السنة العاشرة - العدد۲۸۱۷ - الاحد۹جمادى الثانى ۱۴۲۸ -۲۴/۰۶/۲۰۰۷
قضايا و آراء
Ara.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
ثقافة
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
استراحة
اقتصاد
رياضة
منوعات
الأرشيف
RSS
الخسن والخسين ثلاثتهم بنات مغاوية!
اولا ادخل صلب الموضوع لاقول ان «الدورة الدموية» العربية والاسلامية تنزف بشدة منقطعة النظير من العراق الى فلسطين الى لبنان الى افغانستان فيما ارباب السلطة في بلادنا من كل لون او فئة او طائفة او مذهب او مدرسة سياسية يتغنون «بالشرعية»! التي يتمتعون بها وانجازاتها على الصعيد السياسي وينظرون لها بكل اللغات والابعاد الا بعد الناس او الانسان الذي يفترض ان السلطة من اجله تقوم!
ففي العراق هنالك نزف يومي لكل الوان الطيف البشري فيما الطبقة السياسية لا تناقش الا موضوعة من هو مع الحكومة «الشرعية» او ضدها حتى تعطيه الثواب او العقاب الذي يستحقه! باعتبار ان الحكومة جاءت بالانتخابات ولا تذهب الا بالانتخابات! هذا في حين ان «الغلابة» وهم عامة الناس يعانقون الموت يوميا بحثا عن كسرة خبز حلال والتأكد من العودة سالمين هم واهليهم الى مساكنهم مع نهاية كل نهار! وسحابة الاحتلال الثقيلة وافرازاتها من فرق الموت المتعددة الهوى والهوية لا تنفك من اسدال ستارتها اليومية على عاصمة الرشيد الا باضفاء «الشرعية» على ازهاق ارواح ما معدله ۵۰ جثة مجهولة الهوية!
وفي فلسطين ورغم اختلاف الظروف والحيثيات الا ان حال «الغلابة» من الناس وهم الاكثرية لا يختلف كثيرا عن العراق، بعدما اصبح العقلاء من الطبقة السياسية يطلقون صفة «الجيفة» على مقولة «السلطة» في ظل حالة التناحر والاقتنال بين الاخوة على خريطة توزيع للسلطات وضعها الاحتلال ومع ذلك لا تنفك الغالبية الساحقة من الطبقة السياسية تجادل على حقوقها «الشرعية» الانتخابية او الدستورية!
وفي افغانستان ليس الحال باحسن مما هو عليه في العراق او فلسطين، اذا لم يكن اسوأ بكثير باعتبار المعايير هناك مقلوبة كلها ولا احد من العقلاء يمكن ان يتفهم اصلا سر بقاء هذا «الكاراكوز الانتخابي» الذي اسمه «حكومة كارازاي» والذي صار مضرب المثل لكل تنصيب احتلالي محتمل في مكان جديد في العالم! الا عندما نتذكر ذلك التناحر وما سماه البعض في حينه ب«اقتتال الدمار الشامل للاخوة المجاهدين»! وكيف اخرج من بطنه المرحلة الطالبانية ومن ثم فيما بعد تداعياتها التراجيدية الاحتلالية «الشرعية» الراهنة!
الامر نفسه يكاد يتكرر في لبنان في كل لحظة بل انه يحضر له في كل ساعة وحين، فيما الطبقة السياسية منهمكة في نقاش «دستوري ميثاقي شرعي» اصبح اكثر من عقيم في ظل الاحداث التي ليس فقط تجاوزته بل اخشى ما اخشاه انها تجاوزت لبنان الوطن الذي كنا حتى الامس القريب نتغنى به بانه لوحة بديعة للتسامح والتعددية والحوار والعيش المشترك مع الآخر!
