رقم الخبر: 207460 تاريخ النشر: تشرين الثاني 20, 2017 الوقت: 13:58 الاقسام: ثقافة وفن  
العقلانية في العمارة وليدة المسائل الفكرية
بوصفها مذهباً معمارياً

العقلانية في العمارة وليدة المسائل الفكرية

ظهرت العقلانية بوصفها مذهباً معمارياً منذ القرن الثامن عشر؛ ذلك القرن الذي أطلق عليه اسم عصر العقل، حين احتل العلم والمنطق المقام الأول في التحول الصناعي، وحين أصبحت العمارة صناعةً كغيرها من الصناعات التي لابد أن تواكب التحولات الفكرية والتقانية والحداثة والنزعة الوظيفية التي سيطرت على ذلك العصر.

بدأ تأثير الصناعة في العمارة منذ أن ابتدأ المعمار باستخدام الآلات في عمارته، واستخدام منتجات هذه الآلات في إنشاءاته، بل بدأ هذا التأثير واضحاً عندما أصبح الشكل المعماري مستمداً أحياناً من أشكال الآلات ذاتها، وخاضعاً إلى جميع المبادئ العقلانية جميعها في إنشاء العمارة.

إنها نظرية فكرية تقوم على التحليل والنقد، وتبتعد عن النزعة العاطفية والمثالية، وتسعى إلى حل المشكلات الاجتماعية وتلبية متطلبات العصر، وتحترم الوظيفية. وفي مجال العمارة، ساعدت تلك النظرية على تلبية الحاجات الإسكانية المتزايدة بعد الحرب العالمية الأولى، ورفعت مستوى التصميم المعماري إلى الكمال، وأصبحت قادرة على اكتشاف الحلول الإنشائية الخاطئة والرديئة، وتحقيق جودة التصميمات. بل أصبحت منهجاً أكاديمياً لا مناص من اتباعه في عصر تطور التقانات والمواد، وفي مناخ عصر الحداثة في الفكر والفن.

لقد كانت العقلانية في العمارة وليدة المسائل الفكرية التي قدمها كبار الفلاسفة في القرن العشرين.

ولقد أصبحت العمارة العقلية عالمية بسبب انتشار تقنياتها وأشكالها في جميع أنحاء العالم، وأصبح استغلال المواد الجديدة من حديد وزجاج وألمنيوم ولدائن وكهرباء شاملاً، مما أوجد الأسلوب الدولي للعمارة.

ولكن هذه التشاركية المعمارية العالمية لم تكن موحدة، فلقد برزت التعددية في الطرز بسبب الثوابت المناخية والتقليدية في أقاليم العالم، مما أورث مدارس حديثة مختلفة في العمارة، ولكنها تعتمد الوسائل التقانية والقواعد العلمية التي انتشرت في عصر العقل.

أصبحت الطرق الإنشائية العلمية العامل المشترك في العمارة الدولية أكثر من الأسلوب؛ إذ انتشر استخدام طرق الإنشاءات الحديثة، مثل القشرة الخرسانية، والجمالونات الفراغية، والقباب الجيودوزية، إلى جانب التشكيلات والتطبيقات المعمارية، مما تحدث عنه فوللر مبدياً أثرها في تحقيق عالمية العمارة العقلية. وكانت العمارة المسبقة الصنع التي تعتمد على الإنشاء الجاف الطريقة الإنشائية السائدة لأنها الأسرع تنفيذاً والأكثر اقتصاداً في بناء عمارة تسد الحاجات المعمارية الطارئة في الإسكان الطبقي المرتفع، وفي بناء المصانع الضخمة، والمخازن والمطارات والجسور والسدود.

ومع أن القرن التاسع عشر شهد ولادة الفن الحديث Art Nouveau الذي قام على رفض الفن والعمارة التاريخيين، والاهتمام بالحرية الإبداعية التي بدت متطرفة في أعمال المعمار الإسباني غودي؛ يلحظ أن القرن العشرين شهد تحولاً مفاجئاً بسبب العقلانية التي اتجهت نحو التقشفية والهندسية، وبدت العقلانية واضحة.

وسيطرت العقلانية والتقانة الإنشائية والوظيفية على العمارة نظرياً وعملياً عن طريق مدرسة بيت العمارة لعدد من المعماريين والفنانين باتجاه العقلانية والتقانة، على قاعدة تضافر الفنون مع العمارة، معلناً عن رفضه اتباع النموذج الأصلي في العمارة، الذي كان سائداً.

بقيت العمارة فناً على الرغم من سيطرة العقل والعلم والوظيفة، إلا أنها انقسمت أكاديمياً إلى هندسة إنشائية، وهندسة معمارية، الأولى تُعنى بالنواحي العلمية المحض لتحقيق الإنشاء الأكمل، والثانية تسعى إلى تقوية ملكة الإبداع والفن في تشكيل العمارة، مع مراعاتها للمبادئ العلمية، بل أصبحت الجامعات تميز بين ما يسمى هندسة العمارة وفن العمارة، لتأكيد ربط العمارة بالفن وحده.

على أن تأثير المهندس الإنشائي استمر واضحاً وجلياً بسبب هيمنة التقانات الحديثة، حتى إن السدود الضخمة والجسور كانت من صنع المهندس الإنشائي من دون تدخل المعماري. بل هيمن المهندس الإنشائي في صنع العمارة الضخمة، حتى قيل: «إن العمارة في القرن العشرين كانت من صنع المهندسين على الرغم من المعماريين». لذلك فقدت العمارة الطابع الجمالي لسيادة التشكيل الإنشائي الذي فرضه العلم.

وهكذا لمع اسم المهندس إيفل الذي صنع البرج في باريس، الذي عد نجاحاً تقانياً عقلانياً، لا إنجازاً فنيَّاً.

كانت عمارة القرن العشرين عقلية لانتمائها إلى التقانات الحديثة، وإلى هيمنة الفعل الإنشائي المتطور باستعمال الخرسانة التي بدت نبيلة بذاتها في عمارة الكنائس التي صممها بيره عام 1925 مع أخويه، وكانوا رواد الخرسانة المسلحة التي بدت أيضاً في شكلها الخام.

كذلك شهد القرن العشرون تحولاً شاملاً في فن العمارة تحت لواء الحداثية، معارضاً التقاليد المعمارية جميعها، ومقبلاً على استغلال التقانات المبتكرة التي ساعدت المعمار على إبداع أشكال معمارية مختلفة خاضعاً للوظيفة التي تحكم العقل في تقريرها وتنفيذ متطلباتها في العمارة الحديثة.

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 5/9317 sec