|
الخسن والخسين ثلاثتهم بنات مغاوية!
اولا ادخل صلب الموضوع لاقول ان «الدورة الدموية» العربية والاسلامية تنزف بشدة منقطعة النظير من العراق الى فلسطين الى لبنان الى افغانستان فيما ارباب السلطة في بلادنا من كل لون او فئة او طائفة او مذهب او مدرسة سياسية يتغنون «بالشرعية»! التي يتمتعون بها وانجازاتها على الصعيد السياسي وينظرون لها بكل اللغات والابعاد الا بعد الناس او الانسان الذي يفترض ان السلطة من اجله تقوم!
ففي العراق هنالك نزف يومي لكل الوان الطيف البشري فيما الطبقة السياسية لا تناقش الا موضوعة من هو مع الحكومة «الشرعية» او ضدها حتى تعطيه الثواب او العقاب الذي يستحقه! باعتبار ان الحكومة جاءت بالانتخابات ولا تذهب الا بالانتخابات! هذا في حين ان «الغلابة» وهم عامة الناس يعانقون الموت يوميا بحثا عن كسرة خبز حلال والتأكد من العودة سالمين هم واهليهم الى مساكنهم مع نهاية كل نهار! وسحابة الاحتلال الثقيلة وافرازاتها من فرق الموت المتعددة الهوى والهوية لا تنفك من اسدال ستارتها اليومية على عاصمة الرشيد الا باضفاء «الشرعية» على ازهاق ارواح ما معدله ۵۰ جثة مجهولة الهوية!
وفي فلسطين ورغم اختلاف الظروف والحيثيات الا ان حال «الغلابة» من الناس وهم الاكثرية لا يختلف كثيرا عن العراق، بعدما اصبح العقلاء من الطبقة السياسية يطلقون صفة «الجيفة» على مقولة «السلطة» في ظل حالة التناحر والاقتنال بين الاخوة على خريطة توزيع للسلطات وضعها الاحتلال ومع ذلك لا تنفك الغالبية الساحقة من الطبقة السياسية تجادل على حقوقها «الشرعية» الانتخابية او الدستورية!
وفي افغانستان ليس الحال باحسن مما هو عليه في العراق او فلسطين، اذا لم يكن اسوأ بكثير باعتبار المعايير هناك مقلوبة كلها ولا احد من العقلاء يمكن ان يتفهم اصلا سر بقاء هذا «الكاراكوز الانتخابي» الذي اسمه «حكومة كارازاي» والذي صار مضرب المثل لكل تنصيب احتلالي محتمل في مكان جديد في العالم! الا عندما نتذكر ذلك التناحر وما سماه البعض في حينه ب«اقتتال الدمار الشامل للاخوة المجاهدين»! وكيف اخرج من بطنه المرحلة الطالبانية ومن ثم فيما بعد تداعياتها التراجيدية الاحتلالية «الشرعية» الراهنة!
الامر نفسه يكاد يتكرر في لبنان في كل لحظة بل انه يحضر له في كل ساعة وحين، فيما الطبقة السياسية منهمكة في نقاش «دستوري ميثاقي شرعي» اصبح اكثر من عقيم في ظل الاحداث التي ليس فقط تجاوزته بل اخشى ما اخشاه انها تجاوزت لبنان الوطن الذي كنا حتى الامس القريب نتغنى به بانه لوحة بديعة للتسامح والتعددية والحوار والعيش المشترك مع الآخر!