لست هنا منقلبا على احد ولا منقضا على «شرعية» احد ولا متطاولا على قامة احد اي احد! ولا مطالبا احد بالتخلي عن اي من المبادئ الثورية والعقلانية التي يؤمن بها والتي اعتقد ان بالامكان الجمع بينهما بشكل متواز وخلاق لكنني بدأت اضيق بهذا النقاش بل هذه الهرطقة القاتلة حول موضوعات السيادة والاستقلال والحرية و«الشرعية» الدستورية او الديمقراطية او الانتخابية او البرلمانية وكل ما يشبهها من مقولات خداعة وكاذبة ومضللة للناس الغلابة مهما بدت براقة أو ممتعة او مربحة او «ربيحة» بنظر الطبقة السياسية العائمة على طوفان استعمار جديد هو من نوع «الاستحمار» الذي كان يتحدث عنه المفكر الايراني الشهير المرحوم علي شريعتي والتي تصادف هذه الايام ذكرى وفاته الثلاثينية. وما دمنا قد ذكرنا ايران فثمة هناك من مثل ايراني شهير قد يبين الحالة «الغلط» التي نعيشها برايي وهو عندما يقول المعلم لتلميذه: «ضع خطا تحت الكلمة» «الغلط» في الجملة التالية: «الخسن والخسين ثلاثتهم بنات مغاوية»!
فهل ثمة من امر من امور بلادنا يسير على ما يرام او في اطار المعقول او القواعد العقلانية المتبعة والمعروفة في العالم؟ فكل شيء عندنا اصبح مستباحا حتى الكلمات والحروف ناهيك عن الانسان! وكأن الدنيا صارت تسير في بلادنا بالمقلوب! والهرم وضع على غير قاعدته!
ففي العراق مسموح لكل الدول الاجنبية البعيدة التدخل في شؤونه بل التحكم فيها حتى النخاع وبكافة اشكال التدخل التي تخطر على البال او لا تخطر فيما ممنوع على الدول العربية والاسلامية ودول الجوار على الاخص من ابداء القلق فيما يحصل له لانها سرعان ما توضع تصريحاتها في «شبكة الكلمات المتقاطعة الطائفية او المذهبية او العرقية او ما شابه بينما الكل يعرف من هو السبب الحقيقي وراء هذه الشبكة الكارثية المتقاطعة وتراه اما غير قادر على النطق بالحقيقة او غير مسموح له بذلك! وشلال الدم العراقي لا يتوقف عن الانسياب وكأن بلاد الرافدين باتت في كوكب آخر او بتنا نحن من كوكب آخر»!
وفي افغانستان التي كان يوما اسمها نورستان كما ورد في التاريخ القديم فقد اصبحت كما يقول الغلابة من اهلها ولاية من ولايات «كفرستان» بعد ان عاثت بها القوات الاحتلالية الاجنبية فسادا ولم يرحموها حتى بالافتخار الذي سبق لها ان سجلته في مجال مكافحة المخدرات وهي من بعض مزايا حكم «المجاهدين» النادرة فأبوا الا ان يعيدوها الى سابق عهدها لتصبح مزرعة للافيون والسم الزعاف من سائر المخدرات وتحت اعين ورعاية واشراف ما يسمى بالمجتمع الدولي الحر!
واما في فلسطين فحدث ولا حرج لا سيما بعد وقائع اقتتال الاخوة الاعداء المشؤومة والتي وان كنا ندينها جميعا من حيث المبدأ الا ان رد الفعل المشبوه بنظر البعض والملغوم بنظر البعض الآخر لكنه الاسرع من الصوت في ادانة طرف والثناء على الطرف الآخر جعل كل المقاييس والمعايير التي سمعناها من الغرب والمجتمع الدولي عن الحيادية والموضوعية والعقلانية وغيرها الكثير تصبح في مهب الريح بل نقرأها «بالشقلوب» كما يقولون عندنا بالعامية.
وليس الوضع في لبنان باحسن مما ذكرنا من امثلة على الاطلاق. ولا التعامل مع الملف النووي الايراني المتهمة صاحبته بالظن والتخمين واحيانا باللغط المقصود حول ميول احتمالية للتسلح! مقابل التجاوز الوقح والفظ والمستنكر عن اعتراف الدولة الاسرائيلية بحيازة قنابل نووية «عينك عينك» كما يقول المثل باحسن حال من حالات العيش «بالشقلوب»! في هذا العالم الدموي الغريب الاطوار والمدعي كثيراً لكنه الظالم لاكثرية سكان الكرة الارضية بحكم الغلبة للقوة النارية والخديعة اللغوية البهلوانية!
