|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
باحث مصري يطالب بعودة «حجر رشيد» الذي سرقه الفرنسيون
أكد د. بسام الشماع الباحث في الآثار المصرية القديمة على أهمية استرداد مصر لآثارها المسروقة في أنحاء العالم، متسائلا هل يعقل أن يضم المتحف البريطاني ۱۳ مليون قطعة أثرية، ولا يوجد في المتحف المصري سوى ۱۵۰ ألف قطعة، ومصر هي بلد الحضارة والتاريخ، وبها حوالى ثلث آثار العالم، جاء ذلك في الندوة التي أقيمت في ساقية الصاوي بالقاهرة، وتحدث فيها د. بسام الشماع.. الباحث في الآثار المصرية والخبير السياحي عن الحضارة المصرية القديمة والآثار المصرية التي سرقت وهُربت إلى أوروبا.
وقال د. الشماع: إن الحكام والملوك في العصور القديمة حافظوا على الآثار، وعملوا على حمايتها من السرقة، وضرب مثالا على ذلك «ماريت باشا» وهو من المشتغلين بعلم «إيجيبت تولجي» وكان مغرما بالكشف عن الآثار وحريصا على أن لا تباع أي قطعة آثار مصرية خارج القطر المصري، أو داخله.
ولكن حدث في عهده أن الكونت «ليبك» الفرنسي اتفق مع البعض على شراء مومياء فرعونية بمبلغ ۱۲۰ ألف فرنك لنقلها لفرنسا، وعندما علم «ماريت باشا» بالأمر طالب مديرية قنا بعدم بيعها وإعادة النقود واسترداد المومياء، وعندما علم الكونت «ليبك» برغبته في استرجاعها، وقام بتهريب المومياء عن طريق القصير ومنها إلى السويس، ثم إلى بورسعيد لتخرج إلى فرنسا، ووضع مكان المومياء قطعا من الشجر حتى لا يكتشف الأمر.
اتفاقيات دولية
وأشار الشماع إلى أن هناك قطعا ثمينة نطالب بعودتها، مثل حجر رشيد الذي أخذه الفرنسيون من مصر، وعندما هزمت فرنسا سلمت حجر رشيد إلى بريطانيا ووضع الحجر في المتحف البريطاني، وعندما طالبت فرنسا برجوع هذا الحجر رفضت بريطانيا طلبها، وفي عام ۱۹۷۲ زار حجر رشيد باريس ليستقر بمتحف اللوفر لمدة محدودة.
ورغم العثور على حجر رشيد بمدينة رشيد المصرية إلا أنه ليس رشيدي الأصل وهو ليس حجرا وإنما لوحة وجدت في قلعة قايتباي. وأكد أهمية هذا الحجر، ورغبته في تغيير اللوحة الموجودة بالمتحف المصري، والتي تنص على أن حجر رشيد من البازلت في حين أنه من مادة تسمى «لجونيودوايون» وعمره الجيولوجي ۶۰۰ مليون عام، ويصل وزنه إلى ۷۶۲ كغم.
|
|
|
|
|
الاعلان عن قرب الانتهاء من ترميم السوق التراثية في مدينة قم المقدسة
اعلن النائب لشؤون الحفاظ والاحياء في مؤسسة التراث الثقافي والسياحة في محافظة قم المقدسة في حديث لوكالة ايسنا للانباء عن قرب الانتهاء من ترميم سوق ال«تيمجة» الممر الذي يوجد على جانبيه محلات ودكاكين وسوق الاحذية في السوق التراثي الكبير «بازار» في مدينة قم المقدسة والذي يبلغ عمره ۴۰۰ سنة واشار علي بخشي الى ان تقدم بنسبة ۸۰% حصل في ترميم السوق وقال: لقد انتهينا من عمليات ترميم السقف وحذف الملحقات الداخلية للمبنى، واجراء عملية التدعيم له واكساء ارضية سطح السوق. وواصل حديثه قائلا: سيكون في مقدورنا انجاز اعمال الترميم في اجزاء اكبر من السوق اذا ما تم اعتماد ميزانية اكبر في غضون العام القادم.
وحول اعمال الترميم الجارية في السوق واكساء الارضية ودفع الرطوبة بواسطة القنوات اوضح قائلا: في العام المنصرم عثرنا على حوض قديم كان مخفيا تحت الارض، وقد قمنا باعادة احيائه وبنائه وفق تصميمه القديم.
واوضح بان الميزانية المعتمدة لاعادة بناء سوق الاحذية يبلغ مقدارها ۵۰ مليون تومان، في حين ان ميزانية اعداد التصاميم والترميم واعادة بناء ال«تيمجة» تبلغ ۱۷ مليون تومان واضاف قائلا: ان هناك الكثير من العمل المتبقي لانجاز عملية ترميم ال«تيمجة»، الا ان مؤسسة التراث الثقافي ستكون قادرة على انجاز العمل على ضوء الميزانية المخصصة.
