رقم الخبر: 191663 تاريخ النشر: نيسان 21, 2017 الوقت: 13:29 الاقسام: مقالات و آراء  
بين القاهرة وبغداد... الإلتقاء اكثر من الإفتراق!

بين القاهرة وبغداد... الإلتقاء اكثر من الإفتراق!

قبل حوالي عام، وحينما راح تنظيم داعش الارهابي يتعرض لضربات وهزائم وانكسارات كبيرة في العراق، سربت بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية معلومات مفادها، ان «داعش» بدأ يبحث عن بدائل وملاذات له في غير العراق، وكذلك سوريا، تتيح له البقاء والتمدد الى مساحات اخرى، ومن بين مواطئ القدم التي تهيَّأ لها، هي مصر وليبيا والاردن واليمن.

وطبيعي ان تشكل مثل تلك المعلومات-حتى وأن لم تكن دقيقة بالكامل- مبعث قلق للسلطات السياسية والأجهزة الأمنية في الدول المشار اليها، وخصوصا مصر الأردن، باعتبارهما يتمتعان بأوضاع سياسية وأمنية تختلف الى حد كبير عما تعيشه كل من ليبيا واليمن.

وبالفعل شهدنا خلال العام المنصرم تعرض عدة مدن مصرية لعمليات ارهابية اودت بحياة عشرات المدنيين ومنتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، كان آخرها التفجيرات التي استهدفت كنائس للأقباط المسيحيين في مدينتي الاسكندرية وطنطا في التاسع من شهر نيسان/ابريل الجاري، راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى.

وأكثر من ذلك، بدا من خلال مجريات الامور ان تنظيم «داعش» الارهابي نجح الى حد ما في انشاء وجود له في شبه جزيرة سيناء ذات الموقع الاستراتيجي الحساس، والأهمية الاقتصادية الفائقة.

هذه المعطيات والتحديات الأمنية، ربما تكون من بين ابرز العوامل التي دفعت مصر الى الإقتراب من العراق والتواصل معه، للتنسيق والتعاون في مواجهة الارهاب الداعشي، والاستفادة من تجربة اجهزته الأمنية والإستخباراتية في هذا المجال.

ويبدو ان زيارة رئيس التحالف الوطني العراق، السيد عمار الحكيم لمصر، على رأس وفد تحالفي كبير، لم تخرج عن اجواء ومناخات الهموم والتحديات والمصالح المشتركة بين القاهرة وبغداد، والمرتكزة على حقيقة وجود نظام سياسي مصري يتبنى سياسة الإعتدال والإنفتاح على عكس انظمة سياسية اخرى في المنطقة مازالت تعول على اجندات الصراعات والحروب الطائفية والمذهبية العبثية، والمرتكزة أيضا على توجه سياسي عراقي نحو الفضائين العربي والاقليمي، يراد منه فك عقد الخلاف والاختلاف، وتضييق مساحات التشنج والاحتقان، وتكريس سياسة تصفير الازمات. ولعل وجود شخصيات سياسية متزنة ومتوازنة في بغداد، تمتلك خطابا عقلانيا حكيما، يمثل مدخلا مهما وأساسيا للسير بذلك التوجه الى الامام.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء، ورئيس مجلس الشعب، ومن التقاهم الحكيم في القاهرة، اكدوا على ان العراق ومصر يواجهان التحديات الارهابية ذاتها، وأن العلاقات بينهما باتت في هذه المرحلة اقوى وامتن مما مضى، وأن القاهرة مستعدة لتقديم الدعم والإسناد لبغداد في حربها ضد الارهاب.

هذه المواقف، وغيرها، كانت واضحة وجلية الى حد كبير في خطاب السيسي، في القمة العربية الثامنة والعشرين، التي عقدت في البحر الميت بالأردن اواخر شهر آذار/مارس الماضي، والذي كان-أي خطاب السيسي-مثار انزعاج لبعض الزعماء العرب، لاسيما ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز، وامير قطر تميم بن حمد.

واذا كانت التحديات الارهابية، قد مثلت العامل الابرز للتقارب بين بغداد والقاهرة، فإنها في واقع الأمر هي ذاتها التي تسببت في ابتعاد القاهرة عن انقرة والرياض والدوحة، وهي ذاتها التي جعلت مصر والمصريين اهدافا للتنظيمات الارهابية، كما هو الحال بالنسبة للعراق والعراقيين.

ولاشك ان توافق وانسجام القراءات والمواقف-سياسيا وأمنيا-لا بد ان ينسحب وينعكس على العلاقات والمصالح الاقتصادية، فالرياض التي حجبت النفط السعودي عن القاهرة، كنوع من الضغط عليها، جعل الاخيرة تتجه نحو بغداد بوتيرة اسرع، بعيدا عن العقد والتراكمات الطائفية والمذهبية المقيتة، والتي كانت قد اطلت برأسها قليلا من ارض الكنانة خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها القيادي من تيار الاخوان المسلمين محمد مرسي مقاليد الحكم «30 يونيو 2012-3 يوليو 2013».

تقول بعض القراءات لواقع السياسة الخارجية المصرية، انه لولا الضغوطات الدولية والاقليمية، بشقيها السياسي والاقتصادي، لكانت العلاقات العراقية-المصرية، قد قطعت اشواطا طويلة خلال الاعوام المنصرمة، ومع العلاقات المصرية-الايرانية، بحكم تشابك البعض من الملفات، وتداخل جملة من المواقف.

ليس الان، بل في وقت مبكر كانت مصر هدفا للتنظيمات الإرهابية، لاسيما تنظيم القاعدة، ثم تنظيم داعش، ففي عام 2005 اختطف الارهابيون القائم بالأعمال المصري في العراق صفوت الشريف وأقدموا على تصفيته جسديا، ناهيك ان الاستهدافات والتهديدات المختلفة لأفراد وشركات مصرية لمنعهم من التواجد والعمل في العراق.

ولعله من الملفت انه في العهد القصير جدا للرئيس الاخواني محمد مرسي انتعشت العلاقات بين مصر من جهة، وتركيا وقطر والسعودية من جهة اخرى، وأصابها الفتور-ان لم يكن التأزم-مع دول اخرى مثل العراق وايران وسوريا، فضلا عن بروز نزعات التوتر الطائفي-المذهبي  في المشهد المصري، وكان من بين مؤشراتها ودلالاتها، قيام عناصر ارهابية متطرفة بقتل رجل الدين المصري حسن شحاته بطريقة وحشية للغاية.

تدرك مراكز القرار السياسي، ومؤسسات صياغة التوجهات الاستراتيجية في القاهرة، ان مصر اذا فكرت وتصرفت بعقلانية وحكمة، ولم تقع في أفخاخ الاجندات الطائفية والمذهبية، ولم تقحم نفسها في محاور معسكرات الحروب العبثية، ولم تخضع لسطوة امبراطوريات المال النفطية، فإنها يمكن ان تستعيد دورها المحوري في محيطيها العربي والاقليمي، ويمكن ان تحقق انتعاشا وازدهارا اقتصاديا ضروريا جدا لها، والاكثر والأهم من ذلك، تحصن نفسها من مخاطر المد الإرهابي الداعشي وغير الداعشي، الذي راح يتوسع ويتمدد غربا نحو شمال افريقيا وجنوبها، وشمالا باتجاه اوروبا، وشرقا صوب افغانستان وباكستان وغيرهما من دول آسيا... والتقارب مع العراق والانفتاح عليه، يعد ابرز وأهم مفاتيح القاهرة لكل ذلك.

 

 

بقلم: عادل الجبوري  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1818 sec