|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
نازك الملائكة في ذمة الخلود
فجعت الاوساط الادبية والثقافية بنبأ رحيل الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة عن عمر ناهز ال«۸۴» عاما بعد معاناة طويلة من الالم نتيجة اصابتها بمرض عضال حيث رقدت في احد مستشفيات القاهرة منذ زمن ليس بالقصير فرحم الله شاعرتنا المبدعة وادخلها فسيح جنانه والهم ذويها الصبر والسلوان.
نبذة قصيرة عن حياة الشاعرة الراحلة
ولدت الشاعرة نازك الملائكة في بغداد عام ۱۹۲۳م ، ونشأت في بيت علمٍ وأدب، في رعاية أمها الشاعرة سلمى عبد الرزاق أم نزار الملائكة وأبيها الأديب الباحث صادق الملائكة، فتربَّت على الدعة وهُيئتْ لها أسباب الثقافة. وما أن أكملتْ دراستها الثانوية حتى انتقلت إلى دار المعلمين العالية وتخرجت فيها عام ۱۹۴۴ بدرجة امتياز، ثم توجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية للاستزادة من معين اللغة الانكليزية وآدابها عام ۱۹۵۰ بالإضافة إلى آداب اللغة العربية التي أُجيزت فيها. عملت أستاذة مساعدة في كلية التربية في جامعة البصرة.
تجيد من اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية، بالإضافة إلى اللغة العربية، وتحمل شهادة الليسانس باللغة العربية من كلية التربية ببغداد، والماجستير في الأدب المقارن من جامعة وسكونس أميركا.
مثّلت العراق في مؤتمر الأدباء العرب المنعقد في بغداد عام .۱۹۶۵
آثارها: لها من الشعر المجموعات الشعرية التالية:
* عاشقة الليل صدر عام .۱۹۴۷
* شظايا ورماد صدر عام .۱۹۴۹
* قرارة الموجة صدر عام ۱۹۵۷ .
* شجرة القمر صدر عام .۱۹۶۵
مأساة الحياة وأغنية للإنسان صدر عام ۱۹۷۷
* للصلاة والثورة صدر عام ۱۹۷۸ .
* الأعمال الكاملة - مجلدان - «عدة طبعات».
ولها من الكتب:
* قضايا الشعر المعاصر.
* لتجزيئية في المجتمع العربي.
* الصومعة والشرفة الحمراء.
* سيكولوجية الشعر.
كتبت عنها دراسات عديدة ورسائل جامعية متعددة في الكثير من الجامعات العربية والغربية.
نشرت ديوانها الأول «عاشقة الليل» في عام ،۱۹۴۷ وكانت تسود قصائده مسحة من الحزن العميق فكيفما اتجهنا في ديوان عاشقة الليل لا نقع إلا على مأتم، ولا نسمع إلا أنيناً وبكاءً، وأحياناً تفجعاً وعويلاً وهذا القول لمارون عبود.
ثم نشرت ديوانها الثاني شظايا ورماد في عام ،۱۹۴۹ وثارت حوله ضجة عارمة حسب قولها في قضايا الشعر المعاصر، وتنافست بعد ذلك مع بدر شاكر السياب حول أسبقية كتابة الشعر الحر، وادعى كل منهما انه اسبق من صاحبه، وانه أول من كتب الشعر الحر ونجد نازك تقول في كتابها قضايا الشعر المعاصر كانت بداية حركة الشعر الحر سنة ،۱۹۴۷ ومن العراق، بل من بغداد نفسها، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله وكادت، بسبب تطرف الذين استجابوا لها، تجرف أساليب شعرنا العربي الأخرى جميعاً، وكانت أول قصيدة حرة الوزن تُنشر قصيدتي المعنونة «الكوليرا» وهي من الوزن المتدارك «الخبب». ويبدو أنها كانت متحمسة في قرارها هذا ثم لم تلبث أن استدركت بعض ما وقعت فيه من أخطاء في مقدمة الطبعة الخامسة من كتابها المذكور فقالت: عام ۱۹۶۲ صدر كتابي هذا، وفيه حكمتُ أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي، ولم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن هناك شعراً حراً قد نظم في العالم العربي قبل سنة ۱۹۴۷ سنة نظمي لقصيدة «الكوليرا» ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ سنة ،۱۹۳۲ وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين لأنني لم أقرأ بعد تلك القصائد في مصادرها.
