السنة العاشرة - العدد۲۷۱۵- - السبت۱۴محرم ۱۴۲۸ -۰۳/۰۲/۲۰۰۷
ثقافة
Saghafe.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
ثقافة
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
علوم و تكنولوجيا
اقتصاد
رياضة
منوعات
الأرشيف
RSS
الخبراء يشبهونه بحواء.. ينير حياتك ببريقه كلما دللته أكثر
عشاق الإنترنت خلف القضبان
عندما بدأت الإنترنت بالانتشار في العالم العربي، ظن كثيرون وبالأخص العاملين في حقول الرأي، والشأن العام، أنهم حققوا انتصاراً بالضربة القاضية على الرقابات، وأصبح بوسعهم التعبير عن آرائهم بمنتهى الحرية، والتواصل مع أي إنسان في أقاصي المعمورة دون حواجز أو معوقات. إلا أن هذا الانتصار لم يدم، ولم يكن سوى جولة أولى، تبعتها أخرى كانت فيها الغلبة للرقابات التي واكبت، وربما سبقت تطور وسائل الاتصال، وتمكنت من وضع اليد على الداخلين إلى الشبكة.
التقرير الثاني الذي أصدرته »المبادرة العربية« عن استخدام الإنترنت في العالم العربي، لا يدعو إلى التفاؤل، ليس من جانب سوء استخدام الإنترنت، أو مخاطرها على أخلاق الشباب، وإنما لحجم الحجب والمنع الممارس في البلدان العربية على هذه الشبكة، التي تحولت الى مصيدة لوضع اليد على المعارضين والمشاغبين الذين يمثلون خطراً من وجهة نظر السلطات الحاكمة. ويبدو أنه كلما ازداد عدد المستخدمين، زاد عدد الواقعين تحت الرقابة المباشرة. وحسب آخر المعطيات فإن عدد المستخدمين للانترنت في البلاد العربية تضاعف خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ليقفز من نحو ۱۴ مليون مستخدم في ،۲۰۰۴ ليصل في عام ۲۰۰۶ إلى نحو ۲۶ مليوناً. كما زاد عدد المواقع العربية، فهناك العشرات من المواقع التي تظهر يومياً، وبالسرعة ذاتها يتم أيضاً حجب العشرات منها أيضا.
غلبة المواقع الدينية، هذا ما يلحظه تقرير «المبادرة». فبين المواقع المائة الأكثر شيوعاً باللغة العربية، هناك عشرة مواقع متشددة. وهذا لا يرد الى اهتمامات المستخدمين العرب بقدر ما يعكس التوجهات السياسية للحكومات العربية، التي تُخضع المواقع السياسية والعلمانية والحقوقية.. للمنع. والنموذج الرقابي المطبق على الإنترنت هو ذاته المتبع في رقابة المطبوعات، وقد تطور هذا النموذج من الرقابة المسبقة إلى رقابة لاحقة، فيمكن للمستخدم نشر أو إرسال أي معلومات، ومن ثم يحاسب عليها.
وينوه التقرير إلى أن اجتماع وزراء الداخلية العرب في شباط ۲۰۰۶ بتونس، كشف عن توافق كامل بين الوزارات العربية فيما يخص حجب المواقع المشجعة على الإرهاب. وتحت هذا البند يمكن أن يدرج كل ما تراه الحكومات معارضاً لسياستها، طالما لا يوجد تعريف محدد ومتفق عليه لماهية الإرهاب المقصود.
يضاف إلى الرقابة المحلية المفروضة، رقابة خارجية تحت الزعم ذاته، وللسبب نفسه؛ أي محاربة الإرهاب. وهكذا يجد المستخدم الباحث عن فضاء أوسع يعبر فيه عن نفسه، من خلال التواصل مع الآخرين، انه واقع في أسر الشبكة والرقابة معاً. وتعتبر أن الرقابة «التجسس» على الإنترنت لا تحد من الحرية، وإنما تخرق الخصوصية، فكل مستخدم هو حر في نشر ما يشاء، رغم ان كل داخل إلى الشبكة يخضع للرصد؛ وهي حالة لا تستثني أحداً، وبموجبها يعتبر الرئيس جورج بوش مثله مثل أي مستخدم عادي.
