|
«المشروع الحضاري الالهي»...
«قراءة في استراتيجيا النصر في فكر الامام الخميني ونموذجي الثورة الاسلامية والمقاومة اللبنانية» «۲-۴»
ليس ذا التحليل الذي عرضنا له هو في وارد السجال الكلامي حول الاصالة في المشروعين الحضاريين المتغايرين، فالمقام ليس لهذا السجال، اذ لا ريب عندنا في اعتبار المشروع الثاني هو الاصل «الاكثر اصالة»، «فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله»، وما يصدقه العقل ويَنطق به ويُنطِق.
لكننا، في المبتغى، كنا ننشئ مشهدا لمكونات وتشكلات الفضاء الحضاري والنويات المفهومية والايديولوجية والثقافية التي يتألف منها المشروع الحضاري المادي التاريخي الذي تمثله الحضارة الغربية منذ عصر الانوار، او ما يترمز به مصطلح «الغرب» ومفهومه في اغلب ادبيات الباحثين والمفكرين الغربيين، ومنهم من هو خارج حديثا من «بيضة» ذلك المشروع الحضاري، وانشاء ذلك المشهد مستدل، بنية وتحليلا، بما نعتبره «المنهج الحضاري القرآني» في النظر الى العالم والوجود والانسان وتشكلات وعيه بهما وبعلاقات البشر، وفي منظومات القيم وصيغ الحياة وانتظام المعيش وأمانه واستقراره وديمومته، وهو المنهج الذي اهتدى بمبادئه الامام الخميني «رض» في «مشروعه» الاحيائي الاستنهاضي للعالم الاسلامي وللمستضعفين في الارض، بدءا من التأسيس على الثقافة والافكار باعتبارها منشئة للسياسات والتصورات والسلوكيات والمواقف، مرورا باستدعاء الخبرة التاريخية واستنطاق دروسها والعبر، وصولا الى اجتراح الديناميات الآيلة الى تسييل الاعتقادات والافكار في نسيج الحياة وتحصين منظومات العيش وضبطها في اطار حلال الله وحرامه، توصلا الى الانخراط الشامل للمؤمنين في مدار المشروع الالهي والخطو في اتجاه تحقيق اهدافه ومقاصده.
بهذه المعاني والدلالات، يشكل هذا المشروع الالهي وعيا مقاوما واعتراضيا ويصنع ارادة معقمة ضد كل ما هو نقيض الفطرة الانسانية.. وهو - ذاتيا - تدفق ممانعة، في مواجهة المشروع الآخر/الوعي الآخر المتغلب، وايضا هو .. ، و من الطبيعي ان يكون في التكوين والمسارات رفضيا واصلاحيا وتحوليا بامتياز..
نموذج الانتصار بين الثورة الاسلامية والمقاومة..
لم يعرف العالم الاسلامي والعربي بعد طرد الصليبيين من ارض المشرق سوى انتصارين يشكلان تحولين استراتيجيين في تاريخ هذا العالم وفي التاريخ العلائقي بينه وبين العالم الغربي، ولا مبالغة في الأمر قط. فبلحاظ التداعيات التي اسفرت عن الانتصارين، و هي فائقة المفاعيل والارتدادات في المديين القريب والبعيد، يمكننا القول انهما احدثا احداثا لم تكن، اذ غيرت وجه العالم الاسلامي والعربي فكان قبلهما في حال، ثم اضحى بعدهما في حال اخرى.
الانتصار الاول يتجلى في تحقق الثورة الاسلامية في ايران، وهي اهم ثورة سياسية اسلامية في الازمنة الحديثة، ومنها «وبها» استعاد المشروع الحضاري الالهي حضوره في واجهة الاهتمامات الدولية بعدما لبث لقرون خلت حبيس التخلي والجهل والتجاهل بين اهله وعشيرته، معطلا في قدراته وقابلياته ودينامياته، فكان ان استفردت البشرية بمشروع حضاري آخر برأسين ايديولوجيين: رأسمالي وماركسي، سقط احدهما بعد الحرب الباردة فتسنم الثاني متفردا سدة التغلب والتسيد على العالم، لولا ان انبرى لمواجهته مؤخرا ذاك المشروع الالهي الذي أعاد «ترشيح نفسه» كخيار خلاصي وانقاذي للانسانية مما تتخبط فيه من اضطراب واهوال، وكَمشَكِّل وعي مغاير بمغزى الحياة والوجود وكناظر الى الانسان وعلاقات البشر وناظم لها في مدار اهدافه المرسومة في غير هذا العالم.