الرائدة العراقية التي حطّمت فحولة الشعر
الشاعرة التي انطفأت عن ۸۴ عاماً، سبقها اسمها إلى كتب التاريخ. إنجازاتها هي والسياب والبياتي والحيدري، فتحت الطريق أمام مغامرة الشعر العربي الحديث التي أفضت إلى أقاليم لا تتخيّل وجودها! تحيّة أخيرة إلى رائدة «الشعر الحر»، وملهمة العصر الذهبي للمدرسة العراقيّة.
النخبة العراقيّة طرحت الصوت، قبل أسبوعين: لا تنسوا نازك الملائكة! تباً لقد نسيناها حقاً، كانت غائبة إلى حدّ، منزوية وصامتة، غارقة في مرض بلا قرار، حتى خالها كثيرون تقيم في الكتب والذاكرة الشعرية. نشر الاعلام بياناً يدعو الحكومة العراقية إلى تحمّل مسؤوليتها، و«تبنّي علاج ابنة العراق البارة، ورعايتها الرعاية التي تستحقها كواحدة من أعظم أدباء العراق الحديث»...
لم تعد تنفع النداءات. «عاشقة الليل» ستمضي بأمان إلى موت طالما هجست به في شعرها. لقد تعبت من المرض، من ذلك الوجع الغامض الذي يسكنها، كما سكن قبلها مي زيادة وفيرجينيا وولف. آن لها أن تلتحق بشعرها، بتاريخها، بحقبتها المجيدة التي سبقتها إلى تاريخ الأدب الحديث. انطفأت رسولة «الشعر الحر» في القاهرة يوم الاربعاء، حيث تعيش منذ زمن. فخسر الشعر الحديث آخر الشهود على تلك الحقبة الذهبية، في بغداد المنعطفات الحاسمة.
ماتت نازك الملائكة «۱۹۲۳ - ۲۰۰۷». آخر ضلوع المربّع الذهبي الذي شق طريق الحداثة الشعرية، أغمضت عينيها، مثل أقرانها، بعيداً عن بغداد: بدر شاكر السياب مات في الكويت «۱۹۶۴»، بلند الحيدري في لندن «۱۹۹۶»، وعبد الوهاب البياتي في دمشق «۱۹۹۹»... مثل الجواهري ويوسف الصائغ. غريب أمرهم هؤلاء العراقيون، في علاقتهم بالشعر والوطن والذاكرة والمنافي.
حول ذلك المربّع العتيد انتظمت القصيدة الحديثة التي منها تناسلت تجارب ومدارس واتجاهات. غير مجدية خناقات الريادة: «كوليرا» نازك أم «هل كان حبّا» للسياب؟ كلتا القصيدتين كتبت عام ،۱۹۴۷ صحيح. لكن باكورة الحيدري «خفقة الطين» صدرت عام .۱۹۴۶.. والتجارب التي سبقت هؤلاء عديدة خارج العراق، من علي أحمد باكثير إلى لويس عوض صاحب «بلوتولاند» في قاهرة الثلاثينات. الملائكة نفسها اعترفت بذلك لاحقاً. ثم من قال إن الأسبقية الزمنية هي المعيار؟ مع الملائكة وصحبها صار للقصيدة الجديدة وجودها وشرعيتها. صارت قضيّة، رافقها خطاب نظري متماسك. وكان الجمهور جاهزاً لاستقبالها خلال بحثه عن أفق حريّته، وتحولات زمنه.