يسجل تقرير المبادرة قائمة لسجناء الإنترنت في العالم العربي، وقد كانت غالبية الاتهامات الموجهة إليهم هي نشرهم مقالات على الشبكة، وغالبيتها نشرت في المواقع الإخبارية السياسية أو الحقوقية، وبوسعنا التقليل من جدوى حجبها، لأن محتواها يمكن أن يوجد في وسائط أخرى. لكن نبه الأيهم الى الخطورة التي تنطوي عليها عملية حجب المدونات الشخصية، فهناك موقع «بلوغزبات» محجوب، ويحتوي على أكثر من خمسين مليون مدونة شخصية، أي خمسين مليون مصدر معلومات أصيلة غير متوفرة في وسائط أخرى! ويعتبر أن الذي «اتخذ قرار الحجب، قد اتخذ قراراً بالتسبب بكارثة معرفية لبلاده». والكارثة هنا لا تقتصر على حجب كم هائل من المعلومات فقط، وإنما في منع المساهمة في بناء المعرفة الإنسانية.
العام الماضي أثارت مدونة الكثير من الأقاويل والشائعات حول الأشخاص الذين يقفون خلفها، حيث اعتمدت على تركيب صور بشكل كاريكاتوري ساخر يوضح موقف المجموعة، من السلطة والمعارضة معاً. كما نشرت معلومات عما يتم تداوله في الجلسات الخاصة عن بعض الشخصيات المعروفة، وبعد فترة اختفت المدونة لبعض الوقت، وعادت من جديد لكن بدون محتوى، وقيل حينها أنه تم اكتشاف مجموعة من الشباب القائمين عليها. وقد شكك بوجود أجهزة تقنية رقابية تتيح الوصول الى هوية المستخدم، ويرجح أن يتم الوصول الى هؤلاء عن طريق التقارير الاستخباراتية العادية كالوشاية أو الثرثرة بين الأصدقاء. ويلفت النظر إلى وجود وسائل لحماية خصوصية مستخدم البريد الإلكتروني أهمها «التشفير» وهي تقنيات عالية، لكنها غير متاحة، لسببين: الأول وهو الأهم، قيام الولايات المتحدة الأميركية بمنع تصديرها لعدد من الدول، إذ يتم استخدام تطبيقاتها في المؤسسات الحكومية والعسكرية الدولية والتي تحظى مراسلاتها بالسرية التامة. وثانياً لأن الحكومات المحلية تحظر إرسال رسائل مشفرة، ومن يقوم بذلك معرض لتهمة خطيرة جداً وهي »التجسس«.
وعلى الرغم من التشدد والمنع الممارسين على الإنترنت في العالم العربي، باستثناء لبنان حيث تتمتع الإنترنت بحريات تكاد تكون كاملة، حسب تقرير «المبادرة العربية»، إلا أن الكثير من المراقبين يحذرون من تحديات كبرى فرضها دخولها الى المجتمعات العربية، لتكون أحد وسائط التواصل والاتصال والمعرفة المفروض توفرها في المنزل، إلى جانب التلفزيون والفيديو والهاتف والكتاب. وهناك من يرى ان وضع مراقبة على دخول الإنترنت يحد من الانفتاح الكامل على العالم، فيما يدعو آخرون الحكومات إلى وضع استراتيجيات تربوية تحد من مخاطر الولوج الرقمي، والتوجه نحو استثمارها إيجابياً. انطلاقاً من هذه الخلفية، ظهرت عدة شركات من مزودي خدمة الإنترنت تعرض على زبائنها خدمة عائلية، تقوم على مبدأ «الفلترة»، فيتم منع الوصول الى المواقع التي تحتوي على المواد غير المرغوب فيها.