وقال مضيفا: اذا امكن تخصيص ميزانية العام القادم، سيكون بامكاننا اكمال وانجاز اعمال الترميم. واوضح بان ال«تيمجة» تحتاج الى ميزانية قدرها مائة مليون تومان، واذا ما امكن الحصول على تبرعات من تجار السوق فان عملية ترميم هذا المكان التاريخي ستتسارع. وحول ما انجز من عمليات ترميم خلال العام الماضي في هذا البازار صرح قائلا: ان اعمال الترميم في السابق اقتصرت على ازالة الاخطار ولم تكن نفقاتها كبيرة.
ويذكر ان البازار القديم يقع ضمن النسيج القديم للمدينة وتم تسجيله عام ۱۹۹۷ ضمن قائمة الآثار الوطنية في البلاد.
|
|
|
|
|
المخرج الألماني أوليفر هير شبيغل: رصد سقوط برلين وانهيار الحقبة النازية
يتصف فيلم السقوط للمخرج الألماني أوليفر هير شبيغل بالجرأة، والمصداقية، والسوّية الفنية اللافتة للانتباه. كما أنه يتوفر على حيادية نسبية تكشف للمتلقين بأن قراءة المخرج وكاتب السيناريو للوقائع والأحداث غير معوّجة في الأقل. وقبل الخوض في تفاصيل الثيمة الرئيسية التي انبنى عليها الفيلم، وما تناسل عنها من ثيمات فرعية جديرة بالاهتمام، لا بد من الاشارة الى أن القصة السينمائية برمتها قد اعتمدت على خمسة كتب مذكرات وسير ذاتية وفيلم وثائقي وهي كالآتي: داخل ملجأ هتلر: الأيام الأخيرة للرايخ الثالث للمؤرخ، والناقد، والصحفي الألماني يواخيم فيست، المتخصص بتحليل الحقبة النازية، ومذكرات ألبيرت شبير الكاتب والسياسي المعروف، والمهندس الأول للرايخ الثالث، وكتاب حتى الساعة الأخيرة لتراودل يونغ أصغر السكرتيرات الشخصيات لهتلر منذ كانون الاول «ديسمبر» ۱۹۴۲ حتى نيسان «ابريل» .۱۹۴۵ وكتاب وكر الصقر لسيجفريد كنابه، الضابط الألماني الذي تخندق في برلين خلال الحرب العالمية الثانية، وكتبَ يوميات مختصرة عن ملجأ القائد أو وكر الصقر كما هو معروف لدى شريحة واسعة من المجتمع الألماني. اضافة الى الفيلم الوثائقي الموسوم ب«البقعة المعتمة»: سكرتيرة هتلر ومجموعة الخلاصات التي توصل اليها طبيب هتلر الخاص الدكتور ايرنست غونتر شينك. هذا اضافة الى
«البقعة المعتمة»: سكرتيرة هتلر ومجموعة الخلاصات التي توصل اليها طبيب هتلر الخاص الدكتور ايرنست غونتر شينك. هذا اضافة الى الرؤية الفنية والفكرية للمخرج هير شبيغل والتي يمكن تلمّسها بين لقطات الفيلم ومشاهده المحتدمة، من دون أن ننسى ضمنيا رؤية كاتب السيناريو الحاذق بيرند آيشنغر الذي نال جائزة أفضل كاتب سيناريو في مهرجان ديل بلاتا السينمائي لعام .۲۰۰۶ ولا داعي للاشارة الى عدد الجوائز التي حصدها الفيلم في المهرجانات المحلية والدولية لأنها شملت كل المساهمين في هذا الفيلم المتيمز والذي سيظل علامة فارقة في السينما الألمانية.
تحليل الحقبة النازية
لم يكن أوليفر هير شبيغل هو المخرج الأول الذي يرصد الحقبة النازية في التاريخ الألماني، فهناك عدد من المخرجين الذين تعاطوا مع الظاهرة الحساسة التي تكاد تصل الى مرحلة التابو ومن بينهم جو باير الذي أنجز فيلم شتاوفينبيرغ وتم عرضه في ۲۵ شباط «فبراير» ،۲۰۰۴ حيث يتمحور هذا الفيلم على محاولة الانقلاب الفاشلة التي كان يقف وراءها الجنرال شتاوفينبيرغ ضد هتلر، والتي تدحض الآراء القائلة بأن جنرالات الجيش الألماني كانوا متماهين كلهم مع النزعة النازية لهتلر. وفولكر شولندروف الذي تعاطى في فيلمه المعروف اليوم التاسع مع فكرة محرّمة مفادها ارسال القسيس الكاثوليكي آبه هنري كريمر الى معسكر باخاو النازي في محاولة من قبل ضابط الغستابو لترويضه وتجنيده حيث طرح عليه فكرة اقناع أسقف الكنيسة الكاثوليكية في اللكسمبورغ بالتخلي عن مقاومة الجيش الألماني، وكتابة رسالة الى الفاتيكان في محاولة مماثلة لاقناع البابا بمساندة هتلر، ودعم نظامه النازي. وقد تم عرض هذا الفيلم في ۱۱ تشرين الثاني «نوفمبر» .۲۰۰۴
ودينس غاينسل الذي رصد في فيلمه المعنون نابولا فكرة تخمير الطاقات الشابة خدمة للفوهرر في مدارس النخبة العسكرية النازية القائمة على العنصرية، والشوفينية، وخرافة تفوق العنصر الآري. غير أن ما يميز السقوط لهير شبيغل عن غيره من الأفلام التي تعاطت مع الحقبة النازية هو محاولة المخرج الموضوعية لتشريح تلك الحقبة بعيدا عن الاحساس بعقدة الذنب، هذا الشعور الذي كرّسه بعض المتطرفين من الكتّاب اليهود الذين لا زالوا يحاولون تسفيه شخصية هتلر، والتهويل في حجم الجرائم التي اقترفها بحق اليهود في الحرب العالمية الثانية.