الحكاية تبدأ ذات ليلة من ،۱۹۲۳ في بيت بغداد عريق، والقمر في المحاق. في مفكرته كتب صادق الملائكة، أستاذ النحو «والكاتب لاحقا» وذواقة الشعر: «۳۰ من ذي الحجة ،۱۳۴۱ قبيل منتصف الليل بخمس دقائق، ولدت ابنتي نازك». كان الأب في الثامنة والعشرين، أي ضعف عمر زوجته التي ستنشر لاحقاً نصوصها في الصحافة تحت اسم أم نزار الملائكة. كُتب كثيراً عن البيت الذي احتضن البدايات. هنا ستجمع نازك أفراد العائلة، بعدها بأربع وعشرين سنة، وكانت ترتاد اسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس واريستوفان في معهد التمثيل، وتدرس العود على يد محيي الدين حيدر في معهد الفنون الجميلة. جمعت الأب والأم والأخت إحسان «شاعرة أيضا»، والأخ نزار «شاعر طبعا»، عام صدور ديوانها الأول «عاشقة الليل»، لتقرأ عليهم قصيدة كتبتها متأثرة بالوباء الفظيع في مصر. «هذه مشكلة جديدة، من مشاكل ديواني المنحوس»، قالت: ديوانها المنحوس هو «شظايا ورماد» الذي سيصدر بعدها بعامين. شرعت تقرأ: «سكن الليل- اصغ، إلى وقع صدى الأنّات- في عمق الظلمة، تحت الصمت، على الاموات...». وكانت «الكوليرا». أول قصيدة تخطها يراعة نازك، في سياق «الشعر الحر» كما سمّته بنفسها كمن يعتذر من سدنة المعبد. أقل ما يقال إنها لم تحقق الإجماع العائلي: «ما هذا الشعر الجنوني؟ أين الوزن؟ أين القافية؟» سأل الوالد منتهراً.
الديوان الذي نشرت فيه القصيدة، تضمّن مقدمة نظريّة تجيب عن أسئلة الوالد الساخطة: «ما زلنا نلهث في قصائدنا ونجر عواطفنا المقيّدة، بسلاسل الأوزان القديمة، وقرقعة الألفاظ الميتة، وسدى يحاول أفراد منّا أن يخالفوا، فإذّاك يتصدّى لهم ألف غيور على اللغة، وألف حريص على التقاليد الشعريّة التي ابتكرها واحد قديم أدرك ما يناسب زمانه». إنه بيان الحداثة الأولى إذا جاز التعبير، إعلان حساسية أخرى تبحث عن أشكالها وقوالبها. بدت الشاعرة مشغولة بالأطر النظرية لتجربتها، فيما انصرف السياب والبياتي والحيدري الى ممارسة أقرب الى العفويّة.
|
|
|
|
|
توماس برنهارد يروي سيرته وهو يصارع الموت
بين «تل حديقة الأشجار» و«الفناء الحجري» مسافة خطوات تتعثر بين أشباح الموت الرئوي وتداعي العقول الى حافات الجنون. وهي ذاتها المسافة التي تفصل بين المؤلف-الراوي توماس برنهارد وشخصية الرواية- السيرة صديقه باول فيتغنشتاين ابن أخ الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين الذي اصيب بجنونٍ مزعومٍ ختم به حياته وحيداً في شقةٍ ليست أقل منه جنوناً في فوضى محتوياتها.
«عندما تفكر بالموت يبدو كل شيء مدعاة للضحك» هذا ما قاله توماس برنهارد يوم هيمن المرض على أفكاره وغدا عاجزاً أمام سلطته القاهرة التي اشعرته بهشاشة الوجود الإنساني وعبثيته.
ومن هناك، من بيئته الأولى حيث وجوب الصمت أمام منولوجات شاكية لجحد حمّل العائلة مسؤولية فشله ككاتب، فصار مستبداً ولاعناً لكل شيءٍ حوله.
وحيث هناك ايضاً رفيقة دربه «هدفيغ شتافيانشك» أو «إنسان حياتي» كما كان يدعوها، تلك المرأة التي تعرف عليها وهي في الخمسين بينما لم يكن هو قد بلغ العشرين. فكانت له رفيقة درب وأماً رؤوماً. وعندما توفيت في التسعين لم ينتظر طويلاً للحاق بها.
تنقل توماس برنهارد بين الصحافة، الشعر، الرواية، المسرحية والموسيقى، كما لو أنه أراد أن يعاند الموت القريب بالتشبث القوي بتنويعات الجمال والفن، ولكن ظلال الموت في صدره وفي «تل حديقة الأشجار» أصرت هي الأخرى على ترك بصماتها السود على صفحاته الغارقة بأجواء الكآبة والبرودة، وعلى شخصياته المتداعية حد الانهيار والجنون.