وهناك من يحمل المسؤولية لسياسة الحكومات التي تمنع المواقع الثقافية والفكرية التنويرية، فيما تطلق العنان للمواقع الغيبية والمتشددة، وكذلك المواقع التافهة والمواقع غير الاخلاقية في وقت يعاني فيه الشباب من نسبة بطالة كبيرة في مجتمعات مغلقة مصابة بأمراض اجتماعية متنوعة لا تتيح للفرد العيش بحرية وصدق مع الذات والمحيط، ولا تمنحه الفرصة ليمارس دوراً حقيقياً وفعالاً غير دور المستهلك السلبي لكل ما تستورده الحكومة. على هذه الخلفية، تكون الانترنت بمثابة الكوة الوحيدة التي تمكن من التفاعل الإيجابي مع العالم. ويرى البعض أن الإقبال الشديد على الدردشة ومواقع التعارف وغيرها دليل على تعطش حقيقي لدى الشباب للتواصل مع بعضه ومع الآخر، وعلينا حين نتناول هذا الموضوع أن ننظر اليه من زاوية أبعد من زاوية الأخلاق.
فالدردشة مهمة جداً للتواصل الاجتماعي وبناء العلاقات، ومواقع الألعاب عادة توفر العاباً ذهنية مفيدة.
لا شك أن الهالة التي رافقت دخول الانترنت الى مجتمعاتنا بدأت تتلاشى مع انتشارها، وبالتالي زالت الكثير من الأوهام حولها، لتبدأ بأخذ حدها الطبيعي، بالتحول الى مجرد وسيلة تلبي حاجات الناس، كل حسب ظروفه واهتماماته.
التحديات الكبرى التي تفرضها الإنترنت كشبكة تواصل واتصال، ليست في مواجهة التدفق المعلوماتي كما يشاع، لأن الفائدة أو الضرر تحددها الحاجات التي تلبيها، إذا ما كانت للتسلية والترفيه أو لتطوير المهارات والمساهمة في صناعة المعرفة. والتحديات الكبرى الحقيقية التي تواجه العرب، هي بناء شبكة اتصالات رقمية تشبه بتقنيتها تلك الموجودة في أوروبا وشمال أميركا والهند، وبناء صناعة تقديم خدمات شركات استضافة، ومراكز لبيانات تقنيات الأمن، تعالج الحالات الخاصة للمواقع العربية التي لا تعالجها الشركات الأجنبية، والتحدي الأهم يتمثل في خلق زبائن لهذه الصناعة عبر نشر ثقافة استخدام الانترنت.

سعاد جروس
الخبراء يشبهونه بحواء.. ينير حياتك ببريقه كلما دللته أكثر
مشوار اللؤلؤ.. من الأزياء والاكسسوارات إلى مستحضرات التجميل
اعتبر اللؤلؤ دوما واحد من أثمن المجوهرات وأكثرها رومانسية، ويعود الأمر جزئيا إلى أنه لا يحتاج إلى قطع أو صقل لإظهار جماله الحقيقي. وعلى مدى العصور القديمة، كان اللؤلؤ محط اهتمام الملوك والنبلاء في أوروبا وبلاد فارس، ويعتبر القرن السادس عشر العصر الذهبي للأزياء التي زينها اللؤلؤ، إذ كان في تلك الفترات رمزا للسلطة والثراء والجاه. فالملكة اليزابيث الأولى وكاترين ديميتشي ونبيلات البلاط الإسباني استخدمن اللؤلؤ ليس فقط كاكسسوار، بل ايضا في تطريز أزيائهن، مع العلم انه كان محظورا على العامة اقتناء اللؤلؤ، بكل اشكاله، حفاظا على نخبويته وتميزه.
ولا يختلف اثنان على أن صناعة المجوهرات، وبالذات العقود الثمينة، من اللؤلؤ كانت المنافس الأقوى للألماس. فقد كان اللؤلؤ من مقتنيات أصحاب الثروات وأصحاب السلطان، وظل محافظا على مكانته إلى منتصف القرن الماضي. في ذلك الوقت طورت اليابان صناعة اللؤلؤ وجعلت زراعته بكميات كبيرة أمرا ممكنا في مزارع خاصة، وكانت النتيجة انخفاض قيمة اللؤلؤ كحجر نادر، وتحوله إلى احجار متوفرة للجميع وبأسعار متباينة حسب نوعيتها، وسرعان ما أصبح العقد الذي كان يساوي عشرة آلاف دولار يباع مثيله من لؤلؤ مزارع اليابان بمبلغ لا يزيد على مائة دولار.
