رقم الخبر: 203630 تاريخ النشر: أيلول 27, 2017 الوقت: 15:31 الاقسام: ثقافة وفن  
استنهاض الهِمَم في المواسم العاشورائية
يستنفر الموالون ويهَبَّ المُحِبّون

استنهاض الهِمَم في المواسم العاشورائية

عاد شهر الأحزان والمصائب، شهر المِحَن والنائبات، شهر البلايا والرزايا، اتَّشَح الكون بالسواد، بمختلف أفراده وتَجَلِّيّاتِه، عَمَّ الحزن في كل مكان، في مشارق الأرض ومغاربها، ومن شمالها الى جنوبها، انتشرت مجالس العزاء والنَّحيب في شتّى أنحاء البلاد، لبس الوجود عباءة الاكتئاب،

 اسنتفر الموالون وهَبَّ المُحِبّون لهذا الموسم العاشورائي المتجدد، حامِلاً في طيّاتِه ذكريات أليمة لم تغب عنّا مع بُعْدِ الزمان وتوالي العصور، لِتحاكي لنا مأساة حُفِرَت في قلوبنا مع أننا لم نشهدها، ونُحِتَت في أذهاننا مع بُعْدِ عهد وقوعها عنّا، فلا تسألني أيها العابر ما الخبر، بل اكتفِ بالإصغاء لقول الشاعر «يِسْكِتِ العالَم بِأَسْرَه وْنِسْتِمِعْ صُوت الحُسَين».

من الواضح والمُلاحَظ أنَّ جموع الموالين والمُحِبّين، إخوة حسينيون وأخوات زينبيات، يستنهضون الهِمَم في المواسم العاشورائية ويستميتون بالتشرف في خدمة المولى أبي عبد الله الحسين(ع) بكافة أشكال الخدمة وأنواعها المُتَشَعِّبة، من إقامة مجالس العزاء، مجالس اللطم، موائد الطعام للتَّبَرُّك وغيرها من الأمور المُتَّبَعَة والمُشاهَدة ضمن هذه الإحياءات المباركة. إلا أننا في هذه العُجالَة، سنقتصر بتسليط الضوء على مسألة معروفة وتفريع مهم في هذا الصَّدَد، ألا وهما الدَّمعة الحسينية المُواسِية، هذه الدَّمعة المباركة التي «تكاد» لا تخلو عينُ مُوالٍ إلا وتتشرف بذرفها وإطلاق العنان لها لِتَسلك مجرى العاشقين قبل أن تصبَّ في أنهرٍ زُرِعَت ضِفافُها بحشود الذائبين والمُتَيَّمين في عشق الحسين(ع).

فقد جاء في الخبر، في صحيح الريّان بن شبيب، عن الإمام الرضا(ع)، في حديث: (يا بن شبيب! إن كنت باكياً لشيء فابكِ للحسين بن عليّ بن أبي طالب(ع)، فإنّه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السموات السبع والأرضون لقتله.

إلى أن قال: - يا بن شبيب! إن بكيت على الحسين(ع) حتـّى تصير دموعك على خدّيك، غفر الله لك كلّ ذنب أذنبته، صغيراً  كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً. «أمالي الصدوق» و«عيون أخبار الرضا(ع)».

كما جاء في خبر الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله(ع): (من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه، ولو مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر). «المحاسن – كتاب ثواب الأعمال» و«كامل الزيارات».

من المعلوم أيها الأحبة، أنَّ سيد الشهداء(ع) لم يخرج  لغرضٍ دنيوي فانٍ، وحاشاه «سلام الله عليه» من ذلك، وإنما خرج لطلب الإصلاح في أمة جده رسول الله(ص)، بعد أن استولى على الحكم وغصب الخلافة مَنْ لا يستحقها على الإطلاق، لا من قريب ولا من بعيد، فضلاً عن كونه ليس أهلاً لها وليست من حقه، شاربٌ للخمر وقاتلٌ للنفس المحترمة، وَلْتُراجَع المصادر المعنية لمعرفة المزيد من التاريخ الأسود لهذا الفاسق العاصي(أجارنا الله وإياكم).