وما روايته - السيرة «الصداقة» إلا دليل على قوة تلك الظلال، وتمركزها في أغوار نفسه، ظلال غلّفت علاقة الصداقة بالغرابة والفرادة، وجعلتها تنتهك المألوف بعزلاتها الباردة، وتصنّع في مناخاتها الشاذة أحكاماً متطرفة ضد عوالم لا تكف عن الضغط والقسوة . ففي «تل حديقة الاشجار» وفي «الفناء الحجري» حكايات لا تنتهي عن المرض والخوف والتوجس من إقتراب الموت، ومشاعر أخرى كثيرة ماعدا الشعور ببصيص الأمل، الذي يتلاشى مع من يموتون هناك، دون أن يلفتوا الأنظار، بلا صرخة أو استغاثة.
لكن، وسط أجواء الفجيعة الجسدية والعقلية هذه، يبقى للصداقة الحظ الأوفر في تفكير توماس برنهارد، الذي كان مريضاً حتى الموت، وهو يتحرق شوقاً لزيارة صديقه باول في مبنى على بعد خطوات منه، لكنها خطوات مقيدة بالإنهاك الشديد، خطوات لم تسعف قلبه في تحقيق مناه. لكن صديقتهما المشتركة «إرينا» حققت له ذلك، وهي تتنقل بينهما على أسرة المرض، مثلما جمعتهما يوماً في شقتها الواقعة في شارع «بلوفشتوك» في أول تعارف لهما، تحت أنغام الموسيقى الساحرة التي أمدتهما بطاقة روحية هائلة للتجاذب ومواصلة اللقاء. وقد انعدم شعور برنهارد بالوحدة حالما علم بأن صديقه باول يرقد في مبنى قريب منه كما كان ل«إنسان حياتي» التي لم تتخل عنه في أحلك الظروف، دور كبير في التخفيف من تلك الوحدة، إذ كانت تجلب إليه «جبالاً من الكتب والصحف» في عز القيظ، رغم إنها تجاوزت السبعين.
كان الصديقان معزولين ومنسيين، على جبل «فيلهلمينة» من عالم اشتركا يوماً في تشكيل مشهده الجمالي بقوة أحاسيسهما المرهفة، وصقل يومياته بفضاءات الموسيقى التي ظلا مندهشين ومفتونين بسحرها الأخاذ. كانا منسيين إلا من أطباء تميزوا بالقسوة والتشخيص الخاطئ لحالة باول، حيث كانوا يضعونه في قفصٍ مسيج بالقضبان الحديدية ويظل هناك حتى تنكسر إرادته وينهار تماماً. وقد تركت تلك التجربة تأثيراً صاعقاً على تفكير برنهارد «إن الأطباء النفسيين شياطين هذا العصر الحقيقيون» بحسب رأيه. ويستدعي برنهارد الى الذاكرة طبيعة علاقته مع باول، وكيف بالغ الاثنان في تقدير ذاتيهما والعالم بلا مبالاة مرضية، متجاوزين قدراتهما فيما كانا يفكران به،مما وضعهما معاً في مصحات المرضى على جبل فيلهلمينة . لقد كانا مندفعين نحو جنونهما حتى الموت، ولا يكفان عن ممارسة الجموح والعناد ضد ذاتيهما وضد العالم حتى أطيح بهما في عزلات جنون مروعة، لم يستطع باول التحكم بها فالتهمته. أما برنهارد فقد استطاع السيطرة عليها بشكل أبقى لنفسه مسافة فاصلة كيلا تنقض عليه وتفترسه مثلما حصل لصديقه.
ويشير في هذا الصدد الى أن ما يسبب الجنون هو التخلف عن تفريغ «الثروة الفكرية» المجتمعة وإلقائها خارج نافذة الرأس. وهذا ما جعل رأس نيتشه ينفجر مثلما هو حال كل تلك الرؤوس الفلسفية المجنونة. فبالرغم من تشابه الصديقين في الكثير من الأشياء إلا إنهما مختلفان الى أقصى حد عن بعضهما الآخر. فباول، مثلاً يهتم بأمر الفقراء ويرق قلبه لهم. ولكن برنهارد يهتم بأمرهم ايضاً ولكن قلبه لا يرق لهم.