وعلى الرغم من أن اللؤلؤ المزروع صناعيا لا ينافس المستخرج طبيعيا في الجودة والنقاء واللمعان، إلا أنه كان البديل المنافس، الذي أقبل عليه الناس، والفرق بينهما لا يعرفه سوى الخبراء، على الرغم من أن النقاء والصفاء هما من علامات اللؤلؤ الطبيعي، بينما يختلف اللون الطبيعي قليلا عن اللؤلؤ المزروع.
وللحفاظ على قيمته، تم التخلص من استعماله في الأزياء بكثرة، وأعيدت صياغته في نمط جديد ليناسب الذوق العصري. بيد انه لا يمكن هنا تناسي حب كل من الملكة ماري أنطوانيت والإمبراطورة جوزفين والإمبراطورة يوجين لهذا الحجر، ومداومتهن على استخدامه في الملابس كأدوات تعكس سلطتهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطلقة. كما أن كل من يتأمل في صور جاكلين كنيدي/ اوناسيس، يرى أنها خير من يمثل الصورة الرفيعة لصناعة اللؤلؤ، ومكانته كواحد من الأحجار الكلاسيكية والارستقراطية، كما ان صورة الراحلة أودري هيبورن في فيلم «إفطار في تيفاني» بعقد متعدد الصفوف صورة أيقونية رائعة. وعند الحديث عن اللؤلؤ يبرز إلى الساحة اسم كارتييه، ملك فن صناعة اللؤلؤ في العالم من بداية القرن الماضي. فقد أضفى على هذا الحجر مسحة أنثوية ورقة وخفة لا تخطئها نظرة حواء أبدا. كارتييه اعتبر أن اللؤلؤ مصدر لحسن الطالع، ومن خلال تصميماته الخلابة والمختلفة والمتنوعة جعله واحدا من أكثر الأحجار الكريمة اغراء لنساء العالم، فلو وقعت العين على مجموعة المجوهرات المدهشة من لؤلؤ الهملايا لن يستطيع المرء منع نفسه من الانبهار بالتدرج اللوني المدهش والبريق الأخاذ لتلك اللآلئ الرائعة. ومن أحلى تصاميم كارتييه في هذا المجال، العقد الذي صممه للمهراجا بوبندار سينغ، مهراجا باتيالا في عام ،۱۹۲۵ وظهر به في صورة مع العمامة التي ترصعها كذلك مجموعة من اللآلئ صغيرة الحجم. العقد يتكون من عدة صفوف، تبدأ بعقد بحجم الرقبة، ثم يتدرج حتى يصل إلى منتصف الصدر بأحجام مختلفة من حجر اللؤلؤ الثمين والنادر. وفي ۱۹۷۲ سلبت النجمة إليزابيث تايلور الألباب في مدينة نيويورك بعقدها الذي صممه لها أيضا كارتييه بأكثر من ۲۳۰ حبة من لؤلؤ «لا برجرينا».
تجدر الإشارة إلى أن اللؤلؤ قطعة حية تحتاج للتدليل كحواء تماما، وعلى قدر ما تلقى من عناية تعيش مدة أطول من الزمن تصل إلى مئات السنين. وقد أكد باتريك نورماند، المدير التنفيذي لمجموعة كارتييه في الشرق الأوسط، أنه يجب عدم رش العطر مباشرة على حبة اللؤلؤ، وتركها في مكان جاف للغاية، كما يجب عدم تعريضه لأشعة الشمس مدة طويلة. الحديث عن اللؤلؤ لا يكتمل بدون الحديث عن علاقته التاريخية بمنطقة الخليج الفارسي، حيث يعود استخراج اللآلئ الطبيعية إلى آلاف السنين. ويمتاز النوع المستخرج من الخليج الفارسي بجودة عالية ترجع أسبابها لتوفر الأجواء المناخية المثالية بدءا من مياهها قليلة العمق إلى طقسها الحار. يأتي بعد ذلك اللؤلؤ الأسترالي، ثم المستخرج من خليج بنما والبحر الأحمر والفلبين وبورما وسري لانكا.
ريم حنيني
النبيان: يحيى البكّاء وزكريا الكفيل «ع»«۳»
اليهود يقتلون زكريا«ع»

ويحكى أنّ زكريا«ع» وكان يكفل مريم، قد اتهم من قِبَل السفلة بأنه وراء حمل مريم«ع»، فلما بان حملها تمكّن هذا الإتهام وثبت في نفوسهم، وأشاعوا بين الناس، أنّه لا يعقل أن تحمل امرأة دون زواج من رجل، فاضطرّ زكريا«ع» إلى الخروج من القدس، وراح السفلة من اليهود يلاحقونه، والشيطان يزيِّن لهم ذلك.