ومن النقاط المهمة في إطار إصلاح الأمة، الهدف الذي خرج لأجله مولانا الحسين(ع)، هي إصلاح هذه النفوس الأمارة التي بين جَنَباتِنا، بل نستطيع اعتبارها الحجر الأساس للنهوض بمجتمعنا وبناء أُمَّة صالحةٍ كما أرادها اللهُ ورسولُه وأهلُ بيتِه، لأن المجتمعات البشرية هي مجموعة من النفوس الملتحمة ودائمة الاحتكاك ببعضها البعض، ولكي يتمكن أحدنا من إصلاح غيره، عليه بداية إصلاح نفسه، ففاقد الشيء لا يعطيه. فكما المعلم في المحافل التدريسية، عليه أن يكون قد تعلم العلم الذي يريد إيصاله الى الطلبة المُتَلَقّين، كذلك الإنسان عليه أن يصلح نفسَه قبل الانتقال الى إصلاح الآخرين، وبالتالي الحصول على مجتمع صالحٍ وأُمَّةٍ خَيِّرةٍ كالتي أرادها الإمام(ع).

وصلاح النفس مُناطٌ بامتثالها لأوامر واجِدِها وخالِقِها، ويتجسَّد ذلك بقيام حامل النفس - أي الإنسان - بالواجبات المفروضة عليه من «العَلِيِّ الأعلى» وانتهائه عمّا حرَّمَهُ الباري(جلاّ وعلا). وهنا نعود الى دمعتنا الحسينية المباركة حيث يأتي دورُها الجوهري ومُهِمَّتُها المفصلية، فمن الواضح أنَّ عيون الموالين سَخِيَّةٌ في تسييل دموعها تفاعلاً ومواساةً لأبي الأحرار(ع) وأهل بيته الميامين، وهنا يكمن دور الموالي المؤمن في الاستفادة من هذه الدمعة «الوَلائِيَّة» لتحويلها الى دمعةٍ «توحيدية»، فهذه الأخيرة - أي الدمعة «التوحيدية» - تُظْهِرُ صاحبَها في موقف المنيب التائب الى ربه، الخاضع الذليل بين يديه «تعالى»، فيكون لِسانُ حالِ المؤمن في هكذا موقف، وهو يجمع بين الدمعتَيْن «الوَلائِيَّة» و«التوحيدية»، أو قُل ينطلق من الدمعة «الوَلائِيَّة» ليصل الى نظيرتها «التوحيدية»، وَكَأَنَّهُ يقول لربه أنّي أتوجه إليك بأحب الخلق لديك، وأجعلهم وسيلتي للوصول الى ساحة قدسك المُعَظَّمَة، آمِلاً أن تستقبلني وأن لا تردّني خائباً، بالرغم من كل أخطائي وما يعتريني من معاصي وما يتلبَّسُني من زلاّت، لعلَّ الله تعالى وفي هكذا موقف وَلائيّ - تَضَرُّعِيّ، يغفر لنا ما تَقَدَّم من ذنوبنا وما تأخَّر بحرمة المُتَوَسَّل بهم، إنه سميعٌ مُجيبٌ فعَّالٌ لما يريد وإنه على كل شيء قدير، فيكون هذا الغفران الإلهي بمثابة إعادة الإنطلاق لبناء نفسٍ صالحة وقلبٍ سليم تمهيداً لتوسيع هذا البناء المُبارَك ليشمل المجتمع والأمة فالعالم بأسره.

أعظم اللهُ  أجورنا وأجوركم بمصابنا بأبي عبد الله الحسين(ع)، ونرفع أسمى آيات العزاء والمواساة الى حضرة حفيده المقدس، الغائب المنتظر، صاحب العصر والزمان(عج) وجميع الموالين المُحِبّين في ذكرى هذا المصاب الجَلَل، سائلين المولى «عز وجل»- بحرمة هذه المناسبة - أن يُعَجِّل فرج الإمام(ع) وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه والذّابّين عنه والمستشهدين بين يدَيْه الطاهرَتَيْن.

«وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ»

 

 

بقلم: تراب كرار العاملي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/1479 sec