رقم الخبر: 204541 تاريخ النشر: تشرين الأول 11, 2017 الوقت: 14:03 الاقسام: مقالات و آراء  
مأزق الاستفتاء الكردي!

مأزق الاستفتاء الكردي!

يشير حراك الأيام القلائل الماضية بين بغداد واربيل وعواصم اقليمية قريبة للعراق الى ثلاث حقائق هي:

- إن تبعات الاستفتاء الكردي الكارثية، بدأت تظهر وتنعكس على أرض الواقع، ويستشعرها المواطن الكردي في تفاصيل حياته اليومية.

- فشل مراهنة دعاة الاستفتاء والانفصال على تقبل الداخل العراقي والأطراف الإقليمية والدولية الرافضة للاستفتاء، لنتائجه وما يترتب عليه من معطيات كأمر واقع، لا مناص من التعاطي معه.

- وجود جدية وإصرار لدى الرافضين للاستفتاء على التمسك بمواقفهم، وعدم استعدادهم للمساومة والتفاوض، أو التراجع والمرونة، رغم أن البعض منهم لديه مصالح وحسابات آنية خاصة مع الإقليم.

رئيس اقليم كردستان المنتهية ولايته، مسعود البارزاني، دعا غير مرة، عبر منابر مختلفة، الحكومة الاتحادية الى الحوار لاحتواء الازمة وحل المشاكل العالقة، وكذلك فعل رئيس حكومة الاقليم نيجرفان البارزاني، ومسؤولون وقادة آخرون في الحزب الديمقراطي الكردستاني.

واستنجد البارزاني بأسامة النجيفي واياد علاوي للتوسط لدى انقرة، لتقليل الضغط والتعاطي بمرونة أكبر، في الوقت الذي أوصل رسائل التماس بالمضمون ذاته الى طهران عبر وسطاء عديدين، وكذلك ألح على رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري بالضغط على رئيس الوزراء حيدر العبادي والشخصيات المؤثرة في التحالف الوطني، لإنهاء الحصار والعقوبات عن إقليم كردستان والشروع بحوار مفتوح.

ليس هذا فحسب، بل ان التحركات والاتصالات المكوكية على عدة عواصم دولية مهمة، مثل واشنطن ولندن وباريس لم تتوقف طيلة الاسبوعين الماضيين.

وكذا الأمر، مع الفرقاء السياسيين الأكراد، من قبيل حركة التغيير (كوران)، والجماعة الاسلامية الكردية، ومفاصل من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذين مازالوا يوجهون الانتقادات اللاذعة للبارزاني، ويحملونه مسؤولية كل ما يمر به الاقليم من مشاكل وازمات وما يتعرض له من ضغوطات.

ما يجعل البارزاني يلجأ الى كل الأطراف ويضغط عليها، لتخفيف الضغط عن الاقليم، هو ما أفرزه الاستفتاء حتى الآن من نتائج على الأرض، وهي بلا شك نتائج سلبية اولية، ستتفاقم وتزداد سوءا مع تزايد الضغوط واتساع نطاق الاجراءات.

فبالنسبة للإقليم الذي لا يمتلك رصيداً ماليّا احتياطيّا، ويعاني مشكلة توفير الرساميل المالية لتأمين رواتب موظفيه، ولتسديد الديون المستحقة عليه لصالح شركات ومؤسسات ومصارف داخلية وخارجية، لابد ان يتأثر سريعا من ايقاف الملاحة الجوية في مطارات اربيل والسليمانية، ومن اغلاق بعض- ولا نقول كل- المنافذ الحدودية، ومن ايقاف التعاملات المصرفية بين البنك المركزي العراقي، ومصارف الاقليم، ويتأثر من قيام الولايات المتحدة الاميركية بتعليق برامج تدريب قوات البيشمركة الكردية والدعم اللوجيستي لها، وكذلك التوقف عن تأمين رواتب منتسبيها، كما كان معمولا به طيلة الأعوام الثلاثة المنصرمة.

