رقم الخبر: 210378 تاريخ النشر: كانون الأول 30, 2017 الوقت: 15:31 الاقسام: مقالات و آراء  
بن سلمان وتناقضاته القاتلة

بن سلمان وتناقضاته القاتلة

استخدم محمّد بن سلمان، ورقة (ترافولتا) وهيئة الترفيه وغيرها، تماماً مثلما استخدم (الوهّابية الخانعة) له، كل في سبيل مشروعه للحكم والثروة، وصار ترافولتا (وهّابياً)، على النمط الذي يريده (بن سلمان) رغم أن الفشل – و(ربما) القتل – هو المآل النهائي لهكذا اندفاع.

حين هبطت طائرة الممثل الأميركي الشهير جون ترافولتا في مطار الرياض يوم 15/12/2017، اشتعلت وسائل التواصل ومواقع النميمة الإعلامية، وحاول بعضها، خاصة المتّصل منها بالآلة الإعلامية السعودية «وهي آلة في الواقع واسعة الانتشار دولياً» أن يصوّر الأمر على أنه، يُعدّ بمثابة فتح فني وثقافي وتنويري جديد، يسطع في سماء المملكة السعودية في عهد محمّد بن سلمان الملك القادم، خاصة وأنه يحدث بعد يومين من الموافقة على منح تراخيص لإنشاء دور للسينما في المملكة، وبعد شهور قليلة من قرار يعطي للمرأة حق قيادة السيارة بعد موافقة وليّ الأمر!، لقد اعتبر (أنصار الأمير محمّد بن سلمان) زيارة الممثل والمغني (ترافولتا) والتي استمرت يومين، بمثابة إعلان على بدء عصر من الحرية والانفتاح على العالم، الذي هو هنا أميركا، ونجومها الكبار أمثال ترافولتا (63 عاماً)؛ وغيره من الفنانين ونجوم الكرة الذين شارك بعضهم في حفلات أخرى سواء بمناسبة وصول السعودية لكأس العالم أو حفلات ترفيه عامة مثل تلك التي جرت في حفل جدّة الغنائي الشهير يوم 21/12/2017 الذي أشرفت عليه ما تُسمّى بهيئة الترفيه السعودية.

في المقابل، انتقد المعارضون هذا السلوك، واعتبره بعض المتديّنين (وليس كل) من أتباع الدعوة الوهّابية، أنه خطأ ومخالف لشريعة الإسلام (!!)، أما المختلفون سياسياً مع وليّ العهد محمّد بن سلمان، فاعتبروه رسالة من هذا الأمير الطموح، إلى واشنطن، بأن زمناً جديداً غربي الهوى والثقافة، وليس السياسة «كما كان» قد بدأ في المملكة.

الآن... وقد هدأت ردود الفعل في كلا الاتجاهين عن تلك الحفلات والزيارات؛ المؤيّد، والمعارض، دعونا نتأمّل دلالات تلك الزيارات، والأبعاد الحقيقية التي تقف خلفها:

أولاً: يخطئ محمّد بن سلمان إن هو ظنّ أن بمثل تلك الحفلات أو الزيارات، لفنانين عالميين، في وزن جون ترافولتا، قد يغيّر من التربة الثقافية السعودية المتشرّبة عبر طبقاتها المتتالية من فكر الوهّابية وثقافتها الإقصائية، إن التصوّر الساذج الذي بنى عليه محمّد بن سلمان وجماعته، من العطشى للسلطة، أن مجرّد «حفلة» أو «زيارة» سيمكّنها أن تغيّر من الصورة النمطية التاريخية «الصحيحة في الغالب» عن حال الانغلاق السعودي الممتد لأكثر من عقود ثمانية «أسّست المملكة بالدم وبأسلوب داعش عام 1932»، هو تصوّر خاطئ.

