رقم الخبر: 199153 تاريخ النشر: تموز 30, 2017 الوقت: 13:04 الاقسام: مقالات و آراء  
عن النّسوية وفيلم "المرأة الخارقة"..!

عن النّسوية وفيلم "المرأة الخارقة"..!

دار في الأيام السابقة جدلٌ في العالم العربي حول منع فيلم "Wonder woman - المرأة الخارقة" لبطلته الإسرائيلية غال غادوت من العرض، وقد استجابت ثلاثة دول عربية هي لبنان وتونس وقطر لضغوطات ناشطي/ات حركة مقاطعة إسرائيل BDS، ومنعته فعلاً من العرض، في حين لم تستجب كلٌ من الإمارات والبحرين والأردن.

أما فيما يتعلق بأسباب منع الفيلم من العرض، فأبرزها هو كون بطلته الرئيسية غال غادوت إسرائيلية ومجنّدة سابقة في جيش الاحتلال، شاركت في الحرب على لبنان في العام 2006، وصهيونية متطرّفة صلّت لقتل النساء والأطفال أثناء الحرب على غزة (2014).

وفي خضّم الجدل المطروح حول منع الفيلم من العرض، دار نقاش حاد على صفحة تختص بالنسْويّة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، وكانت الصفحة قد نشرت مقالاً مترجماً عن الانجليزية عما دار في لبنان بدايةً من ضغط ناشطي/ات حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان على وزارة الاقتصاد والتّجارة اللبنانية، التي ضغطت بدورها على وزارة الداخلية وصولاً إلى إصدار قرار بمنع عرض الفيلم.

وفي الحقيقة فإن أخطر ما يسترعي الانتباه هو انتقادات وجهها بعض النسويين/ات لقرار المنع من باب أنه يصب فيما أسموه "بالإرهاب الثقافي" و"الحجر على الحريات" من جهة، وأنه من غير المنطقي مقاطعة كل فيلم بطله ذكوري، شيعي مسلم أو أي شخص لا يتوافق معنا فكرياً أو دينياً من جهة أخرى.

رغم أنني لم أعد أتفاجأ بالحجج الواهية التي يسوقها غيرُ المتابعين لحركة المقاطعة، إلا أن صدور هذه الآراء من نسويين/ات هو الحافز خلف كتابة هذه المقالة، فمما لا شك فيه أن الحركة النسوية مرّت بسلسلة تطورات جعلتها تتعدّى كونها مجرد أيديولوجيا إلى مشاركتها الفعلية في الممارسات السياسية والاجتماعية. فارتفع صوت النّسوية التي تنادي بتحرير الإنسان بشكل لا ينفصل عن المطالبة بتحرير المرأة، حيث أنه من غير المنطقي المطالبة بالمساواة والتّحرر من قيود الذكورية في منطقة يعاني الإنسان فيها بشكل عام من العنف والقهر والاضطهاد (الكولونيالي منه بالذات).

وكانت احدى مدارس الحركة النسوية والمعروفة باسم نسوية الجنوب أو النسوية ما-بعد الكولونيالية قد اهتمت بالربط بين الذكورية من جهة، والاستعمار والعنصرية من جهة أخرى. وانتقدت هذه المدرسة سلوك المرأة النسوية في الشمال بأنها تصدّر مشاكل المرأة المرفهة على أنها مشاكل المرأة بصورة عامة، وأنها تسيئ لنساء الجنوب بتصويرهن ضحايا سلبيات.

ويقول سماح إدريس رئيس تحرير مجلة الآداب اللبنانية وعضو حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان في افتتاحية الآداب الصادرة بتاريخ21 يونيو 2017: "ــــ بغضّ النظر عن أنّ غال غادوت، تحديدًا، ليست محضَ "ممثّلة" بل هي بطلةُ الفيلم الممنوع، فإنّها ليست كذلك مجرّدَ "ممثّلة" (actress) بالمعنى التقنيّ المهنيّ فحسب، بل هي كذلك بالمعنى "التمثيليّ" (representative) الأعمقِ أيضًا. طالعوا ما تكتبُه عنها صحافةُ العدوّ: إنّها رمزٌ "للجمال" الإسرائيليّ (فهي ملكةُ جمال الكيان سنة 2004)، ورمزٌ للقوّة الخارقة، ورمزٌ للإنسانيّة، وللنسويّة، وللتحرّرِ الجنسانيّ أيضًا. "

