رقم الخبر: 200657 تاريخ النشر: آب 18, 2017 الوقت: 15:30 الاقسام: ثقافة وفن  
مفهوم المحاكاة بين أرسطو وفلاسفة الإسلام
فعالية مشتركة بين كل الفنون الممكنة

مفهوم المحاكاة بين أرسطو وفلاسفة الإسلام

معلوم أن النظرية الارسطية في الشعر والفن عموما، وما يتعلق بأسسها الجمالية، تقوم بكاملها على مفهوم المحاكاة، وهو مفهوم مركزي في كتاب الشعر لأرسطو. وقد أثيرت حول المفهوم نقاشات وجدالات واسعة بين مختلف أصناف الباحثين في قضايا الشعر والفن،

 وفلسفة الجمال بكيفية خاصة، وذلك منذ أن ظهر الاهتمام بكتاب الشعر لأرسطو لدى مفكري عصر النهضة الأوروبية مع بداية العصر الحديث، ولازال النقاش مستمرا الى لحظتنا الراهنة، خاصة في حقول علوم البلاغة والنقد الحديث.

ولعل السر في اتساع دائرة الاهتمام بـهذا المفهوم من طرف المهتمين بقضايا النقد والشعرية العامة، يعود بالكلية إلى طابع الإرباك الذي صاحب المفهوم، خاصة لدى الباحثين الاوروبيين، منذ أوائل  القرن 16 والى الآن، وهو إرباك غذى، بشكل ظاهر، جميع الآراء التي أثيرت حول المفهوم، ولقد أرجع بعض الباحثين هذا الإرباك إلى طبيعة المفهوم ذاته، من حيث هي طبيعة تكونـها الحمولة الأفلاطونية، التي لم يستطع أرسطو، حسب رأي هذا البعض من الباحثين، استبعادها بكيفية واضحة وصريحة في خطابه حول الشعر. وهذا ما جعل، حسب هذا الرأي، القضايا التي طرحها أرسطو في كتابه عن الشعر (هدفا لألوان لا حصر لها من التأويل والفهم المتباين) وعلى رأس كل هذه القضايا قضية المحاكاة نفسها، والتي هي حجر الأساس في الخطاب الأرسطي حول الشعر والفن كما أسلفنا.

ومن أجل الاقتراب من حقيقة المفهوم، كما استخدمه صاحب كتاب الشعر، وكما فهمه فلاسفة الإسلام، بوجه خاص، نؤكد في البداية، وبحسب ما  يبدو لنا من وجهة نظر نقدية، أن استخدام أرسطو لهذا المفهوم هو استخدام يبتعد كليا عن مضامين أقوال أفلاطون المدرجة  في الكتب الثلاثة من الجمهورية، ويتعلق الأمر  بالكتاب الثاني والثالث والعاشر ، بل الحق هو أن استخدام  أرسطو لمفهوم المحاكاة يسلك سبيلا ضديا بالمقارنة مع استخدام أفلاطون له. وبيان ذلك أن أفلاطون في استخدامه  للفظ المحاكاة خاصة في الكتابين الثالث والعاشر، اللذين يرد فيهما لفظ المحاكاة  بذاته، إذ هو في الكتاب الثاني يستعمل  لفظ  التمثيل بدل المحاكاة، إنما كان يعني عنده النقل المباشر لأحداث أو أفعال الواقع، ومن ثم فهو يعطيه حمولة قدحية، عندما يجعل المحاكاة صفة مشينة للشعر والفن عامة.

لقد كان أفلاطون يتصور، هذا ما تؤكده الأقوال الأفلاطونية نفسها، أن ما يحط من قدر الفن، ويقلل من قيمة العمل الشعري، هو كونه يعتمد المحاكاة، مما يبعده كل البعد عن الحقيقة، حسب تعبير أفلاطون، والغريب في أمر أفلاطون هو أن ما لم يكن يرضى عنه في أمر المحاكاة يعود إلى صورة التعبير الشعري والتشكيل الفني عموما، أي قالب العمل الشعري وشكله. وفي هذا الشأن يقول أفلاطون: «فإذا ما نزعت عن الشعر قالبه الشعري، فلا شك أنك تستطيع أن تراه على حقيقته، عندما يتحول إلى نثر."

ينطلق أرسطو في تحليله ودراسته للظاهرة الشعرية والفنية، من التأكيد على أن الفعالية الشعرية والفنية، لدى المبدعين عموما، تتعلق أساسا بالمحاكاة، وتختلف الأعمال والمبدعات الفنية والشعرية، بعد ذلك، تبعا للأنحاء التي  تكون بـها المحاكاة، وهي إما ترجع إلى الوسائل أو الموضوعات أو الأسلوب والشكل الفني.