وقد تعرّض المخرج هير شبيغل بسبب هذه الرؤية الجديدة المغايرة للرؤى السائدة الى انتقادات لاذعة يمكن اختصارها بأنه قدّم هتلر، الوحش النازي، كانسان طبيعي، يحب، ويكره، ويتأمل، ويداعب كلبته بلوندي، ويذرف الدموع، ويرقص، ويتزوج اضافة الى أحلامه المريضة وغير الواقعية بألمانيا عظمى تهيمن على القارة الأوروبية بمجملها. وقد عُرض هذا الفيلم في ۱۶ ايلول «سبتمبر» ۲۰۰۴ غير أنه حصد المزيد من الشهرة والذيوع بحيث كُتبت عنه العديد من المقالات، والتغطيات، والدراسات النقدية التي تشيد بطاقم الفيلم برمته، وهم يستحقون هذه الاشادة بدءا بالممثلين الذين أبدعوا في تقمص أدوارهم، مرورا بالتقنيين الذين تفننوا في نقل الأجواء الحقيقية للحرب من خلال المؤثرات الصوتية، وانتهاء بكاتب السيناريو ومخرج الفيلم اللذين قدّما تصورا منطقيا يدور في فلك الاختلاف والمغايرة متشبثين بالحياد الفكري، والدقة التاريخية في رصد الأحداث، وتحقيق السوّية الفنية للفيلم بواسطة استنفار المخيلة السينمائية للمخرج الذي قدّم رؤاه الخاصة فيما يتعلق ببنية الفيلم بداية، وذروة، ونهاية.
سقوط برلين واندحار المشروع النازي
لا يمكن الوقوف عند مجمل التفاصيل التي احتشد بها فيلم السقوط لأنها كثيرة، وتحتاج الى مساحة واسعة ليس هذا محلّها. وقصة الفيلم باختصار شديد ترصد الأيام العشرة الأخيرة من حياة هتلر في نيسان «ابريل» ،۱۹۴۵ وتوثق حالة التوتر، والانفعال، والقلق العصابي التي وصل اليها الزعيم النازي هتلر قبل أن يقدِم على الانتحار المأسوي هو وصديقته ايفا براون بعد سقوط برلين أمام هجمات الجيش الأحمر، ثم يتبعه وزير اعلامه ودعايته السياسية غوبلز وزوجته ماغدا غوبلز التي قتلت أطفالها الستة بالسيانيد، ثم وقفت منتصبة أمام زوجها بانتظار الطلقة التي تستهدف القلب، ثم ينتحر هو الآخر ليلج الى حفل النار الذي اختارته القيادة النازية بملء ارادتها. لا بد لأي فيلم من حبكة ما تشد التفاصيل المنتقاه التي اختارها كاتب النص، ووافق عليها المخرج لأنها تنسجم مع رؤيته الفنية والفكرية للفيلم.
تمتد قصة الفيلم، في واقع الأمر، خارج نطاق الايام العشرة التي أشرنا اليها آنفا، وان كانت هي الأكثر احتداما وأهمية في متن الفيلم، لكن المخرج أراد أن يغطي السنوات الاثنتي عشرة التي هيمن فيها حزب العمل القومي الاشتراكي الألماني على السلطة، وكان جلَّ أعضائه يحلمون باقامة الدولة العنصرية على أساس تفوق العنصر الآري.
تتعرض برلين خلال الايام العشرة من حياة هتلر الى هجمات ضارية من قبل قطعات الجيش الأحمر الذي اجتاح برلين ثم حاصرها لاحقا، ولم يترك أي منفذ الا للنازحين من المدنيين، وللهاربين من خطوط المواجهة. وفي هذه الأثناء ينشق عنه بعض القادة العسكريين عن هتلر، خصوصا بعد أن أعدم الحرس الخاص لهتلر، الجنرال فيليغن متهما اياه بالتراجع، والهروب من خط النار، وخيانته العظمى للأمة الألمانية. تزداد نبرة التذمّر والاحتقان لدى عدد غير قليل من الجنرالات العسكريين حتى أن بعضهم أمثال هيفيل وهملر عبّرا عن رغبتهما الشديدة في البحث عن حل سياسي رفضه هتلر جملة وتفصيلا. فالطغاة العصابيون لا ينصتون الاّ الى النداءات الغريبة الصادرة من أعماقهم المسكونة بالأوهام. فعلى الرغم من مرض هتلر، ووهنه البدني، وارتعاش يده اليسري المنطوية خلف ظهره، وعزلته الدولية كان لا يزال متشبثا بامكانية تحقيق النصر، ودحر الجيش الأحمر. ركز المخرج كثيرا على هذا الوهم الذي يهيمن على هتلر ومؤازريه، وربما كان جزءا غير قليل من الشعب الألماني ينتظر معجزة ما يجترحها هتلر وهو في أكثر لحظاته وهنا ونكوصا، لكن واقع الحال يكشف أن المشروع النازي مندحر لا محالة، وأنه يسير الى نهايته بخطى واثقة، ولن تنفع معه الهجمات المضادة اليائسة التي تشنها بعض الوحدات النازية التي اقتنعت بالهزيمة داخليا، ولكنها لم تفصح عنها خشية من فرق الاعدام التي فتكت بالجيش الألماني وبعدد كبير من المنتسبين الى الأحزاب السياسية المناوئة للحزب النازي. كان هتلر مُصرا على التشبت والبقاء في برلين على الرغم من أن الانسحاب هو صفحة من صفحات القتال، ولا يختلف عن التقدّم، والهجوم، واستثمار الفوز بالمفهوم العسكري، غير أنه آثر الموت على التراجع.