وعمّت الفوضى، وتفاقم الشر بعد خروج زكريّا«ع» من المدينة المقدسة، وشاعت الفاحشة بحق زكريا«ع» فلحقه شرار اليهود يريدون قتله.
ويُروى أنه«ع» هرب منهم، حتى إذا وصل إلى وادٍ رأى شجرة فقصدها ليختبئ فيها، فانفجرت له من جذعها فدخل في جوفها ثم عادت كما كانت، فتحيّر اليهود ولم يعرفوا مكانه، حتى جاءهم إبليس اللعين بصورة واحدٍ منهم ودلّهم على مكانه، وأمرهم أن ينشروا الشجرة بالمناشير، وهكذا كان، فنشروها حتى قطعوها وقطعوا معها زكريا«ع» من وسطه، ثم تركوه وقفلوا راجعين، فبعث الله سبحانه ملائكة غسّلوا زكريا«ع» وصلّوا عليه ثلاثة أيام حتى إذا جاء خيار بني إسرائيل أخذوه ودفنوه «سلام الله عليه» فكان على رأس الأنبياء الشهداء الذين قتلهم اليهود بغير حق.

يحيى«ع» يرث زكريا

كان مقتل زكريا«ع» من أشد المحن وأقساها على قلب نبي الله يحيى«ع» فعظم الأمر عليه، خصوصاً وأنّ أباه ناله ما ناله من السفهاء، بتلك التهمة المنزّه عنها يقيناً.
وقام بالأمر بعد أبيه، فكان يخطب الناس معلناً أنّ ما يصيب الصالحين من المِحَن والرزايا، إنّما يكون من جانب السفهاء والفسقة الذين لا دين لهم ولا يقين ولا ورع، ثمّ يبشرهم بقيام المسيح عيسى ابن مريم«ع» من بعده ويعدهم الفرج على يديه.
ويروى أنّ يحيى«ع» كان بارعاً من الشريعة الموسوية، وكان مرجعاً معروفاً يرجع إليه كل من أراد أن يستفتي في أحكام تلك الشريعة، خصوصا وأنه نُبِّئَ وهو صبي صغير، فراح يدعو الناس إلى عبادة الله وتوحيده والتوبة من ذنوبهم وخطيئاتهم، ويأمرهم بالإغتسال في نهر الأردن قبل التوبة، فكان «ع» ظاهر الزهد والنسك منذ الصبا، على أكمل أوصاف الصلاح والورع متعلقاً بالعبادة كما ذكرنا.
وقد ورد عن الإمام الرضا«ع» أنه قال: إنّ أوحش ما يكون على هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يُبعَثُ «للحساب» فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا، وقد سلّم الله عزّوجل على يحيى «ع» في هذه المواضع الثلاثة وآمن روعته، فقال عزّ من قائل: «وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعثُ حيّا».
لقد كان يحيى«ع» كعيسى ابن خالته آية من آيات الله البينات ومعجزة من معجزاته الباهرات، وهبه لأبيه زكريا ليرثه، بعد أن خاف زكريا«ع» الموالي أن يغيّروا ويبدّلوا في دين الله، وهبه إياه على كبر، وبعد أن غزا الشيب مفرقه، ويئست زوجته من الإنجاب، وفي وقت لا يعقل فيه أن ينجب زكريا أو امرأته، تماماً كما وهب سبحانه عيسى لمريم«ع» بطريقة لا يعقلها الناس العاديون.