شكلت الثورة الاسلامية نموذجا حضاريا فريدا في فلسفتها، وفي فكرها وبرنامجها واجندتها السياسية، كما في حراكها و تكتيكاتها، وكما في قيادتها وفي جماهيرها وحجم الالتفاف الشعبي الكاسح حولها، حتى اثارت اعجاب العالم واحترامه «طبعا قبل ان تكتشف القوى المؤثرة في النظام الدولي مدى استقلاليتها فتبادرها بانواع المحاصرة و التشويه والابتزاز».
اما الانتصار الثاني فهو الذي ابدعته المقاومة الاسلامية في لبنان، وهي «الابن الشرعي» للثورة الايرانية.
وما هذا الانتصار الثاني سوى النموذج الحضاري الناجز التالي للثورة، وبعدما تجاوز مرحلة «الاختبار» الى مرحلة التحقق ب«فرضين»: فرض الانتصار وفرض الهزيمة على العدو وحلفائه.
وحقيقة الامر ان انتصار ا لمقاومة هذا هو ثلاثة انتصارات في آن: انتصار حضاري على الذات الجمعية والذاكرة الجمعية التاريخية للمسلمين والعرب، ربيبتي الهزائم والعجز وذل الخيارات التقليدية الكسيحة، وهو انتصار مجترح من بين ظهراني مجتمع سياسي لبناني بالغ التعقيد، ولعله المجتمع الاصعب في العالم نظرا لانقساماته المفتوحة والاستدخالات الخارجية في بناه الاجتماعية والدينية والسياسية.
اما الانتصار الثاني فهو انتصار بائن على العدو مقطوع بصحة وقوعه من خلال ظفرين مؤزرين:
اولهما اندحار الصهاينة وفرارهم «عام ۲۰۰۰» من معظم الاراضي اللبنانية المحتلة ثم خيبتهم الحاسمة عام ۲۰۰۶ التي حلا لبعض المحللين المتعاطفين مع اسرائيل في الغرب ان لا ينعتوها ب«الهزيمة» فاصطنعوا لها، مواربة، تسمية «الحرب العاثرة» ثم اقروا بان تسميتهم «قاسية في توصيف اية حرب».
واما انتصار المقاومة الثالث فهو «علامة مسجلة» باسم المشروع الحضاري الالهي الذي به آمنت حق الايمان، ومن صلبه تكونت، ومن رحمه استولدت، وبنموذج قيمة الثورة الاستنهاضية والاخلاقية استكنت، وبموجب شريعته تكلفت وتكفلت، وباليقين بصحة دعوته ورساليته قطعت، وبتسييل فرائضه ومبادئه وافكاره وتعاليمه في الخطاب والفعل، وفي الوعي والتقدير والاحتساب تشبثت، وبفتوى الامام ورعايته التزمت، وبعقلانية واستنارة ارادة المقاومة تمأسست ووفرت عوامل المعرفة والقوة والاعداد الواعي لأشق الحروب واصعبها في الازمنة الحديثة.
وعندنا أن الانتصارات الثلاثة المنوه بها هي انتصارات استراتيجية بامتياز، وتحول تاريخي في كل الاتجاهات، لانها تخوض في تأسيس البدائل الاستراتيجية الكبرى للعامل الاسلامي والعربي خاضت، وفي اعادة فتح باب الخيارات الاستقلالية والتحريرية والمصيرية شرعت، وفي اسقاط ثقافة المستحيل جاهدت وتجاهد - تماما كما خط الامام وقرر. وهي بالتالي مبشرة بتحقق المزيد من النماذج الاسلامية الاخرى الناجحة في المقاومة والممانعة، وعلى ارض المشروع الحضاري القرآني نفسه، وفي فضائه، وبأدواته الخلاقة، لا بصيغ التقليد او الاستنساخ المتطابق للاصل، وانما باستخدام القابليات الطائلة لذلك المشروع على التكيف والاستجابة المرنة لضرورات ومقتضيات كل زمان وكل مكان.