عدنان حسين أحمد
|
|
|
|
|
هل الرسم الشعبي يعبر عن روح الجماعة؟
الرسم الشعبي يقوم به أناس من عامة الشعب ويتمتعون بثقافة بسيطة، والرسم الشعبي مجموعة من الخطوط والألوان والأشكال المرسومة بمواد سهلة وميسرة ولكنها غنية بالرموز والدلالات تختصر تاريخ أمة بما لها من تقاليد وعادات.
إنه فن يعبر عن روح الجماعة ويتماشى مع ذوقها وليس له ضوابط ولا قواعد أكاديمية أفرزته الثقافة مع مرور الأيام ويمارسه الناس إبداعا وتذوقا، وإذا أخذنا الرسم الشعبي العربي سنجده يعطي الحياة العربية طابعا جماليا وحضاريا متميزا ويقوم في الوقت نفسه لتأكيد الرابطة الأصيلة للإنسان العربي في وحدة التعبير عن وحدة الفكر والوجدان وتكامل المزاج النفسي في صنع الحياة على أرضه.
أما بالنسبة لتاريخ ظهور هذا الفن فمن الصعب أن نحدد فترة زمنية معينة فهذا مرتبط بتاريخ الإنسان منذ أن وجد على أرضه، ولكن يمكن القول بأن هذا الفن ازدهر في مرحلة ما قبل أواسط القرن العشرين وخلال القرن التاسع عشر للميلاد.
وبدا واضحا في الرسوم المطبوعة على الورق وعلى الزجاج والجدران.. أما المواد التي استخدمت رخيصة تتناسب وإمكانات الرسام المادية وميسرة وموجودة بوفرة وقادرة على خدمة الهدف والغاية.
إن الرسام الشعبي هو مواطن من عامة الشعب وإنتاجه الفني لا يخضع للأصول والمقاييس الفنية لذلك فإن عمله التلقائي نابع من أعماق النفس محبب لعامة الشعب لأنه يمثل وجدانهم، فالصورة تمثل نصاً معروفاً في الوطن العربي تردده وتحفظه العامة لا تحبباً بالأبطال فقط بل تمسكا بالأخلاق الحميدة والفروسية والكرم وحسن الضيافة، وما الرسوم الشعبية إلا وسيلة لنشر هذه المبادئ وتعميمها ودفعها في سبيل الاستمرار.
لقد حاول الرسام الشعبي العربي أن يصل من خلال عناصر لوحته الفنية الواضحة إلى مفاهيم محسومة في الواقع وإدراكها في الفكرة والقيمة وعلينا أن ننوه هنا بأن اللوحة الفنية الشعبية بتأليفها وتعبيرها العفوي تشبه تماما رسوم الأطفال.
فاروق الجفري
|
|
|
|
|
لغة الشعر: أداة ام اداء؟ «۲»
وهذا المعنى الذي يريد ايصاله الشاعر لا يتطلب كثيرا من العناء الشعري بل هو يتحقق بمجرد استعماله اداة تقليدية وهي التشبيه بكاف التشبيه. ولكن أراد الشاعر ايصال غرضه بالتشبيه وكفى؟ نحن نرى ان البيت ليس مجرد بيت يصف فيه الشاعر ما يريد وصفه بل هو بيت تتحقق فيه اعلى مستويات الاداء الشعري من خلال استخدام اعلى ما توافر للشاعر من مستويات الاداء اللغوي الممكنة.
اقول «معنى» البيت لان المعنى - الذي هو ليس كل شيء في البيت - يتحقق او يوصله الشاعر باستخدامه التشبيه: والتشبيه هو اداة ايصال معنى كما هو معروف. الا ان اشتغال اللغة كما سنرى يجري قبل التشبيه. اي ان الشاعر يحقق ما يريد تحقيقيه لغويا قبل استخدام اداة ايصال المعنى التي هي التشبيه، وهو ما يهمنا في هذه الدراسة.