إن الوهابية خلقت بشراً، وأرضاً وثقافة، شديدة الانغلاق، قاسية الإحساس والروح، ثقافة داعشية بامتياز، فهل تفلح مجرّد إطلالة لأمثال المطرب والممثّل المعروف «جون ترافولتا»، أن تغيّر من هكذا ثقافة ضاربة الجذور، أما أن الأمر يحتاج إلى عمل منهجي، ثقافي وسياسي واجتماعي، يستند إلى منهج تغيير وإصلاح حقيقي داخل المجتمع، ووسط الناس، وعبر آليات ديمقراطية صحيحة، وليس عبر زيارة أو حفلة استثنائية، خارج السياق وليس داخله كما جرى مع زيارة جون ترافولتا. أما أن الأمر كله من ألفه إلى يائه... مجرّد توظيف سياسي من الأمير الطموح محمّد بن سلمان لتلك «الزيارات كما هي لتلك الوهّابية» ولذلك المال المسروق عبر الأمراء الموقوفين؟!

ثانياً: وحتى زيارة جون ترافولتا كنموذج، إذا ما تأمّلناها في تفاصيلها العميقة، نجدها وقد يكتنفها بعض الملاحظات المهمة، فالرجل لم يجيء لكي ينشر ثقافة الانفتاح أو يكون هو بدايتها، كما يدّعي البعض، الرجل مثله مثل غيره من نجوم الفن والرياضة جاء ليتلقى مالاً، فضلاً عن أنه وهذا هو المهم هنا.. في فكره وثقافته «هذا إذا افترضنا أنه يمتلك رؤية متكاملة للحياة والفن والثقافة» يقول إنه ينتمي إلى مذهب في الفلسفة إسمه (سينولوجيا) وهي كما تعرفها موسوعة المعارف «مجموعة من المعتقدات والممارسات الدينية الشاذّة» التي أسّسها كاتب خيال علمي أميركي إسمه «رون هويارد (1911-1981) وهي تستند إلى فلسفة علمانية أنشأها هذا الكاتب عام 1952، وهي في جوهرها تناقض الأديان كافة، وعلى رأسها طبعاً؛ المسيحية والإسلام»!.

ترى هل كان محمّد بن سلمان وفريقه من دُعاة هيئة الترفيه «ذكرتني بهيئة الأمر بالمعروف التي تمسك بالعصا لضرب الناس ممن لم يذهبوا للصلاة في شوارع المملكة ممن لم تسمح لهم ظروف عملهم بالذهاب إلى الصلاة في وقتها»، ترى هل كانت تعلم (هيئة الترفيه) بمذهب وفلسفة (ترافولتا)؛ قبل دعوته؟ وإذا كانت تعلم؛ نشكّ في ذلك، لأنهم أجهل من أن يطّلعوا على المذاهب الثقافية والفنية في العالم؛ هل هكذا تُحارب «الوهّابية» في بلادهم؟ هل بفلسفة رون هويارد، وأفلام ورقص ترافولتا، على مسرح مركز إبكس للمؤتمرات والمعارض في الرياض، وعبر عرض أفلامه من نوعية «حمى ليلة السبت – الوجه المخلوع – الخيال المثير» والتي يحتوي بعضها على مشاهد إباحية، هل بأمثال هذه الزيارات والحفلات أن تهزم الوهّابية ضاربة الجذور !!

ثالثاً: من المؤكّد لدينا، أن ثقافة، أطلقت على الفنون والأغاني (مزامير الشيطان) وأباحت قتل المخرج العالمي مصطفى العقاد، وحرمت الفن، والأغاني الوطنية والصوفية الراقية، واعتبرتها شركاً ووثنية، هذه الثقافة الوهّابية، لا نظن أن قفزات ومفاجآت محمّد بن سلمان وفريقه حتى لو كانوا مخلصين في نواياهم، قادرين على هزيمتها.