وإذا اراد اصحاب القرار في الإقليم ان يتصرفوا بواقعية، ويجنبوا الشعب الكردي المزيد من المشاكل والازمات الحياتية اليومية، وبدل أن يراهنوا على قبول الآخرين بالامر الواقع، عليهم ان يذعنوا هم للامر الواقع. والخطوة الاولى في هذا السياق تتمثل بإلغاء نتائج الاستفتاء، وفي حال كانت مفردة «الالغاء» محرجة لهم، فيمكن استبدالها بمفردة «تجميد»، وهذا ما اشار اليه البارزاني في مباحثاته مع كل من النجيفي وعلاوي والجبوري، حينما قال لهم «يمكن ان نجمد نتائج الاستفتاء في مقابل رفع العقوبات عن الاقليم»، علما ان التجميد هو الغاء ضمني غير صريح، لكنه يمكن ان يحفظ ماء الوجه!.

في الوقت نفسه، اشار سكرتير المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني واحد ابرز المقربين من البارزاني، فاضل ميراني، الى ان الاكراد يمكن ان يقبلوا بخيار الاتحاد الكونفيدرالي مع الدولة العراقية بديلا عن الاستقلال.

هذه الاشارات التنازلية التي لاحت من قمة هرم القرار الكردي المتنفذ، وبعد اسبوعين فقط من الاستفتاء «التأريخي»، توضح بقدر معين عمق وخطورة المأزق الكردي، المرشح للتفاقم فيما اذا بقيت الامور تسير على المنوال ذاته.

ولعل التراجع الكردي السريع، عبر عن حقيقة مفادها ان الاستراتيجية الكردية تقوم على اسس خاطئة، وتستند الى ارضيات هشة، وترتكز على خيارات ضعيفة ومراهنات فاشلة، وبالتالي فإن الإستفتاء، وفي هذا الوقت بالذات أضر بالأكراد اكثر مما نفعهم، وهذا الشيء اثبتته-وستثبته اكثر فيما بعد- الوقائع والحقائق، لا الشعارات الرنانة والإدعاءات الفارغة!.

سياسيا، كان الوضع الكردي في التسعينات، أي بعد حرب الخليج (الفارسي) الثانية والانتفاضة الشعبية، افضل مما هو عليه الآن، وخصوصا فيما يتعلق بالدعم والتعاطف الدولي والاقليمي، واقتصاديا، كان الوضع الكردي بعد سقوط نظام صدام، وحتى الى اقدام اصحاب القرار في اربيل على تصدير النفط بعيدا عن بغداد، افضل ما هو عليه الآن.

ولا شك ان هذا الوضع السياسي والاقتصادي السيء، يعود الى القراءات والتقديرات الخاطئة، اكثر منه شيئا آخر. والاستفتاء واحد من المصاديق على ذلك، بل هو ابرزها وأوضحها.

وبحسب المعلومات والتسريبات، فإن هناك بحثا وتنسيقا بين طهران وأنقرة وبغداد، لترتيب منافذ حدودية لنقل السلع والبضائع لا تؤدي الى اقليم كردستان، وهناك قمة ثلاثية مرتقبة في بغداد نهاية الشهر الجاري، تجمع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مع كل من الرئيس الايراني حسن روحاني، والتركي رجب طيب اردوغان، وهناك إجراءات أخرى ضد الإقليم ستصدر من الحكومة الاتحادية في بغداد خلال الايام المقبلة، في حين ان محاولات كل من النجيفي وعلاوي والجبوري لحلحلة الامور بين بغداد واربيل باءت بالفشل، لأن بغداد تشترط قبل كل شيء إلغاء نتائج الإستفتاء، ولأن أنقرة وطهران، ومعهما واشنطن وعواصم أخرى ترفض الأمر الواقع للبارزاني، بل تريد واقعا تكون اربيل جزءا منه ولا تفرضه.

بقلم: عادل الجبوري  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/8086 sec