ان البيت كبنية لفظية يصنع بنية معنى «او ان في البيت بنية لغوية لفظية تصنع بنية معنى «سيمانطيقية»» وتنمطها تنميطا تناظريا. تتحقق هذه البنية في صدر البيت حتى قبل ان يدخل الشاعر الصورة باستخدام التشبيه، وهذا يعني انه ليس من خلال التشبيه يتحقق البناء الشعري وبالتالي المعنى الشعري الذي يجري ايصاله وانما يقوم الشاعر بذلك من خلال استخدامه جملة من الادوات اللغوية يجعل من خلالها اللغة تعمل على اعلى مستوى من الخلق الفني والشعري من خلال بنية لفظية يلتقطها الشاعر من بين عدة خيارات لغوية متوافرة لديه. البنية موضوع الدراسة اذا هي ليست البيت بكامله وانما الصدر فقط.
تحاول الدراسة الاجابة عن السؤال الآتي: كيف تحقق هذه البنية اللفظية وظيفتها الشعرية؟ يطرح رومان ياكوبسن في مقاله الرائد «اللسانيات والشعرية» السؤال الآتي: «حسب اي معيار لساني نتعرف، تجريبيا، على الوظيفة الشعرية؟ وعلى وجه الخصوص، ما هو العنصر الذي يعتبر وجوده ضروريا في كل اثر شعري؟» يقدم ياكوبسن اجابته عن هذا السؤال بالتذكير اولا بأهمية ما يدعوه «بالنمطين الاساسيين للترتيب المستعمل في السلوك اللفظي: الاختيار والتأليف» ثم يتابع ياكويسن تعريفه لهذه العملية كالآتي:
ان الاختيار ناتج على اساس قاعدة التماثل والمشابهة والمغايرة والترادف والطباق، بينما يعتمد التأليف وبناء المتوالية على المجاورة. وتسقط الوظيفة الشعرية مبدأ التماثل لمحور الاختيار على محور التأليف. ويرفع التماثل الى مرتبة الوسيلة المكونة للمتوالية. ويوضع كل مقطع، في الشعر، في علاقة تماثل مع كل المقاطع الاخرى لنفس المتوالية، ومن المفروض ان يكون نبر الكلمة مساويا لنبر كلمة اخرى. وعلى نفس المنوال، تساوي الكلمة غير المنبورة الكلمة غير الكلمة المنبورة، والكلمة الطويلة «تطريزيا» تساوي الكلمة الطويلة، والكلمة القصيرة تساوي الكلمة القصيرة: ويساوي حد الكلمة حد الكلمة، وغياب الحد يساوي غياب الحد، والوقفة التركيبية تساوي الوقفة التركيبية، وغياب الوقفة يساوي غياب الوقفة، ان المقاطع تتحول الى وحدات قياس، ونفس الشيء يقال عن المتجزءات والنبور.
ذلك بالضبط ما يفعله امرؤ القيس في بيته الشعري، وهو يقوم بذلك على المستويات اللغوية الاساسية الثلاثة: المستوى الصرفي والمستوى النحوي والمستوى الصوتي.
على المستوى الصرفي، يعبر الشاعر عن التماثل بين الحركتين المختلفتين من خلال التناظر الصرفي في وحدات البيت اللغوية «لاغراض التحليل سوف نقسم البيت الى الوحدات اللغوية الآتية: ۱- مكر مفر، ۲ - مقبل مدبر، ۳ - معا، ۴ - كجلمود صخر حطه السيل من عل» فنجد ان كلمات الوحدتين الاولى والثانية مبنية بناء صرفيا وفق مبدأ ياكوبسن الآنف وهو مبدأ التماثل لمحور الاختيار الذي تسقطه الوظيفة الشعرية على محور التأليف. فكلمتا الوحدة «م كر رم - م فر رم» «سوف نرسم الكلمات رسما صوتيا تظهر فيه الاصوات حروفا وحركات» تتألف كل منها من ثلاثة مقاطع متناظرة في عدد الاصوات الصحيحة «او الصامتة» وهي خمسة اصوات في كل منهما وعدد اصوات العلة «الفونيمات الصائتة» ثلاثة في كل منهما. فكلتا الكلمتين تتناظران ان تناظرا صرفيا تاما ليس في عدد الحروف وترتيبها فحسب بل ايضا في عدد وترتيب الاصوات الصحيحة والعلة في كل منهما ولا تختلفان الا في حرف او صوت واحد وهو الصوت الذي يشكل نواة كل منهما اي الكاف في الاولى والفاء في الثانية، وهو الفارق الذي يجعل الكلمتين تختلفان في دلالتهما المعجمية «اي المعنى» فقط.ونجد في كلمتي الوحدة الثانية «مق ب لم - مد ب رم» التناظر التام ذاته، والفارق هذه المرة هو بين صوتين هما الصوت الثاني في المقطع الاول «من كاف الى دال» والصوت الثاني في المقطع الثاني «من لام الى راء» لكل من الكلمتين على التوالي وهو توال له دلالته اذ ان كلا منهما يغلف المقطع النواة في كلتا الكلمتين وهو المقطع ب«الباء والكسرة» الذي يشكل هو ذاته نواتي الكلمتين معا. والفارق الان يشكل تنويعا او تغايرا على الفارق بين كلمتي الوحدة الاولى، وهذا له دلالته الصرفية وبالتالي الوظيفية اذ ان التناظر بين الكلمتين في الوحدة الاولى يقابله تناظر بين كلمتي الوحدة الثانية اولا ويقابله تنويع تناظري بين الوحدتين الاولى والثانية وبالتالي فالتناظر مضاعف.
