|
|
|
|
|
|
|
|
عودة إلى مونتين الذي قال: «ينام فكري كلما توقفت»
يعد ميشيل مونتين من الآباء المؤسسين للفلسفة في فرنسا، ومن أوائل المدشنين لما عرف بعصر النهضة في أوروبا. والتاريخ ذاته هو الذي وضعه في قلب تلك الحركة الدينامية التي سعت إلى إحياء، أو بعث، تراث أثينا الذي سيبدو، على قدمه، أكثر رقيا في المستويات الفكرية والجمالية مما هو سائد في ثقافة القرن السادس عشر الذي ولد ومات فيه.
الفكر البشري لا يسير بالضرورة في اتجاه خطي إلا حين يعاين من منظور التاريخ الإنساني العام. وهنا لعلنا نلاحظ أن مقولة النموذج، أو الأبستمي، أو البرادايم، التي ألح عليها مفكرون لاحقون مثل باشلار وميشيل فوكو وتوماس كون، تشتغل بشكل عكسي إذ لا تدل على القطيعة مع تراث الماضي بقدرما تدل على القطيعة مع ثقافة الراهن بفضل ذلك التراث تحديدا. وللتمثيل على ما نقول نذكر بأن البارودي ومحمد عبده والمويلحي ما حاكوا منتوجات الماضي الأدبية والفكرية إلا لأنهم أدركوا أن أسلافهم في عصر الازدهار كانوا قد انتجوا خطابات متطورة لا تزال قادرة على تجديد أفق الأدب والفكر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكم كان العروي جريئا وهو يقول إن على المثقف العربي ألا يفاجأ حين يجد ابن رشد متجاوزا له في بعض القضايا لأنه كان يتمثل ويمثل أرقى ما وصلت إليه البشرية في عصره، وهو ما لا يمكن أن يدعيه أحد منا اليوم. من هنا يطرح التساؤل: كيف تشكل وعي مونتين ليفضي إلى هذا الخطاب الإحيائي المجدد رغم تشتته وبساطته بالنسبة لنا اليوم؟.
لنبدأ إذن بالحكاية المتفردة لهذه الشخصية التي أحبها نيتشة وكتب قائلا: «إن من حقنا أن نعيش على الأرض بشكل أكثر سعادة لمجرد أن شخصا مثل مونتين كتب لنا». ولد الكاتب في مدينة بوردو عام ۱۵۳۳من أسرة أرستقراطية كان لها اتصال قوي بالأندلس وثقافتها الراقية لأن والدته من أسرة يهودية هاجرت من هناك وتبنت الكاثوليكية تاليا «وهناك صمت كامل عن هذا الأثر.. كالمعتاد!». ومنذ طفولته أوكله والده إلى معلم ألماني لم يكن يتقن غير اللغة اللاتينية وسيلة للتعليم والتواصل، ولذا نشأ مونتين لاتيني اللسان. هذه معلومة مهمة للغاية ليس لأن هذه اللغة القديمة/ المتطورة كانت مجهولة عند معاصريه، بل لأن ثقافتها ستصاحبه لاحقا وتكشف له مدى أهمية مكتسباته المبكرة. فحين سافر إلى باريس وقد تجاوز الخامسة والعشرين، لم يكن هدفه الحقيقي نيل المزيد من العلوم، وهي كلها محدودة آنذاك، بقدر ما كان والده يريد له أن يتعرف على أنماط الحياة المتنوعة بالنسبة لمدينة صغيرة في الجنوب الغربي من فرنسا، والتواصل من ثمة مع النخب المتنفذة في الدولة والمجتمع. لكن الرحلة ستتصل وتشعل في الشاب الطموح الثري قبس التساؤلات التي ستغير مجرى حياته. فبفضل تنقلاته، خارج فرنسا لأكثر من عام، وعلى ظهر الحصان، لاحظ مونتين أن بلدانا أوروبية مثل سويسرا وإيطاليا وبعض الإمارات الجرمانية لم تعد تعاني وطأة الحروب المذهبية التي كانت لا تزال متقدة في بلده الكاثوليكي المتزمت. لهذا السبب ما إن سمع بنبأ اختياره رئيسا لبلدية بوردو خليفة لوالده حتى عاد ليمارس عمله الوظيفي المرموق، ولكن دون أن يغيب عن وعيه أن عمله الحقيقي يتمثل في تغيير الأفكار والقيم كأي مثقف تستهويه مهمة صعبة كهذه. وحين أكد لا حقا أن الوظيفة العمومية لم تنحرف به درجة واحدة عن وظيفته الفكرية فهذا دليل على أنه كان يعي منذ البداية مبدأ مهما في حياة أمثاله. فالإنسان المثقف مثله ينزل من رتبة الفكر العليا إلى منزلة الموظف العادية حين يخلط بين الصفتين، أو حين يقدم المصلحة الشخصية ومقتضيات الحياة العادية على الفكر العام «وكم يتسابق كثيرون في بلداننا الشقية على هذا الانحدار!».