«السير سلمان»
في عام «۱۹۹۹» أجريت لسلمان رشدي كاتب رواية «آيات شيطانية» سيئة الذكر عملية جراحية لتصحيح حالة مرضية نادرة كانت ستجبره على إبقاء عينيه مغلقتين.
وإذا كان البعض قد اعتبر تلك الحالة «إنذاراً إلهيا» لكاتب محترف لا يستطيع الاستغناء عن عينيه، فقد مرت السنوات الأخيرة دون أن تبدر عن هذا «الإنجليزي ذي البشرة الداكنة» كما وصفته الكاتبة الأسترالية الشهيرة «جيرمين غرير»، أي علامات ندم أو توبة على نشره تلك الرواية التي آذت مشاعر مئات الملايين من المسلمين في العالم.
وفيما يحتفل الروائي الهندي الأصل بعيد ميلاده الستين، عادت قضيته إلى الأضواء بعد قرار من قصر بكنغهام بإعلانه «فارسا» ومنحه لقب «سير»، وهو تكريم أقل ما يقال فيه إنه استفزازي وجارح حتى ولو نسب إلى «قدراته الأدبية»، مع أنه كان أحرى ببذاءاته التي تهجم فيها على القرآن والدين الإسلامي والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن تمنحه الجائزة الأولى في «قلة الأدب».
وإذا كان وزير الشؤون الدينية الباكستاني إعجاز الحق قد أبدى تفهمه لعملية انتحارية يمكن أن ينفذها مسلم غاضب احتجاجاً على تكريم لندن لسلمان رشدي، فإن الغضب لم يصل إلى مستويات عام «۱۹۸۸» عندما نشر كتابه «آيات شيطانية»، وهو ما استتبعه صدور فتوى السيد الراحل الامام الخميني «رض» الشهيرة عام «۱۹۸۹» بإهدار دم رشدي، تلك الفتوى التي أسفرت عن قطع العلاقات بين لندن وطهران تسع سنوات، ثم عادت بعد أن تعهدت إيران عام «۱۹۹۸».
غير أن منحه لقب «سير» يعتبر قراراً بريطانياً فاقداً للحكمة، إذ كيف يجوز أن نسمع كبار المسؤولين البريطانيين وهم يتحدثون عن ضرورة مد الجسور بين الإسلام والغرب، وعن أهمية حوار الأديان، ثم يلجأون في الوقت ذاته إلى تكريم شخص أساء لجماهير المسلمين في العالم وفي بريطانيا التي منحته جنسيتها؟
لذلك كان من الطبيعي أن يصدر البرلمان الباكستاني مشروع قانون يطالب الحكومة البريطانية بالعمل على إلغاء تطويب سلمان رشدي فارساً، وكان من الطبيعي أن تنتقد إيران الخطوة البريطانية باعتبارها إهانة لكل المسلمين في العالم، كما كان من الطبيعي أن يعتبر الدكتور محمد عبدالباري أمين عام المجلس الإسلامي في بريطانيا منح ذلك اللقب إلى سلمان رشدي قراراً تعوزه الحساسية ويلحق الضرر بصورة المملكة المتحدة أمام المسلمين.
وسط هذه المعطيات يصعب أن نتقبل دفاع المندوب السامي البريطاني لدى باكستان روبرت برينكلي عن تكريم سلمان رشدي ومحاولته الفصل بين هذا التكريم ورواية «آيات شيطانية». فنحن لا نصدق برينكلي حين يقول إن بريطانيا تحترم الإسلام كدين وتقدر إنجازاته الفكرية والحضارية. فهذه الفعلة الخرقاء تدل على العكس تماماً، ذلك أن الذين يعتبرون «السير سلمان» أهلاً للتقدير والتكريم لا تهمهم أبداً مشاعر المسلمين.
