذي تحدثت عنه. فالواقع الموضوعي هو الذي يخلق الإمكانات في الواقع وفي الوعي معاً. ولكن هناك فرقا كبيرا بين الإمكانية في الواقع والإمكانية في الوعي حتى لو كانت الإمكانية من خلق الواقع الموضوعي.

فالواقع الموضوعي للاستبداد في ذروة قوته قبل انحداره لا يخلق في العادة إمكانية زواله أو تحوله أو تجاوزه أو الثورة الكلية عليه ولكنه، أي الاستبداد قد يخلق هذه الإمكانية في الوعي فقط دون أن يكون لها وجود في قلب حركة التاريخ في سيرورته. وان أكبر مشكلة يواجهها البشر في علاقتهم بالتاريخ هي مشكلة التضاد بين الإمكانية التي في وعيهم والإمكانية في الواقع.

المثال الأبرز الذي يعيشه العرب منذ زوال الدولة العثمانية هو الوحدة العربية أو الاتحاد العربي. فالواقع الموضوعي للعرب هو أنهم مجموعة من الدول المستقلة بحدودها الجغرافية- السياسية، باقتصادها، بسلطاتها، بمؤسساتها، بعلاقاتها الخارجية.. الخ.

هذا الواقع لم يرق لعدد كبير من العرب، عامة ومثقفين، فخلق لديهم وعياً بإمكانية الانتقال من تعدد الدول الواقعي إلى دولة واحدة. هذه الإمكانية في الوعي هي ثمرة الواقع الموضوعي ولكنها لم تكن واقعاً في قلب الواقع الموضوعي. فظلت قائمة في الوعي. فالشروط الموضوعية التي خلقت في الوعي إمكانية الوحدة لم تخلقها في الواقع نفسه.

ولهذا يمكن أن نميز بين عدة أنواع من الإمكانيات التاريخية:

1- الإمكانية الواقعية: وهي الإمكانية التي ولدت وتطورت في قلب الواقع الموضوعي بفعل التغير العفوي في شروط الواقع. وحين يكتشف الوعي هذه الإمكانية الواقعية بإيجابياتها وسلبياتها وتصبح جزءاً من فاعليته ينتج التطابق بين الإمكانية في الذهن والإمكانية في الواقع.

2- الإمكانية الواقعية القريبة: وهي الإمكانية الواضحة للعيان والتي لا تحتاج إلى جهد لنقلها إلى واقع أو لمنع تحققها بتوافر حظ بسيط من الإرادة وهي، غالباً، من الإمكانيات التي لا تحدث تحولاً استراتيجياً في الواقع. وهذه الحال تميز المجتمعات المستقرة التي ترصد إمكانياتها دائما بإيجابياتها وسلبياتها.

أما في المجتمعات المتأخرة ذات السلط اللاعقلانية المستبدة والتي لا تلتفت للإمكانيات عموماً فإن الإمكانيات الواقعية القريبة السلبية تتراكم مع الأيام لتغدو كيفاً منذراً بالخطر.

3 – الإمكانية الواقعية البعيدة: وهي الإمكانيات التي تنشأ مع مرور الزمن دون القدرة على ملاحقتها والوعي بها إلا في لحظة انكشافها الأخير. هذه الإمكانية بوصفها ثمرة التفكير المنطقي المجرد توجد في الذهن قبل وجودها في الواقع، وتكتسب واقعيتها من التجربة التاريخية للمجتمعات البشرية.

4- الإمكانية الزائفة: والإمكانية المتخيلة في الذهن على أنها إمكانية قابلة للتحقق، وهي في الواقع مستحيلة التحقق لأنها ليست إمكانية عائشة في قلب الواقع، بل أنتجها الوعي الزائف بالتاريخ وبالواقع . وغالباً ما تمتلئ الأيديولوجيات بهذا النمط من الإمكانية.

5- الإرادة والإمكانية: تقوم بين الإرادة والإمكانيات آنفة الذكر علاقات متنوعة بالضرورة. وعندما نقول إرادة فالإرادة لا تنفصل عن الوعي وأنواعه أبداً.

فالإرادة البشرية التي تسلحت بوعي الإمكانية الواقعية القريبة أو البعيدة، غالباً إذا لم تواجه عائقاً يضعف إرادتها، فإنها تخلق تطابقاً بينها وبين التاريخ، فيجري التاريخ مجرى الانتقال من حال إلى حال حتى لو دفعت الإرادة جراء ذلك أتاوة كبيرة.

6- موت الإمكانية: إن أخطر ما يواجهه التاريخ البشري هو موت الإمكانيات التي تحتاج إلى إرادتهم. فهناك كما قلنا إمكانيات واقعية تنشأ بفعل التحولات العفوية في المجتمع، لكنها تموت بفعل غياب الإرادة، أو بفعل أخطاء الإرادة في نقلها إلى واقع. وهناك إمكانيات تكون قابلة للتحقق في شروط تاريخية ما وتزول بزوال هذه الشروط. وخسارة إمكانية ما خسارة قد لا تتكرر وقد تولد من الوقائع ما لا يستطيع البشر تحمله.

7- المصادفة والإمكانية: كل مصادفة تحققت في الواقع كانت إمكانية مجهولة من قبل الوعي. لكنها لم تكن إمكانية قوية، بل قد تكون أضعف الإمكانيات. وفِي كلا الحالين لم تكن في حسبان الوعي. فظهور دكتاتور على مسرح تاريخ بلدٍ من البلدان هو محض مصادفة، لكنه كان إمكانية خفية، هذه المصادفة قد تغير مجرى تاريخ هذا البلد أو ذاك، بل وقد تغير مجرى تاريخ عالمي.

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 6/9846 sec