نعم لم يكن لمونتين أطروحات محددة في هذا المجال، لكن فكرة التسامح وما يثوي وراءها من رؤى عقلانية متسعة، هي التي دارت حولها كتاباته وضمنت لها مشروعية تاريخية إلى اليوم. فقد كان يلح على أنه ممن يفضلون البحث عن الحقيقة وليس ممن يتوهمون امتلاكها ويحرصون على إعلانها، ولم يكن يخفي حماسه للإعلاء من شأن الذات الإنسانية المجردة أو الأصلية، وظل نصيرا للنزعة العقلانية وإن بمعنى أولي بسيط، أي أنه جسد وشخص في حياته وكتاباته تلك النزعة الجديدة التي اكتشفها وبلورها في عصر النهضة لتصبح توجها مركزيا في عصر التنوير. حتى حين كتب عن قضايا فكرية وأخلاقية واجتماعية من منظور ديني محافظ لا شك أنه كان يؤسس لخطاب جديد لم يكن رجال الكنيسة ليعترفوا به آنذاك لأن مرجعيات الأفكار والآراء هي تلك الأدبيات الإغريقية العريقة التي تمثلها مبكرا كما أشرنا إليه من قبل. لكن هذا المثقف النهضوي ضمن مشروعية أخرى لا تقل أهمية من تلك، وقد تحققت في المستوى الأدبي هذه المرة.
فكتاباته كلها هي عبارة عن نصوص مقالية تخوض في موضوعات شتى وقضايا متنوعة لا يربط بينها سوى حرية صاحبها ووحدة أسلوبه الشخصي القوي بمعايير عصره. لهذا السبب يعده بعض مؤرخي الأدب من أهم رواد فن «المقالة» بالمعنى الحديث للمفهوم تحديدا. فلا أحد يفاجأ اليوم حين يطالع كتابه الفكري الأهم بعنوان «مقالات» فيجده في حقيقة الأمر مكونا من ثلاثة كتب يشمل كل منها مجموعة من الفصول التي لا تلبث أن تتشعب في سلسلة مقالات قصيرة أو متوسطة تتجاور وتتعاقب فيها التأملات الجادة والخواطرالعفوية ونادرا ما تخلو من الاقتباسات الأدبية. وعلى سبيل المثال نجد الكتاب الأول يقع في أكثر من ثلاثمائة صفحة ويتكون من سبع مئة مقالة، يخوض كل منها في موضوع مختلف حيث تبدأ بكلام عن «وسائل كثيرة توصل إلى الهدف ذاته»، «الكآبة»، «أيخرج قائد موضع محاصر للتفاوض؟».. وتنتهي بأخريات عن «الرائحة» و«الصلاة» و«التقدم في السن»!.
كتابة حرة أم كتابة مشتتة؟ كلا الإجابتين صحيح، لأن خلفيات القارىء والمقصديات المعلنة أو المضمرة لقراءته هي التي تحسم الأمر. فنحن أمام نصوص أنجزت في حقبة إنشائية أولية، حرة وسعيدة بمعنى ما، لم تكن أسئلة الشكل قد طرحت فيها بعد. المهم إذا هو ذلك التوجه الفكري الإنساني العام الذي يمكن ملاحظته أو استقراؤه من مجمل نصوصه، وتلك الوحدة الأسلوبية التي تبرز مدى تفرد الشخصية الفردية للكاتب.
ومما له دلالة طريفة تتمم ما قلناه أن هذا الكتاب ظل مفتوحا بمعنى ما لأن مونتين كان لا يخرج طبعة منه إلا وقد أضاف إليها شيئا جديدا من محصول قراءاته وخبراته اللاحقة. وفي كل الأحوال يمكن القول إننا أمام شخصية خرجت من إطار حياتها المترفة لتتقصى أحوال المجتمع وتترجم عن توق الإنسان إلى شيء جديد قد لا يكون واضحا إلا كبحث جاد عن مستقبل أجمل وأفضل. العودة المتأخرة إليه كانت مبررة ومنتظرة إذن. وكثيرون، قبل نيتشه، كتبوا عنه من هذا المنظور التمجيدي، ومنهم ديكارت ومونتسكيو وديدرو، مما يدل على مكانته العالية في الذاكرة الجماعية الفرنسية والغربية. لغة ديدرو صعبة اليوم نوعا ما حتى على الفرنسيين لأن المفردات والصيغ تغيرت كثيرا بعد حوالى خمسة قرون، ولأن هناك استشهادات واقتباسات وردت باللاتينية في النص الأصلي وقد تركها الناشرون المتعاقبون على ما هي عليه.
