رقم الخبر: 204642 تاريخ النشر: تشرين الأول 13, 2017 الوقت: 16:07 الاقسام: ثقافة وفن  
كيف ننقل المفاهيم بين الحضارات؟
نمط الكلام على قدر العقول

كيف ننقل المفاهيم بين الحضارات؟

قد تنظر بعض المجتمعات لطائر البوم على أنه رمزٌ للحكمة، وقد تنظر إليه مجتمعات أخرى على أنه رمز للشؤم، وهذا مثال عما قد تسببه الترجمة الحرفية للنصوص عند النقل بين البيئات الثقافية المختلفة، ويكون الأمر أصعب بكثير مع تفاوت الزمان والانتقالات الحضارية الكبيرة.

ومثله في النقل العلمي فهناك أشخاص اكتسبوا ثقافة علمية ولم يحاكموا مصادر تلك الثقافة العلمية ليعرفوا مقدارها من قوة الاحتمال، فكثيراً ما تجد بعض المبشرين بالغرب أكثر يقيناً بالنظريات العلمية من العلماء الغربيين أنفسهم، مثال ذلك أن نجد بعض الأطباء في بلداننا ينفون الطب البديل (كطب المنعكسات والحجامة وغيرها) بالمرة ويعدونه شيئاً من الخداع والدجل، بينما في الغرب تمنح الشهادات في الطب البديل من جامعات راقية لا يختلف اثنان في احترامها.

يقول ستيفن هوكنج في مقارنته بين نظرية السيدة العجوز (المعترضة على محاضر أكاديمي): بأن الأرض مستندة على سلحفاة والسلحفاة على سلحفاة إلى ما لا نهاية، وبين نظرية الأوتار العظمى: (كلا النظريتين تدوران حول الكون رغم أن النظرية الثانية أكثر صلة بالرياضيات وأكثر دقة من الأولى، على أن النظريتين تفتقران إلى الدليل القائم على المشاهدة، فلم يشهد أي واحد منا سلحفاة ضخمة وهي تحمل الأرض على ظهرها ولم يشهد أي واحد منا الأوتار العظمى أيضاً).

ويقول عن النظريات الفيزيائية التي أوردها في الفصل الثاني من كتابه الكون في قشرة جوز أن تلك النظريات لم تتوفر لها أدلة أكثر من التنجيم.

فهو ينظر لنظرية تلك المرأة عن كون الأرض على سلحفاة فوق سلحفاة.. إلى ما لا نهاية كفكرة عن خلق الكون لا تختلف عن نظرية الأوتار الفائقة إلا من حيث الوصف الرياضي. مع أنه أيضاً وقع في نفس الخطأ فظن أن نظرية الأفلاك القديمة تتحدث عن أفلاك الكواكب التي عوض عنها علم الفلك اليوم بما اكتشفه من مدارات الكواكب حول الشمس، مع أنها تتحدث عن أفلاك المعرفة وعلاقة الكواكب بالمعارف التي ترتبط بنفس الإنسان وتتنزل منها المعارف.

ومن أجمل المحاولات التي قرأتها عن بعض الكتاب المعاصرين أنه فسّر ما نُسب إلى أرسطو وما نقل عن الإمام الصادق(ع) بأن الأرض مثبتة فوق قرني ثور، بأن المقصود به المجال المغناطيسي الأرض الذي يكون شكله الحقيقي مشابهاً تماماً مع قرني الثور وهو السبب في ثبوت الأرض في مدارها، وأن وجه التشبيه به هو عنف هذا المجال المغناطيسي الهائل الذي يتميز به كوكب الأرض، فقام هذا الكاتب المعاصر بفهم هذا النص بمعزل عن فكرتنا عن الثور وباحترام صاحب القول الأول فإن كل عاقل لا يمكنه أن يقبل وجود ثور بهذا الحجم مع ما يقتضيه من لوازم فلا شك أن المراد به نمط من الكلام على قدر العقول صدر في ذلك الزمان ليفهمه الأذكياء في زماننا.

ومن الأمور التي تفتح الأذهان دراستان اطلعت عليهما تتعلقان بنمط الثقافة في بعض القبائل الأفريقية التي لا نرى لهم سبيلاً محترماً للمعارف العلمية: أحدهما قامت بها طبيبة كندية وصل إليها أن هناك طبيبة أفريقية في بعض القبائل تعالج مرضاها بطريقة خاصة فسافرت إليها من كندا وتعلمت منها تلك الطريقة كما يتعلم التلميذ من أستاذه.

والثانية ما قرأته في كتاب عمره أكثر من مائة سنة عن قبيلة أفريقية تزعم أن زواراً من النجوم جاؤوهم قبل زمان طويل وعلموهم مواقع الكواكب (المطابقة مع كواكب المجموعة الشمسية) وكانوا يمارسون طقوساً معينة ويتوجهون إلى نجمة خاصة يرون أن زوارهم الفضائيين قدموا منها. وكان مؤلف الكتاب يعتقد أن اليونانيين زاروا هذه القبيلة وأعطوهم هذه الثقافة عن الكواكب، ولم يستطع أن يفسر دعواهم أن تلك النجمة التي يتوجهون إليها لها كوكب واحد يدور حولها، ولكن العلم الحديث اكتشف اليوم وبفضل تقنياته العالية في التصوير وجود كوكب واحد فعلاً حول تلك النجمة مما لم يستطع أحد يفسر كيفية معرفة رجال تلك القبيلة لهذه المعلومة، فهل يصدقونهم في ما ادعوه من زيارة كائنات فضائية لهم؟.

ونرجو أن نتعلم من هذه الظواهر الانفتاح على كل شيء وعدم الاغترار بثقافتنا العلمية وغلق الأبواب عن الآخرين، فهناك أبواب مخفية دائماً قد تأتي بما لا نتوقعه.

ولعلنا نتعلم منها أيضاً عدم التنازل عن تراثنا الديني لمجرد ظننا أنه مخالف للثقافة العلمية الظنية، مثلما حصل مع بعض الكتاب الذي أراد التخلص من بعض الروايات باعتماد منهج النظر إلى المتن ورفضه إذا كان مخالفاً للعلم فجاء إلى رواية تخبر أن لله ملائكة في أعلى الجو يرمون أشعة الشمس بالبرد ولولا ذلك لأحرقت الشمس ما على الأرض فجاء إليها وزعم أنها مخالفة للعلم، مع أنها مطابقة تماماً مع مكتشفات العلم سوى أنه يظن أن الملائكة أجسام يمسكون البرد بأيديهم ويرمونه نحو الشمس، وهكذا نضيع الكنوز دائماً ونحن نظن أننا نقدم خدمة للدين ونجنبه استهزاء المستهزئين الذين لم يخل منهم زمان، ولو راعينا أذواقهم القاصرة لتنازلنا عن جواهر الدين الحقيقية.

 

بقلم: عماد علي الهلالي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/9706 sec