الدكتور عادل صالح الزبيدي
|
|
|
|
|
الشعر ..متسع للشجن ولهموم الإنسان المعاصر
«كلما تقدمت المدنية، وتطورت الحضارة، وازداد إعمار الكون، تعقدت الحياة، وكثرت المتاعب، وتعددت هموم الإنسان وأحزانه. والشعر كان دائما -وسيظل -هو الصدر الرحيب، والقلب الحنون، الذي يتسع للشجن، ويحتوي الآهات، ويجفف الدموع». هكذا تقول إخلاص فخري عمارة في كتابها «الشعر وهموم الإنسان المعاصر»، الصادر في القاهرة عن مكتبة الآداب.
وترى إخلاص فخري عمارة أن الشعر كان في الماضي -وسيبقى في الحاضر والمستقبل -يجيب عن التساؤلات، ويبدد الريب، ويستوعب الشكوى. كان بالأمس -وها هو اليوم وغدا -هادي للحائر، وأنيسا للمستوحش، ونايا يعزف عليه المحب لواعج هواه وأشواقه. لقد حمل الشعر هموم الإنسان في مطلع حياته، عندما كانت هموما ساذجة هينة، تنحصر في الصراع مع الطبيعة والكائنات، من أجل البقاء وإثبات الوجود.
ثم تطورت حياة البشرية جيلا بعد جيل، فواكب الشعر ذلك التطور، وتنوعت وسائله التعبيرية، وتباينت أساليبه الفنية، كي يتمكن من تصوير كل جديد، من القضايا والمشاغل، بدءا من النضال في سبيل الحرية ومعاناة الاغتراب -نفيا أو هجرة - وانتهاء بالملل، الذي يرين على النفس، فيفقدها الإحساس بمذاق الحياة، والقدرة على الضحك الحقيقي، أو البكاء الصادق، واستطاعة الحب العميق، الذي يحمل غايته في ذاته، وليس معبرا إلى مطامح وأهداف أخرى.
وتشير إخلاص فخري عمارة إلى أن التجارب الشعرية التي خاضها الفنان الشاعر عبر المراحل الزمنية من عمر الإنسانية كثيرة، لكن أشدها تعقيدا، وأعمقها غورا، هي تجاربه الحديثة والمعاصرة، وهي تكتسب عمقها وتعقدها من مصدرين: الحافز أو الدافع الذي فجرها في نفس الشاعر، أي نوعية التجربة وعنفها وحدتها، ثم الشكل الذي انبثقت فيه، أي اللغة والأسلوب ووسائل التعبير.
وتقول إخلاص فخري عمارة: «لقد استمتعت بالشِعر منذ الطفولة - أنغاما وألحانا - لا أفهم كل خباياها وأسرارها، وإن وقعتها في فرح غير محدود. وصارت متعتي به أكبر وأكمل، حين تعرفت بالدراسة على وسائله وأدواته، وأعجبت بذلك الإبداع الفني، الذي يحكم نظم الشِعر.
ثم تضاعفت المتعة - وإن رافقتها معاناة الألم - حين لحقني داء الشِعر، فأصبحت أبدعه، وقدَّرت حينذاك جهد الشاعر الحقيقي، وأحسست بما يتعرض له من غبن وظلم، حين يمر الناقد على ديوانه أو قصيدته مر العاجل المتسرع، ويبسّط الدراسة تبسيطا مخلا، ويصدر أحكاما سطحية وعامة. وأخيرا، أضيفت إلى متعة القراءة والدرس والنظم، متعة جديدة، وإن شابتها جسامة المسؤولية. لقد فضلت تدريس الشعر منذ بداية عملي في الجامعة، ويا لها من مسؤولية شاقة محفوفة بالمخاطر، رغم أنها تحمل إليّ البهجة والسعادة.
إن جمهور الشِعر نذر قليل، وطرق تدريسه في معاهدنا التي تسبق الجامعة غالبا ما تنفِّر منه وتكرِّه فيه، لكني استعنت برصيد هائل من الحب أمتلكه - للشِعر وللطلبة معا - واستعنت بما أؤمن به من حتمية النجاح لمن يسعى.
وإذا كانت الدراسة الأدبية - الأفضل والأكثر جدوى - هي تلك التي تتناول إبداع الشاعر كله بنظرة شاملة، إلا أن الوقت والمنهج لا يهيئان فسحة لذلك، ومن أجل ذلك تتناول الباحثة إخلاص فخري عمارة نصا كاملا للشاعر - موضوع الدراسة - لأن النص يمثل تجربة شعورية وإبداعية لا تتجزأ، ويصعب فهمه وتذوقه، كما يستحيل الحكم على مبدعه، إذا تم الاكتفاء بأبيات منه، حتى ولو كانت الأحسن والأروع في نظر الباحث.