ويذكر لذلك مشهد الطفل على شاطئ بحيرة تراون حيث ينفجر باول لمرآه باكياً، ويعطيه نقوداً، في الوقت الذي يفهم برنهارد اللعبة بمرأى الأم المستغلة لطفلها، وهي تقبع خلف الشجيرات تعد رزمة أوراق مالية بشكل مقزز. لقد أفلس باول - وهو سليل عائلة فيتغنشتاين الثرية، بسبب إنفاقه المفرط على ما يبدو انهم بائسون ومحتاجون. وهو إنما يقوم بذلك إعتقاداً منه بالمساهمة في إنقاذ «الشعب الطاهر». لقد بدد كل ثرواته متمرداً على تقاليد عائلة ظلت لقرون طويلة تنتج الأسلحة والآلات. وكانت طفرتها اللامألوفة أن تنتج، في النهاية لودفيغ فيتغنشتاين وابن شقيقه باول.
الأول إتخذ من الفلسفة أساساً لشهرته، والثاني إختار الجنون. ولم يكن أقل من الفيلسوف شهرة. وتميز الاثنان بالتمرد على تقاليد آل فيتغنشتاين ونهجهم في جمع المال والاحتفاظ بالأملاك.
وظل رأس باول المتفجر جنوناً هو الأفضل، بالنسبة لبرنهارد، من الرؤوس الأخرى التي تشبه «حبات بطاطا منتفخة». إن صاحب هذا الرأس، المريض مرض الموت، يتحمل الوقوف ست ساعات متصلة لمشاهدة أوبرا، والصراخ أو الاستهجان بأعلى صوته لعدم إتمام العرض.
وفي ضوء صراخه واستهجانه يتحدد نجاح أو فشل العرض. لكن أطباء «الفناء الحجري» أصروا على إلباسه قميص المجانين، وحولوا حياته الى أوبرا بنهاية مأساوية. وقدموا له الطعام بأوعية الصفيح بعد أن كان يتناول عشاءه الفاخر في فندق «زخر» أو «إمبريال» الشهيرين. وما كانوا يطلقون سراحه من المصح إلا بعد أن يذوي ويخمد ما بداخله ويصبح عاجزاً عن رفع رأسه أو صوته. وغالباً ما كان باول، في لحظاته الحرجة، يسرع الى من يصادفه من الأصدقاء ليعانقه وينفجر شاكياً. وهذا ما يجعل برنهارد محرجاً ومستاءً «كنت أحبه، لكنني لم أرد أن يعانقني. وكنت أكره أن ينفجر شاكياً على صدري وهو في التاسعة والخمسين أو الستين من العمر». وفي كل مرة يطلق سراحه من المصح في «الفناء الحجري» يعود الى بيت ريفي عتيق من أملاك آل فيغنشتاين بني قبل قرنين.
وهناك يستعيد قواه المنهارة وحيداً أو بصحبة برنهارد، ويقضيان الوقت بسماع الموسيقى دون كلمة واحدة. وظل برنهارد يكن لباول أعمق مشاعر الصداقة، وغدا قريباً الى قلبه لا يستطيع تحمل أو تخيل فقدانه «كان الوحيد الذي أجد معه موضوعاً مشتركاً ينمو معنا أثناء الحديث، وبغض النظر عن طبيعة الموضوع، حتى ولو كان من اصعب الموضوعات». ثم ان باول، بالرغم من ظروف مرضه، كان يأخذ سيارة أجرة من فيينا الى ناتال، حيث يقيم برنهارد، ويقطع مسافة ۴۲۰ كم ذهاباً واياباً ليقول له «فقط كي اراك» ثم يعود ثانية الى فيينا.
وقد تميز الصديقان بالتشابه في حبهما للتنقل والحركة، وللرحلة التي لا تتوقف في مكان ما، اي السفر من أجل مغادرة المكان وعدم الوصول الى اي مكان.
وهذا ما كان يوفره الجلوس في السيارة بين مكان المغادرة ومكان الوصول، أو كما يقول برنهارد: «أنا أتعس إنسان يمكن تخيله عند وصولي الى مكان ما، الى أي مكان اصل». ولكن تدهور حالة باول المرضية جعلته أسير شقة صغيرة لا تقوى خطواته على مغادرتها حتى الى شارع قريب، كما انها باعدت بين الصديقين، وتجنب برنهارد، في تلك الفترة، زيارة صديقة باول لخشيته من الموت المتربص بظلاله الحالكة بجسد صديقه الواهن، الذي تحول الى قطعة من العذاب «لم أعد أزوره لخوفي من مواجهة الموت وجهاً لوجه» لقد كان برنهارد شاهداً على اثني عشر عاماً من الاحتضار، لكنه لم يستطع الوفاء لوصية صديقه باول: «مئتا صديق سيسيرون في جنازتي، ولا بد أن تلقي أنت على قبري كلمة تأبيني».