لهذا السبب المزدوج حرص مقدم كتاب «المقالات» على تنبيه القراء لذلك وحثهم على تجاوزه إلى ما في مغامرة الكتابة من متعة لم ينل منها الزمن: «ليس لدي سوى نصيحة واحدة. اتركوا لأنفسكم حرية الحركة، كما كان يفعل هذا الفيلسوف الغريب ذاته. لا تبحثوا بعناء عن ترابط الأفكار وتماسك الحجج. لا داعي للتقطيب أمام فعل نادر أو نعت غير مألوف، ولا حتى أمام جملة ستظل معتمة. تقدموا بعفوية مع الصفحات، وضعوا السخرية المرحة نصب أعينكم. ومن موضع لآخر ستتوقفون حتما،لأنكم ستعثرون على جوهرة نادرة لا تزال صالحة للاستعمال».
د. معجب الزهراني
|
|
|
|
|
موقف الإيرانيين من الدعوة الإسلاميّة «۱-۳»
اخترت موضوع «موقف الإيرانيين من الدعوة الإسلاميّة» لسببين: الأول لأني قادم من إيران، والأحرى أن أختار موضوعاً هو - إضافة إلى ارتباطه بموضوع المؤتمر - يرتبط أيضاً بالصقع الذي قدمت منه.
والثاني- لأن بعض كتب التاريخ تتحدث عن فتح إيران بالقوة وعن إسلام الإيرانيين بالسيف، وعن تحايل الإيرانيين بعد قرنين من الفتح على التملص من الإسلام ومقاومة أفكاره وعقائده وتعاليمه، وهو ما يشوه الصورة الإسلاميّة ويضفي على الفتح المبارك طابعا دمويا.
ولذلك سأتناول في هذه السطور الموضوعات التالية:
۱ - مسألة انتشار الإسلام بالسيف في إيران.
۲ - موقف الإسلام من الديانة الزرادشتية.
۳ - إخلاص الإيرانيين للإسلام.
۴ - التعايش الأخوي العربي - الإيراني في ظل الإسلام.
۵ - موقف الفتح الإسلامي من التراث الحضاري الإيراني القديم.
۶ - عطاء الإسلام للإيرانيين.
انتشار الإسلام في إيران
في تاريخ الطبري روايات عن مذابح حدثت في العقود الإسلاميّة الأولى بعضها يرتبط بحروب الردة وبعضها بالفتوح الإسلاميّة. ومن أخباره عن حروب الردة اجتماع قبائل ثعلبة بن سعيد في «أبرق الربذة» وإعلانهم منع الزكاة، وقول الخليفة أبي بكر عنهم: «والله لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه»، وما تبع ذلك من سفك دماء غزيرة، ومنها رواياته عن ردة طي، وعودتهم بعد ذلك إلى الإسلام بالتهديد والتخويف، وهكذا رواياته عن ردة أهل عمان ومهرة وقتل عشرة آلاف من المرتدين فيها، وهكذا حديثه عن ردة اليمن الأولى والثانية وردة الاخابث وفي جميعها ذكر لجموع غفيرة من القتلى والى عمليات إبادة للحرث والنسل. وهذه الأخبار وإن كانت تثير شك الباحث الموضوعي بمجرد قراءتها لأنها تتعارض مع أخبار ترتبط بإقبال الجزيرة العربية على الإسلام طواعية، سوى فئة قليلة من طلقاء مكة، لكن الدقة في أسانيدها يكشف زيفها جميعا لأنها ترتبط كما ثبت في التحقيق بمؤامرة كان على رأسها الروائي سيف بن عمر استهدفت مسخ حقائق التاريخ الإسلامي.
وإذا كان سيف بن عمر قد وضع روايات دموية في أخبار الردة، فقد وضع مثل هذه الروايات في الفتوح أيضاً، وخاصة فتح إيران. وهي أيضاً مليئة بسيول الدماء وصور البشاعة التي تقشعر منها الأبدان ، وكلها مزيفة ولا أصل لها من الصحة.