فالحكم الصحيح، والفهم الكامل، والتذوق الحقيقي، لا يتم إلا مع نص كامل دون ابتسار ولا تمزيق، كي يستطيع الباحث معايشته معايشة عميقة وصادقة. وتقول إخلاص فخري عمارة: «أنا ممن يؤمنون بتكامل الدراسات الأدبية للنص؛ ولذا أستعين بكافة المناهج النقدية، فالمنهج التاريخي رغم كل ما يوجه إليه من نقد، وما يتهم به من قصور، لكننا نظل بحاجة إليه، في مرحلة من مراحل الدراسة الفنية للنص.
إن إشارة غامضة، أو كلمة غير محددة الدلالة، ربما يذهب النقاد في تفسيرها كل مذهب، تلك الإشارة أو الكلمة نجد لها التعليل الصحيح، حين نتعرف من خلال دراسة حياة الشاعر وعصره على ذكرى بعيدة، أو حادثة تركت بصماتها في شخصيته وإبداعه.
والمنهج الفني، وإن قيل إنه تحديد لانطلاق الإبداع، وتقييد لروح الجدة والابتكار، التي هي في حقيقتها خروج على المألوف، ومخالفة للقاعدة، لكنه مع ذلك يُعَدّ ضروريا ومطلوبا أثناء دراسة النص ؛ لأنه يعصم من الخلط والفوضى، التي يحدثها بعض المبتدئين والمدّعين، لعدم درايتهم الكافية بأدوات الشِعر وفنه.
أما المنهج اللغوي أو الفقهي - كما يسمى أحيانا - فرغم وصفه بالجمود والتقليدية، فهو يلقي أضواء على جماليات اللغة وخصوصية الأسلوب. ثم يأتي المنهج النفسي، وله محاذيره ومزالقه بلا شك، بل ربما كانت مزالقه أكبر وأعمق، غير أن استخدامه في بعض مراحل الدرس والتحليل لا مندوحة عنه، لأنه يساعد على تفسير بعض الإشارات والرموز والظواهر، التي قد تبدو مقحمة على السياق، أو منبتَّة الصلة بما يحيطها من عناصر العمل الفني.
وتوضح الباحثة أن كل واحد من هذه المناهج، يظل قاصرا ومليئا بالثغرات، إذا اكتفى به الدارس، وتوقف عنده في فهم النص وتذوقه وتقييمه، ولكنها حين تجتمع، تتكامل وتتعاون على إضاءة الجوانب والزوايا، وتفسير أغلب الظواهر، وكشف الكثير من مواطن الجمال، وأوجه الضعف أو القصور.
وقبل هذه المناهج، ومعها وبعدها، يبقى دائما - وبلا مراء - الذوق المدرب، والثقافة المتجددة، والرغبة الصادقة في الاقتراب والفهم والتذوق. وتقول إخلاص فخري عمارة: «أنا لا أتردد في الإفادة من كل ما يلقي شعاعا من النور على النص، وصاحبه، وعصره، وظروف بيئته، سواء كانت آراء لغيره، أو اعترافات له، بشرط ألا يتعارض ذلك وما يقوله النص نفسه، ذلك لأن النص هو الوثيقة، وهو المصدر والمرجع الأول، ويأتي بعده ما يتفق ومضمونه من دراسات وتصريحات.
أما إذا كان منطوق النص، ومفهومه، يختلف أو يتناقض مع تلك الآراء والدراسات والتصريحات، فيجب أن نأخذ بالنص ونعرض عنها، حتى لو كانت اعترافات المؤلف نفسه؛ لأن الأديب في لحظة الإبداع، يقع تحت تأثيرات مختلفة داخلية وخارجية، شعورية ولا شعورية، وهو أصدق ما يكون ساعتئذ، أما حين يخرج من معاناة التجربة، ويعود لحالته الطبيعية، فيصدر آراء وتفسيرات، فليس حتما أن تكون هذه الآراء والتفسيرات صحيحة أو مطابقة للنص.
على أن النص يصبح بعد نشره ملكا للقراء والدارسين، وقد يجدون فيه معاني لم يكن يعنيها المؤلف ولا يقصد إليها، لكنها عبرت عن نفسها في الكلمات والسطور دون استئذان منه أو إرادة.
وأنا من المؤمنين بالمبدإ القائل: «دع كل الأزهار تتفتح»، وعلى ذلك تأتي اختياراتي شاملة لكل الصيغ والأشكال الشِعرية وكل الاتجاهات، فأتناولها تناولا محايدا موضوعيا، وأدرسها دراسة فنية خالصة. وربما وجد البعض في هذه الدراسة ما يخالف مقولات كثيرة، سمعها من قبل وآمن بها، فلا تأخذه الحيرة، ولا يندفع في الحماس للقديم، والدفاع عنه، ولكن لنجعل رائدنا هو سماع الآخرين قبل الحكم عليهم، ومناقشتهم قبل إدانتهم، ثم لنثق بأن الحياة خضم كبير مليء بالمتعارضات، ويتسع للمتناقضات، ويموج بمختلف التيارات، ولا بد أن تستمر كل هذه التيارات حتى تستمر الحياة».