لم يشارك في جنازته سوى ثمانية أو تسعة اشخاص، أما برنهارد فقد كان في مكان آخر يؤلف مسرحية، مزقها في الختام، كما لو أنه اراد لها أن تكون شبيهة بنهاية قصة صداقتهما، التي بذل الكثير من الجهد من أجل استعادتها وتجديدها، لكن ظلال الموت كانت الأقوى في سهولة استعادتها وتدميرها، بشكل فيه الكثير من اللامبالاة والعبث. وابتلع سكون القبر هذا الرجل العنيد الذي قضى نصف حياته الأولى مهووساً بسباق السيارات ونصفه الآخر مجنوناً بالموسيقى... وبالجنون نفسه.
كاظم الواسطي
|
|
|
|
|
نازك الملائكة رابعة شعراء المنفى!
رحل كوكب ادبي آخر من سماء الادب العربي برحيل الشاعرة العراقية الرائدة «نازك الملائكة» التي التحقت بالرفيق الاعلى قبل يومين في احد مستشفيات العاصمة المصرية «القاهرة» بعد رحلة طويلة من المرض والألم وحرقة الابتعاد عن الوطن.. وبذلك تكون نازك الملائكة رابع شاعر عراقي كبير يموت ويدفن في الغربة بعد الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري وبلند الحيدري وعبدالوهاب البياتي حيث توزعت قبورهم على خارطة الوطن العربي جراء سياسة القمع للنظام الصدامي البائد الذي سعى بكل ما أوتي من قوة لطمس الهوية والرمز الثقافي العراقي.. فمن يخالف خط النظام فله احدى الحسنيين «الاعدام» او «المنفى»!
وتعد الشاعرة نازك الملائكة رائدة القصيدة الحديثة او قصيدة النثر مشاركة مع شاعرنا الكبير بدر شاكر السياب.. حيث كانت اول قصيدة لها تنتمي الى القصيدة الحديثة هي «الكوليرا» التي كتبتها عام «۱۹۴۷» بعدها جاء كتابها «شظايا ورماد» الذي أثار ضجة كبيرة ولانها فتحت بابا جديدة في قضايا الشعر المعاصر.. وشهدت هذه المرحلة تنافسا وخلافا حادا بين نازك والسياب حول ريادة القصيدة الحديثة.. المهم ان الاثنين ساهما وبشكل فاعل في ترسيخ اسلوب القصيدة النثرية.. ونازك ليست شاعرة مبدعة فحسب بل انها ناقدة ادبية بارعة.. فآثارها النقدية: «قضايا الشعر المعاصر»، «الصومعة، والشرفة الحمراء» و«سيكولوجية الشعر» تدل على تميزها في النقد الذي جاء بأسلوبين «نقد النقاد».. و«نقد الشعراء».. وتنعى الشاعرة الكبيرة نفسها في احد ابياتها اذ تقول:
اي معنى لطموحي ورجائي
شهد الموت بضعفي البشري
مثلي العليا وحلمي وسمائي
كلها اوهام قلب شاعري
رحم الله شاعرتنا الرائدة نازك الملائكة وادخلها فسيح جنانه.. وانا لله وانا اليه راجعون
|
|
|
|
|
مكتبة الاسكندرية تحتضن مؤتمرها الدولي الرابع للتراث الاسلامي
من يقلب تلك الصفحات الصفراء المتآكلة بفعل الزمن يقرأ فيما بين سطورها مجداً حضارياً كان ذات يوم ملء السمع والابصار، انها الحضارة العربية الاسلامية التي لم يبق منها اليوم سوى اغلفة مركونة على رف مكتبة او ضمن مكعب زجاجي في متحف.. فهل هذه «المخطوطات» تعكس حالة الذكرى فقط ام ان فيها دروساً وعبراً مازالت قابلة للحياة والتجدد؟
مكتبة الاسكندرية في مصر سوف تحتضن نهاية الشهر الجاري المؤتمر الدولي الرابع للمخطوطات تحت عنوان «المخطوطات المترجمة» بمشاركة نحو ۵۰ باحثاً ومتخصصاً من العرب والاجانب في محاولة للاجابة عن بعض هذه الاسئلة المشار اليها آنفا.