ومثلما قال اللورد أحمد وهو بريطاني، باكستاني الأصل ويعتبر أول مسلم ينال عضوية مجلس اللوردات، فإن تكريم رشدي يمثل نفاقاً ارتكبه توني بلير الذي كان قبل أسبوعين يتحدث عن ضرورة بناء العلاقات مع العالم الإسلامي، وها هو يكرم رجلاً أساء إلى المسلمين داخل بريطانيا وخارجها.
مأساة لبنان وعمرو موسى
لا أظن ان دبلوماسيا عربيا يعاني من التمزق المعنوي والسياسي، ويكابد تقلب الظروف، وتدافع الأزمات، وتكاثر المآزق العربية، مثلما يعاني ويكابد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، فهو بحكم موقعه يتوجب عليه التفكير بالحلول والتسويات من أجل التخفيف من الكوارث التي تصيب الوضع العربي الذي ينهار يوما بعد يوم.
ولكن بحكم الواقع المتناقض مع الموقع، يجد عمرو موسى نفسه غير قادر فعليا على تحقيق إنجاز مؤثر في هذا الاطار، فيستخدم براعته الدبلوماسية في تدوير الزوايا، ويتجه الى التعبير عن الأمنيات، ويقوم بخطوات يعرف سلفا أنها غير كافية، ولكنه يقوم بها لأن مجلس وزراء الخارجية العرب قررها على هذا الشكل، كي لا يقال إن أحدا لم يقم بشيء بإزاء هذه الأزمة أو تلك من الأزمات الساخنة في حياتنا العربية من فلسطين الى لبنان الى العراق الى السودان وغير ذلك كثير وكثير، مما هو مطروح حاليا، ومما هو مخبوء أو مؤجل لأوقات أخرى. عمرو موسى بهذا المعنى يعكس الواقع العربي من خلال دوره، بوصفه أمينا عاما لجامعة عربية تعيش على معاناة الانقسام، بينما كان يفترض ان تكون اطارا للتضامن والوحدة، وبالتالي فالمسؤولية عند غيره من أهل الحل والربط وليس عنده.
ولكن برغم ذلك، فهو عليه ان يتحمل، وأن يسكت عن اشياء كثيرة.. تلك هي حاله اليوم، وهو يترأس الوفد العربي الذي يزور لبنان.. لقد قيل إن زيارة الوفد العربي هي للمساهمة في ايجاد الحلول السياسية للأزمة، وهكذا قيل سابقا عندما جاء الأمين العام للجامعة في نوفمبر من العام الماضي، ولم تسفر الجهود عن أية نتيجة فعالة، فالوضع العربي - للأسف الشديد ويا للكارثة الآنية والمستقبلية - اصبح خارج القدرة على القرار.
الكل في لبنان يرحب بزيارة الوفد العربي، ولكن الترحيب شيء، والقدرة على التأثير سواء من القوى اللبنانية أو من الوفد العربي شيء آخر، فالزيارة تأتي وسط تطورات كبيرة في المنطقة، بعد الصراعات الفلسطينية - الفلسطينية التي انتهت بحالة انقسامية تدور بين حكومتين وكيانين، وبعد شهر تقريبا من المواجهات بين الجيش اللبناني و«فتح الاسلام» في الشمال في مخيم نهر البارد، وهي لم تنته حتى هذه اللحظة، وبعد تراجعات ملحوظة في المساعي الفرنسية وفي المساعي السعودية وبعد توتر سياسي جديد في لبنان على اثر جريمة اغتيال النائب وليد عيدو.
الوفد العربي سيتحرك وسط هذه الخريطة المعقدة، وليس هناك من معطيات جادة تجعلنا نأمل بنجاح تحركه، فأقصى ما يمكن أن يحصل هو سلسلة اتصالات ودعوات الى التهدئة والحوار، غير ان البوصلة تبقى في يد واشنطن، والادارة الاميركية ما زالت تميل الى تأجيل المعالجة في لبنان ربطا بملفاتها الاخرى في المنطقة. ولهذا فإن الوفد العربي يأتي وسط الترحيب ويغادر وسط التقدير، ولكن النتائج العملية تكاد لا تذكر.