لقد كشف النموذج اللبناني لمقاومة المسلمين والعرب، بأصالته وصدقيته، عن حجم الامكانات الاعتقادية والفكرية والروحية الكبرى التي يوفرها اعتماد المشروع الالهي دليل مفض الى الاستقلال والحرية والتحرير والتفلت من كل التبعيات.
كانت تلك المقاومة، كما الثورة الاسلامية الايرانية في اواخر سبعينات القرن المنصرم، تحديا حضاريا بارزا تمكنت من خلال انتصارها بيان قدرتها على تجاوزها وعبور لججه حتى بات خلفها في المرحلة الحالية ليواجه تحديات حضارية اخرى ومن نمط مختلف في الداخل والخارج.
اما فيما يتعلق بهزيمة العدو الصهيوني ومن خلفه حلفاؤه الاقليميون والدوليون الكثر، فلا نحتاج الى تكرار ما امسى معروفا من كونها - هي ايضا - هزيمة مركبة تتجلى في ثلاث هزائم اساسية. فاذا كانت اسرائيل «جيشا انشأ دولة» فقد خلفت حرباها الاخيرتان على لبنان هزيمة لهذا الجيش، لا بالمعنى المادي فحسب، بل على مستوى عقيدته القتالية وثقافته العسكرية كما اصبح معلوما وثابتا على اي مستوى مكونات وعيه ومعنوياته كانسان وكمقاتل، عندما شطبت المقاومة بعض اهم المسلمات في هذا الوعي وتلك المعنويات.
ولا نحتاج الى التذكير ايضا بمكرور القول ان هاتين الحربين قد الحقتا ايضا هزيمة مشهودة في العقل السياسي الاسرائيلي لمحاولته الدائبة ابقاء المسلمين والعرب في المربع الاول لهزيمة ۱۹۶۷ ولسعيه الحثيث الى دفن ارادة الممانعة والمقاومة وتقويض اي ظاهرة يقظه ونهوض بين ظهرانيهم. اما هزيمة العدو الثالثة فهي في تلقي المشروع الحضاري المتغلب والاستعماري الذي يلوذ به والذي اقام كيانه ليبقى، ضربة استراتيجية جعلت مستقبل هذا الكيان على المحك وفي موقع التهديد الحقيقي، وذلك بعدما كشفت المقاومة الكثير من مكامن عجزه وضعفه التي يصعب ترميمها او اصلاحها بعدما اصابها من اضرار بنيوية. فليس حدثا مألوفا ابان الحربين كما بمجرد انتهائهما، ان يكثر قادة للعدو بارزون، وابان الحرب الثانية خاصة، ومن ترداد الكلام على «زوال اسرائيل»، او على اعتبار الحرب على لبنان «خيارا بين الحياة والموت».
لقد انتهجت المقاومة الاسلامية اللبنانية في مواجهة الاحتلال والعدوان الصهيونيين نهج الامام الخميني الذي استنطبه في ضوء استمداده استراتيجية النصر القرآنية، والالهي فيها حجر الرحى، فجاء النصر الهيا لانه من الالهي بدأ، وفي الالهي استدام واستقر. و«الالهية» مسار بين ثابتين من يسر مستقيما بينهما موعود بالانتهاء الى الفوز بإحدى الحسنيين. كيف لا؟.. وفي مفهوم النصر القرآني وبعده في المندرجات المعجمية العربية، ما لم يجعله احد في التاريخ قبله بعدا تكوينيا، اذ يستبطن مفهوم النصر في الوحي معنى اعانة المظلوم وامتناعه وانتصافه من ظالمه/ عدوه، واي ظلم اشد وطأة من الاحتلال الاستعماري والاستبداد؟!.. ثم.. اليس اول السياسة طلب الحرية والتمرد على الظلم والاستبداد والقهر، وكلها مستويات في النوع نفسه؟
* استاذ علم الاجتماع والعلاقات بين الحضارات في الجامعة اللبنانية
|