لست هنا منقلبا على احد ولا منقضا على «شرعية» احد ولا متطاولا على قامة احد اي احد! ولا مطالبا احد بالتخلي عن اي من المبادئ الثورية والعقلانية التي يؤمن بها والتي اعتقد ان بالامكان الجمع بينهما بشكل متواز وخلاق لكنني بدأت اضيق بهذا النقاش بل هذه الهرطقة القاتلة حول موضوعات السيادة والاستقلال والحرية و«الشرعية» الدستورية او الديمقراطية او الانتخابية او البرلمانية وكل ما يشبهها من مقولات خداعة وكاذبة ومضللة للناس الغلابة مهما بدت براقة أو ممتعة او مربحة او «ربيحة» بنظر الطبقة السياسية العائمة على طوفان استعمار جديد هو من نوع «الاستحمار» الذي كان يتحدث عنه المفكر الايراني الشهير المرحوم علي شريعتي والتي تصادف هذه الايام ذكرى وفاته الثلاثينية. وما دمنا قد ذكرنا ايران فثمة هناك من مثل ايراني شهير قد يبين الحالة «الغلط» التي نعيشها برايي وهو عندما يقول المعلم لتلميذه: «ضع خطا تحت الكلمة» «الغلط» في الجملة التالية: «الخسن والخسين ثلاثتهم بنات مغاوية»!
فهل ثمة من امر من امور بلادنا يسير على ما يرام او في اطار المعقول او القواعد العقلانية المتبعة والمعروفة في العالم؟ فكل شيء عندنا اصبح مستباحا حتى الكلمات والحروف ناهيك عن الانسان! وكأن الدنيا صارت تسير في بلادنا بالمقلوب! والهرم وضع على غير قاعدته!
ففي العراق مسموح لكل الدول الاجنبية البعيدة التدخل في شؤونه بل التحكم فيها حتى النخاع وبكافة اشكال التدخل التي تخطر على البال او لا تخطر فيما ممنوع على الدول العربية والاسلامية ودول الجوار على الاخص من ابداء القلق فيما يحصل له لانها سرعان ما توضع تصريحاتها في «شبكة الكلمات المتقاطعة الطائفية او المذهبية او العرقية او ما شابه بينما الكل يعرف من هو السبب الحقيقي وراء هذه الشبكة الكارثية المتقاطعة وتراه اما غير قادر على النطق بالحقيقة او غير مسموح له بذلك! وشلال الدم العراقي لا يتوقف عن الانسياب وكأن بلاد الرافدين باتت في كوكب آخر او بتنا نحن من كوكب آخر»!
وفي افغانستان التي كان يوما اسمها نورستان كما ورد في التاريخ القديم فقد اصبحت كما يقول الغلابة من اهلها ولاية من ولايات «كفرستان» بعد ان عاثت بها القوات الاحتلالية الاجنبية فسادا ولم يرحموها حتى بالافتخار الذي سبق لها ان سجلته في مجال مكافحة المخدرات وهي من بعض مزايا حكم «المجاهدين» النادرة فأبوا الا ان يعيدوها الى سابق عهدها لتصبح مزرعة للافيون والسم الزعاف من سائر المخدرات وتحت اعين ورعاية واشراف ما يسمى بالمجتمع الدولي الحر!
واما في فلسطين فحدث ولا حرج لا سيما بعد وقائع اقتتال الاخوة الاعداء المشؤومة والتي وان كنا ندينها جميعا من حيث المبدأ الا ان رد الفعل المشبوه بنظر البعض والملغوم بنظر البعض الآخر لكنه الاسرع من الصوت في ادانة طرف والثناء على الطرف الآخر جعل كل المقاييس والمعايير التي سمعناها من الغرب والمجتمع الدولي عن الحيادية والموضوعية والعقلانية وغيرها الكثير تصبح في مهب الريح بل نقرأها «بالشقلوب» كما يقولون عندنا بالعامية.
وليس الوضع في لبنان باحسن مما ذكرنا من امثلة على الاطلاق. ولا التعامل مع الملف النووي الايراني المتهمة صاحبته بالظن والتخمين واحيانا باللغط المقصود حول ميول احتمالية للتسلح! مقابل التجاوز الوقح والفظ والمستنكر عن اعتراف الدولة الاسرائيلية بحيازة قنابل نووية «عينك عينك» كما يقول المثل باحسن حال من حالات العيش «بالشقلوب»! في هذا العالم الدموي الغريب الاطوار والمدعي كثيراً لكنه الظالم لاكثرية سكان الكرة الارضية بحكم الغلبة للقوة النارية والخديعة اللغوية البهلوانية!
|