شريف عبد الله
|
|
|
|
|
التصوير القرآني يمتاز بسمات فنية خاصة يعجز أمامها البلغاء والأدباء
قدم باحث مصري معالجة دراسية لمفهوم الحزن وأهم معانيه ووسائل التعبير عنه في التصوير القرآني كما عرض لأسبابه التي عرضها من لوعة الفراق والخوف والحسرة والندم والغضب والغيظ والكرب الشديد وعذاب الآخرة بهدف خدمة الباحثين في مجال الدين والأدب والبلاغة لما للتصوير القرآني من سمات فنية خاصة يعجز أمامها البلغاء والأدباء.
ويشير د. سري الشريف أستاذ البلاغة والنقد بكلية التربية جامعة أسيوط إلى أن الإعجاز القرآني نبع لا ينضب على مر السنين، وقال إن الحزن جاء في القرآن الكريم بمدلولات متنوعة منها الحزن بمعنى الأسى والأسف والهم، كقوله تعالى «كي لا تأسوا على ما فاتكم» سورة الحديد، «فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا» سورة طه، «وطائفة أهمتهم أنفسهم» سورة آل عمران.
والتي جاء التعبير عنها بوسائل متعددة بالبكاء وانهمار الدموع تارة كقوله تعالى «وجاءوا أباهم عشاء يبكون» يوسف «وتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون» التوبة وتارة أخرى بكآبة الوجه وعبوسه كقوله «عبس وتولي» عبس.
وكذلك الانفراد بالنفس والبعد عن الآخرين كقوله تعالى «وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف» يوسف ، وأما عن مسببات الحزن في التصوير القرآني فمنها الحزن الناتج عن لوعة الفراق كقوله «قال إنه ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون» وهناك الحزن المسبب عن الخوف.
وهناك أيضا الحزن المسبب عن الغضب الواضح على وجه المحزون في قوله تعالى: «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم» النحل، وكما صور موسى عليه السلام في قوله «ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا» الأعراف، وفي قوله «قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه» الأعراف.
وحق لموسى أن يغضب فالمفاجأة قاسية، وحول التصوير القرآني للحزن المسبب عن الغيظ يقدم لنا الباحث بعض النماذج منها قوله تعالى «يوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا» الفرقان ،۲۷ فصورة الظالم هنا تظهر في ثوب الندم الشديد على ما فاته.
وهناك أمثلة كثيرة حول الحزن المسبب عن الكرب الشديد، والقرآن الكريم يصور الكرب مقرونا بلفظين بليغين هما: «نجي» و«العظيم» كما جاء في قوله تعالى: «فاستجبنا له ونجيناه، وأهله من الكرب العظيم» الأنبياء.
وتصويره لكرب سيدنا زكريا«ع» في قوله تعالى: «ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك ربي شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضيا» مريم.
وفي بحثه الأخير ناقش التصوير القرآني للحزن المسبب عن عذاب الآخرة، فالمعذبون يوم القيامة يشعرون بالحزن والأسى والحسرة والندم حينما يرون العذاب في نار جهنم قال تعالى: «وأسرو الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون» يونس، وقوله «وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون».
ولقد جاء التصوير القصصي للمعذبين مملوءا بالإثارة لما فيه من تسلسل الأحداث وتناسق المشاهد وكأنها شاخصة أمامنا ولنتأمل قوله تعالى: «ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتهم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون وبينهما حجاب.
وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا، ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته ادخلوا الجنة ولا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين» الأعراف.
صورت هذه الآيات الكريمات حالتين متقابلتين الحالة الأولى تتمثل في تصوير حالة أهل الجنة وما ينعمون به من نعيم مقيم، والحالة الثانية تتمثل في تصوير حالة أهل النار وما يعانون فيها من عذاب أليم في النيران، وعلنا نحس من تصوير الحالتين بجمال المقابلة البديعية بين الحالتين التي تبرز المعنى وتوضحه ونحس بجمال هذا التصوير لما فيه من حيوية وحركة كما نحس بجمال الأسلوب القرآني وبلاغته في جذب الانتباه وتحريك الوجدان، وفي قوله نادى أصحاب الجنة أصحاب النار نجد بلاغة القرآن في لفظ نادى فهو فعل ماض جاء في زمن المستقبل ليفيد التحقق والتثبت، فالتعبير عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيه على تحقق وقوعه.
ويختتم الباحث دراسته بالتأكيد على أن التصوير البلاغي للمعذبين جاء مملوءا بالفنون البلاغية، كما اتسم بجمال الأسلوب وبراعة التعبير، فنرى في قوله تعالى: «ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا» النبأ. أسلوب بليغ الدلالة على شدة الحزن والندم، وفي قوله تعالى: «يوم تبيض وجوه وتسود وجوه» آل عمران.
تعبير جميل فيه مقابلة بديعية بين إشارتين حسيتين فبياض الوجه إشارة حسية تعني الفرح والسرور، وفي المقابل سواد الوجه إشارة حسية تعني الحزن والأسى.
وفي قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة» القيامة تصوير بليغ لحالتي الفرح والحزن، نرى من خلاله التقديم والتأخير البلاغي المتمثل في قوله «إلى ربها ناظرة» بدلا من «ناظرة إلى ربها»، دلالة على قيمة النعيم الخاص برؤية الله عز وجل.
|
|
|
|