وما يرتبط بدمويات روايات سيف بن عمر في فتح إيران - إضافة إلى تعارضه مع طبيعة الدعوة الإسلاميّة، ومع وثائق تاريخية كثيرة جدا عن الموقف الإنساني تجاه اهالي البلدان المفتوحة في ظل الإسلام - فإنه مرفوض لما يلي:
۱ - إن الإيرانيين المتحررين من ربقة السيطرة الكسروية أسلموا قبل الفتح، من ذلك الايرانيون في اليمن والايرانيون في البحرين، ووجود سلمان الفارسي بين ابرز الصحابة له دلالته الواضحة.
۲ - تذكر الوثائق أن جماعات غفيرة من أصناف الإيرانيين تعاونوا مع الفاتحين المسلمين في القضاء على النظام الكسروي منهم القبائل المتنقلة وراء الكلأ «الزط»، ومنهم سكان السواحل «السيابجة»، بل منهم قواد جيش يزد جرد «الاساورة».
۳ - تخمينات الباحثين تذهب إلى أن عدد المقاتلين المسلمين في فتح إيران لم يتجاوز«۶۰» ألفا، وكانوا يفتقدون إلى ما كان عند الجيش الإيراني من عدة وعتاد وآلة الحرب وفنون القتال ، بينما كان سكان إيران آنئذ يبلغ «۱۴۰» مليونا منهم عدد لا يحصى من الجنود حجم سكان إيران إذن كان كافيا لان يضيع فيه المقاتلون المسلمون مما يدل على أن الفتح كان وراءه الشعب الإيراني نفسه أيضاً.
د. محمّد علي آذر شب
|
|
|
|
|
حوار مع الرضيع«ع» في الفضاء السابع
حينما يكبر الآذان.. تنطلق روحي الى فضاءات لا أعرفها.. بل تعرفها روحي.. فضاءات زرقاء وخضراء لا تحلق فيها سوى الأرواح الطاهرة... وكلما ترتفع أكثر تضيق بعدها الرؤيةلم يبق سوى ثقب صغير يطل على فضاءات ملكوتية أرى من خلالها مشاهد حاضرة أبدا في ذاكرتي... صورة النبلة المزروعة في عنقك ومنحرك الشريف... وصورة رأس أبيك الإمام الحسين«ع» الذي تشع من رأسه هالة كبيرة من الأنوار الربانية وصورة أخرى لكفين مقطوعتين ترتقيان نحو السماء وتحاولان إخراج النبلة من منحرك الشريف... وتسقي شفيتك من ماء الكوثر.. إنها كفا أبي الفضل العباس«ع» حينها شعرت بالالم والحزن والحب.
الحب سيدي كائن لا يشبه الكائنات فهو يشبه المطر الذي يغسل دروب العاشقين والمؤمنين العارفين بحقكم سيدي علي الاصغر.. فأنت الطفولة والشهادة في آن ... وبين الطفولة والشهادة خيط يصل الى السموات السبع... ولا يعرف هذا الخيط الا من عرف خط الله سبحانه.. المعرفة الحقيقية.. التي عرفها الله لنا من خلال رسالاته وكتبه ومن خلال الانبياء والاوصياء «عليهم السلام» ومن خلال احاديث الائمة الطاهرين المطهرين الذين ابعد الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا اهل بيت النبوة «عليهم السلام» سيدي لا نغالي اذا قلنا مصاب ابيك سيد شباب اهل الجنة«ع» ابكى السماوات والارض جميعا كيف لا وكفا الامام الحسين «فداء الكعبة»«عليه السلام» تحملك الى السماء.. وشفاه ابيك تناجي الله سبحانه وتقول: «اللهم تقبل منا هذا القربان» فأي قربان دمك؟ وأي مكانة مكانتك سيدي.. وهذه صورة الحوراء زينب وهي ترمق بطرفها السماء وتردد ما قاله اخيها الحسين«ع»: «اللهم تقبل منا هذا القربان» سيدي أنت العاشق والمذبوح... عاشق للحب والحرية وللبراءة والطفولة.. والمذبوح بيد الغدر والكفر والالحاد والبشاعة.. وعشقت الجهاد سيدي.. فلم تمنعك اشهرك الستة من تحقيق حلم الشهادة بين يدي ابن الرسول«ع» لآن شوقك للشهادة فاق عوامل الطبيعة والزمن التقليدي... لأنكم استثنائيون بكل شيء.. ولا تصح المقارنة بكم الا بمن اجتباه الله معكم.. وهكذا اطلقت صرختك.. العظيمة ضد اعداء الانسانية واعداء الطفولة.. وصرت كوكبا تنحني امامك ملايين الكواكب...وصرت رمزا لجميع اطفال العالم حيث يحتفلون بذكرى استشهادك في اول جمعة من عاشوراء في كل عام.. وصرت النور لهم والنبراس الذي يضيء دربهم..
|
|
|
|