وعليه فإننا نرفض نظرة نسوية صهيونية مثل غال غادوت لنا كنسويات مضطهدات من الصهيونية أيضاً و نسعى للخلاص منها، بمعنى آخر أن النضال ضد الصهيونية مطلوب من النسويين/ات أكثر من غيرهم/ن. ومن واجبنا كنسويات نعيش في العالم العربي الذي لا تزال تسيطر عليه الأنظمة غير الديمقراطية، و تتحكم فيه السلطة الذكورية الأبوية، أن نناضل في مسيرة تحرّرنا، ضد الصهيونية وضد سلوك نسويات متطرفات مثل غال غادوت، مَن هتفت لقتل نساء غزة اللاتي راح منهن 302 شهيدة و2101 جريحة ضحايا للعنف الإجرامي الإسرائيلي.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة لا تتعارض مع الأهداف الرئيسية الثلاث التي تنادي بها حركة مقاطعة إسرائيل SBD من حرية وعدالة  مساواة، وبرأيي فإن ناشط/ة حقوق الإنسان المبدأي/ة والموضوعي/ة لا يمكنه/ا الفصل بين التزامه/ا بمقاطعة إسرائيل العنصرية إلى أن تستجيب للقانون الدولي وتتوقف عن ممارساتها العنصرية كنظام اضطهاد مركّب فريد من نوعه في زمننا هذا، وبين مطالبته/ا بجميع حقوق الفئات المضطهدة في العالم و من بينها المرأة..!

هذا لا يتعارض مع رؤية الكثير من  النسويين/ات من حول العالم، بأن النّسوية النّقدية تهدف في يومنا هذا إلى تخطّي كل الحواجز المبنية على أساس العرق، المرتبة الاجتماعية، الثقافة، والدين. وهذا بالضبط ما تمارسه الصهيونية من سياسة احتلال، واستعمار استيطاني، وفصل عنصري بين كل من وُلد لأم يهودية وسواه..! وبناءً عليه فإن الصهيونية تشكل نقيضاً جوهرياً للنسوية كونها، أي الصهيونية، حركة أيديولوجية إقصائية بامتياز.

ولمن يستهين بفكرة مقاطعة فيلم، عليه أن يعي أن تمرير فكرة تقبّل فيلم بطلته إسرائيلية  متطرفة، هو مقدمة خطيرة لتطويع الوعي العربي نحو قبول فكرة الصهيونية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل على كافة الأصعدة، إسرائيل الواعية جداً بدور الفن والثقافة ليس فقط في تسهيل اندماجها وشرعنة وجودها كنظام أبارثهيد، بل في تقديم صورتها على أنها الوجه المضيء للفن والجمال والثقافة والحرية في "غابة الشرق الأوسط الهمجي، الذكوري، الرجعي، الديكتاتوري" أيضا. وهذا بالضبط ما تقوم به حملة "الهسبراة" التي أطلقتها وزارة الخارجية الإسرائيلية وتبعتها وزارة الأمن الداخلي والشؤون الاستراتيجية كخطوة لمحاربة المقاطعة.

أما من يجادل من النسويين/ات بأن في المنع تعدٍ على الحريات الفكرية، فهو يعرف أكثر من غيره أهمية الحشد الفكري، وأن النسوية بالذات ما هي إلا نتاج وعي جمعي. ويركز باولو فيراري في كتابه الشهير "تعليم المقهورين" على أهمية نظرية  العمل الحواري: "ففي نظرية العمل الحواري ليست هنالك مرحلة يستغني فيها العمل الثوري عن الاتصال بالجماهير" ويقول في سياقٍ آخر: "بينما يلجأ المتسلطون في نظرية العمل اللاحواري إلى سياسة فرّق تسد من أجل إحكام القهر فإن دور القادة في نظرية العمل الحواري يحتم عليهم أن يعملوا دون كلل لتحقيق الوحدة بين المقهورين من جهة وبينهم وبين الناس من جهة أخرى، وذلك من أجل أن يتمكنوا من تحقيق هدف التحرير".

ومن هنا، وكفلسطينية لاجئة في قطاع غزة المحاصر، فإنني أرى أنه لا يمكنني أن أكون نسوية، دون أن تكون مناهضة الصهيونية على رأس أولويات مبادئي في الحياة. بالضبط مثل المبادئ التي ناضل من أجلها رموز النضال النسوي في  العالم العربي، جميلة بو حيرد وليلى خالد وفاطمة المرنيسي وأفريقيا أمينة ماما والهند مثل أروندهاتي روي وحتى أوروبا مثل روزا لوكسمبورج وأمريكا جوديث بتلر.

 

 

 

بقلم: رفقة العميا  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: شبكة الانترنت للاعلام العربي - امين
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 5/3982 sec