والمحاكاة في استعمال أرسطو، هي بالإضافة إلى كونـها مبدأ سببيا للشعر والفن، فهي أيضا، وقبل ذلك، مبدأ غريزي في الإنسان، يرتبط به تهيؤ الإنسان لتقبل المعارف الأولية، كما يرتبط به الشعور باللذة الناجمة عن حصول المعرفة والتعلم لدى الإنسان.

إن المتأمل في أقوال أرسطو المدرجة في هذا السياق، يدرك بوضوح، أن مفهومه للمحاكاة، لا يقف عند مجرد كونه أداة خارجية لمقاربة العمل الفني ونقد فعالية الإبداع الشعري والحكم عليها، انطلاقا مما هو بعيد عنها، كما فعل أفلاطون بالضبط، بل لقد أصبحت المحاكاة، هنا، مع أرسطو هي جوهر العمل الشعري والفني، الذي يتوقف على فهمها وتحديدها، فهمنا وإدراكنا للفعالية الخالقة والمبدعة، بكل عناصرها ومكوناتـها.

إذن، كيف كانت قراءة فلاسفة الإسلام لهذا المفهوم الأرسطي، الذي سال حوله مداد كثير  في الغرب المسيحي، منذ بداية عصر النهضة وحتى ميلا د مدارس النقد الحديثة في الغرب المعاصر؟

يؤكد أبو نصر الفارابي في تلخيصه لكتاب الشعر، على أن الأقاويل التي تتصف بالشعرية هي (التي توقع في ذهن السامعين المحاكي للشيء)  والمحاكي للشيء في تعبير الفارابي، هو صورته وتشكيله الفني، الذي هو جوهر عملية الخلق الفني، عند الشاعر والمبدع، وهذا ما يجعل المحاكاة مرادفا للخلق الفني، الذي هو فعالية مشتركة بين كل الفنون الممكنة.

ويوضح الفارابي تعميمه لمبدأ المحاكاة على فنون أخرى يجمعها وصف الشعرية قائلا: ان محاكاة الأمور قد تكون بفعل. وقد تكون بقول، فالذي بفعل ضربان: أحدهما أن يحاكي الإنسان  بيده شيئا ما، مثل ما يعمل تمثالا لا يحاكي به إنسانا بعينه، أو شيئا غير ذلك، أو يفعل فعلا يحاكي به إنسانا ما أو غير ذلك. والمحاكاة بقوله: هو أن يؤلف القول الذي يصنعه أو يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيه القول، وهو أن يجعل القول دالا على أمور تحاكي ذلك الشيء."

والذي يفهم من قول الفارابي، هو أن الفنون كلها تلتقي حول مبدأ  المحاكاة، وتختلف بعد ذلك في وسائل وأدوات هذه المحاكاة. فالاختلاف، حسب تعبير الفارابي، يكون في مادة الصناعة، بينما الاتفاق يكون في صورتـها وأفعالها وأغراضها، على أن الصورة هي نفسها المحاكاة، والأفعال هي وسائل تبليغ الأثر الفني إلى المتلقي، ويتعلق الأمر بالتشبيه والاستعارة، وبالمجاز عموما، وهذه للقول الشعري. والأضواء والظلال بالنسبة للرسم أو التزويق، بلفظ الفارابي، والأنغام والإيقاعات بأوزانـها وأشكالها للموسيقى. وأما الأغراض، فهي تحريك الخيال والحواس، بما تنقله إليها الأعمال المبدعة .

وإذا كانت المحاكاة هي مبدأ كل خلق أو إبداع شعري وفني، كما هو واضح من كلام الفارابي، فهل ذلك يعني أن الشعر والفن مدارهما يقف عند حد استنساخ الواقع ونقل معطياته.؟

الواقع، أن ما تنطق به النصوص، أعني أقوال الفارابي وأقوال ابن سينا وابن رشد، كلها تفيد عكس ذلك. فالمحاكاة في فهم أبي نصر لا تعني أبدا نقل ما في الواقع أو استنساخ معطياته، ذلك أن ما يؤكد عليه الفارابي هو أن ما تعكسه المحاكاة إنما يقف عند حد المشابـهة والمماثلة بمعناهما البلاغي، لأن هدفها ، فنيا، هو « أن تخيل في الأمر الذي فيه المخاطبة ، حالا ما، أو شيئا أفضل أو أخس، وذلك إما جمالا، أو قبحا، أو جلالة أو هوانا، أو غير ذلك مما يشاكل كل هذه."

إذن العمل الشعري بما هو محاكاة، ليست غايته هي استنساخ ما في الواقع وتقليد  معطياته، بهدف تحقيق المطابقة بينها وبين العمل الشعري والفني .

 

 

 

بقلم: محمد المعطي القرقوري  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/2628 sec