فالأمر يحتاج إلى خطاب ديني وثقافي واجتماعي مغاير، خطاب يتصدّى بوسائل أكثر تقدّماً ومنهجياً، خطاب يقوم على الحرية وعلى العدالة، وهنا نقف أمام ثنائية فجّة تنسف كل ادّعاءات محمّد بن سلمان وفريقه سواء بخصوص الديمقراطية أو العدالة، فوليّ العهد ادّعى أنه بسجن ومحاكمة الفاسدين من الأمراء ورجال الأعمال (وصل عددهم قرابة الـ 400) كان يستهدف محاربة الفساد، وتطهير المجتمع، وبناء وطن معافى، وإذ بالرأي العام (السعودي) قبل العربي والعالمي يُصدم في الأمير وسلوكه حين يقرأ قبل أيام في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية ما نصه (أن وليّ العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان اشترى «قصر لويس الرابع عشر» قرب باريس، والذي يعتبر أغلى منزل خاص في العالم، مقابل 275 مليون يورو "300 مليون دولار")، وقالت الصحيفة إن القصر بيع في سبتمبر 2015 من قِبَل الشركة الفرنسية المتخصّصة في العقارات الفاخرة «دانيل فيو» التابعة لشبكة كريستيز، ولم يتم الكشف حينها عن إسم المشتري واكتفى بالإشارة إلى أنه من «الشرق الأوسط»، وبُني القصر في 2011 محاكاة لقصر فرساي القريب منه، وتبلغ مساحة الأماكن المخصّصة للسكن في القصر 5 آلاف متر، ويحوي نوافير يمكن التحكّم فيها من الهاتف، وقاعة سينما وحوض أسماك عملاق.

فهل من يشتري قصراً في باريس بـ 300 مليون دولار، يمكن أن يُصدّق أنه يحارب الفساد ويطهّر البلاد من الفاسدين؟ إذن لماذا لمس يبدأ بنفسه وبأبيه وعائلته؟ إنه التناقض الذي يؤكّد أن الفتى الطموح (أمير الفوضى كما سبق وأسماه الكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان) ليس سوى ممثل، ومدعٍ، وغير صادق تماماً في ما يقوله؛ وإذا ما مددنا الحبل على استقامته، فإن من يقتل ويسجن المثقفين والمختلفين مذهبياً (شيعة المنطقة الشرقية في السعودية مثالاً!!) ومن يقتل الأطفال في اليمن ويدمّر الحضارة، لا يمكنه أن يكون (تنويرياً) ومن دُعاة الحرية والفن الجميل!! وإن من يموّل الإرهابيين في سوريا طيلة السنوات الدامية الماضية، ثم يعقد لهم المؤتمرات، آخرها مؤتمر الرياض قبل أيام!!، والتي يشتري بها مرتزقة المعارضة السياسية كما اشترى ووظّف جماعة النصرة وداعش؛ ليظل الجرح السوري نازفاً، هل يمكن لمن فعل ذلك؛ أن يكون نصيراً للترفيه، والسعادة والفن الراقي ؟! .

إن التناقض هو سمة هذا الأمير وعهده الجديد، وهو عهد في المحصّلة النهائية لن يقل فساداً، وتطرّفاً دينياً عما سبقه، الجديد فقط، هو أن جرعة التسلّط والنهم للثروة والحكم المنفرد؛ كانت أكبر من سابقيه.

لكل هذا .. وعود على بدء؛ نقول أن طلّة جون ترافولتا، وحفلات الترفيه، وغيرها ليست سوى (مكياج) سيّىء الإخراج، لوجه شديد القبح تحمله تلك الثقافة الوهّابية، إن جون ترافولتا في زيارته ورقصه رغم الملايين من الدولارات التي حصل عليها، لم يؤثّر في السياق العام الاجتماعي للوهّابية التي يوظّفها بن سلمان هذه الأيام لصالحه.

لقد استخدم محمّد بن سلمان، ورقة (ترافولتا) وهيئة الترفيه وغيرها، تماماً مثلما استخدم (الوهّابية الخانعة) له، كل في سبيل مشروعه للحكم والثروة، وصار ترافولتا (وهّابياً)، على النمط الذي يريده (بن سلمان) رغم أن الفشل – و(ربما) القتل – هو المآل النهائي لهكذا اندفاع، وتناقضات، سياسية وثقافية، يقودها أمير محدود الثقافة، ضيّق الصدر، ينشر الفوضى، حيثما حل، في مجتمع شديد البداوة، عظيم الثروة والمكانة الدينية الروحية، لكنها جميعاً ذهبت مع هذه الأسرة الحاكمة بالدم والنار، أدراج الرياح ومع هذا الأمير «العجول» المتناقض، قد تُكتب نهايتها !! والله أعلم .

 

بقلم: رفعت سيد أحمد - كاتب ومفكر مصری  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الميادين
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2139 sec