يقول يوسف زيدان مدير مركز ومتحف المخطوطات بالمكتبة: ان المؤتمر يهدف الى الكشف عن جوانب مجهولة ومهجورة من التراث العربي الاسلامي، ويبحث دور حركة الترجمة في حماية التراث، ويضيف: ان المؤتمر الذي يستمر اربعة ايام سيناقش دور الترجمة في التفاعل الحضاري حيث كانت الترجمات دائما المعبر الرئيسي للتلاقي الحضاري بين الثقافات التي تعاصرت او تتابعت، ويؤكد زيدان ان المشاركين سيتدارسون اسباب حدوث الترجمة بين لغات بعينها وغيابها عن اخرى واسباب ازدهارها في ازمنة وانحسارها في غيرها مشيراً الى ان المؤتمرين سيناقشون ظهور الحركات الكبرى للترجمة وخصوصا ترجمة مجتمعات ناشئة لتراث مندثر كما فعل المسلمون العرب مع تراث الهند القديمة في كتاب «شاناق في السموم» ومع الفارسية في كتاب «كليلة ودمنة» ومع اليونانية في ما يتعلق بالفلك والرياضيات والطب والفلسفة.
ويجدر بالذكر ان مركز المخطوطات بمكتبة الاسكندرية كان قد نظم عام ۲۰۰۴ المؤتمر الاول للمخطوطات بعنوان «المخطوطات الالفية» والتي مضى على نسخها الف عام وتمثل قديمة اثرية او نسخها آخرون واقرها المؤلفون، اما المؤتمر الثالث فعقد عام ۲۰۰۶ تحت عنوان «المخطوطات الشارحة».
المخطوطات.. هذا العام الورقي المنسي، من الممتع السفر عبره الى الماضي، ولكن هل هو مفيد ايضاً لابناء الحاضر خصوصاً وان العلم لا زمان ولا مكان محدد له؟
|
|
|
|
|
بين الأدب والسياسة
قد يخال للمرء ان الساسة يدبرون امور البلاد مستعينين بالسياسة ولا غير، وان السياسي الحاذق هو من تفقه ووصل الى مرتبة عليا في علم السياسة، ولم يدر ان الساسة وحتى يلجوا الى قلوب الرعية العامة منهم والخاصة لابد لهم من ادوات ووسائل تساعدهم على الوصول الى بغيتهم من اقتحام للعقول والألباب ودرء العدو وكسب المزيد من الأحباب وحتى تقوى شوكتهم لابد لهم من سلاح، وسلاحهم في ذلك القلم والادب، وكم من ملك دام ملكه وسلطانه لاستعانته بالشعراء والادباء في ايصال اهدافهم الى العامة والخاصة وإلباس مآربه لباس النبل والعفة. فلولا الشعراء وأدبهم لقبع الساسة في بيوت الرئاسة قاعدين على جمرة وغير قادرين على الوصول الى ثمرة. وما من رئيس نجح وفلح في الوصول الى قصرالرئاسة الا وكان من ورائه اديب بليغ فصيح. فعن طريقهم يستطيع الشخص استقطاب المزيد من الناس وعزل الفضة من النحاس، وجذب الكرام وابعاد اللئام. وكم من رئيس ظالم لم تقتلعه قوة السلاح بل اقتلعه قوم وعوا دورهم وفطنوا الى ما وصل اليه حالهم من بؤس وشقاء. فأقبلوا عازمين على اجتثاث ذلك الظالم لما فيه منفعة ومصلحة للناس الجاهل منهم والعالم. وهم في ذلك ايضاً بالادب وسلاحه مستعينين، ولأهمية الادب كغذاء لروح كادت ان تذبل وتستسلم لظلم الظالم. وتعلم مليا ان هناك نوعين من الادباء نوع تاجر بأدبه لكسب المزيد من الجاه والمال. فسارع في تطويع قلمه وادبه لخدمتهم واظهار مساوئهم مظهر الحسن والجمال. فكان في ذلك من الخائبين. ونوع آخر رأى بامكانه انقاذ قومه من وحل الظلم والظلام. فشمر سواعده من اجل ان يخلد اسمه في قائمة من كان للمظلوم ناصرا وقد كان في ذلك من الفائزين.
هيثم الطيب عبدالرحيم
|
|
|
|