ثورة يحيى على هيرودوس وهيروديا

في زمن يحيى«ع» كان هيرودوس حاكماً على فلسطين، من قبل قيصر بيزنطية.. وكان فاجراً فاسقاً دنيئاً زانياً، حيث كانت إحدى بغايا بني إسرائيل تأتيه دائماً فيرتكبا الزنى المحرم.. وكبرت تلك البغي وأصبحت عجوزاً شمطاء، فلم يعد هيرودوس يرغب بها، وكانت لها إبنة رائعة الجمال، فابتغاها هيرودوس زوجة له.. وعلم يحيى«ع» بالأمر، فأنكر ذلك عليه وعلى ابنة البغي، فثار وراح يحرّض الناس ويؤلبهم على هيرودوس، جاهراً بالحق، صادعاً بالصدق، فلا يجوز لهيرودوس أن يتزوج من فتاة كانت أمها تحته، وإن في علاقة غير مشروعة. وشاع أمر يحيى«ع» بين الناس وذاع.. وماكان نبي الله إلاّ مجاهراً برأيه على رؤوس الأشهاد، وفي كل محفل وناد، لأنّ الدين لا يبيح ذلك ولا يسمح به، إضافة إلى أنّ العقلاء يستنكرون ذلك وأنفس الشرفاء تمجه، وتعافه أذواق الصلحاء.. وهكذا وصل رأي يحيى إلى كل مكان.. إلى محاريب العباد والعلماء، وإلى أماكن الفجور والفسق، حيث الفجار والفسقة.. وعرفت تلك البغي بأمر يحيى ورأيه، فغضبت وحقدت عليه، وراحت تمكر به، وإن مكرهن لعظيم.. لقد خافت أن يغير هيرودوس رأيه، متأثراً بموقف يحيى«ع» وهو رأس العبّاد والربّانيين المتألّهين، نبي الله وابن نبيّه.. فلجأت إلى الغواية، والخديعة.
هيّأت ابنتها وزيّنَتها وقالت لها: إني أريد أن آخذك إلى هيرودوس، فإذا واقعك، فسيسألك ماذا تطلبين، فإياك أن تطلبي منه شيئاً سوى الزواج منه على أن يكون المهر رأس يحيى بن زكريا.

مقتل يحيى«ع»

دخلت ابنة البغي على هيرودوس، وهي تتلوى بغنج وتختال بدلال، وقد تزيّنَت بأجمل زينة، وأبهى بهرج واللآلئ.. إنبهر هيرودوس بجمالها الغوي، فراحت تتثنى أمامه، بأناقتها الفائقة، فظنّ أنه في مهرجان حسن وضّاء وعرس جمالٍ وبهاء، فاستجاب لداعي الفتّان، ونزع عن مفرقه التاج، وكلّل به رأس من تمثّل الحسن بها والجمال، وهتف أمامها صاغراً متذللاً، قد أخذته الشهوة، وأعمت بصيرته الفتنة: سيدتي.. مُرِي بما تشائين، يطع ما تأمرين.. فإنما أنت لي ولن يفرق بيننا إلاّ الموت..
وتلوّت الأفعى ثانية، وتثنّت، وقالت بصوتٍ مغناج يشبه الفحيح: أنا لك شرط أن تأتيني برأس يحيى بن زكريا، فإنّه يعكر علينا صفو الحياة إن بقي على قيد الحياة، وينغّص علينا هناءة العيش، ويؤلّب الناس علينا وينفرهم عنّا.
قالت ذلك وانصرفت ولم يطل الوقت: ساعة أو بعض ساعة، حتى أتي بيحيى«ع» وجئَ بطشت من ذهب فذبح ووضع رأسه في الطشت وأرسل به إلى تلك البغي.. وإنّه لمن هوان الدنيا على الله سبحانه، أن يهدى رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.. وهو النبي الذي لم يكن له من قبل سمي.. وكذلك الحسين«ع» فيما بعد، لم يكن له سمي.. وكان حقاً على الله أن تهون عليه الدنيا.. فعن الصادق«ع» قال: لم تبكِ السماء إلا عليهما «الحسين وزكريا«ع»» أربعين صباحاً.
قيل له: وماكان بكاؤها؟ قال «ع»: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء!.. وما أشبه اليوم بالأمس.. وما أشبه الباغي بالبغي..
فبعد أجيال كان رأس الإمام الحسين«ع» ريحانة رسول الله«ص» وسبطه وسيد شباب أهل الجنة، موضوعاً في طشت أمام الباغي يزيد بن معاوية، طاغية عصره، ينكث ثناياه الشريفة بقضيب كان في يده، تشفيّاً كما تشفّت البغي برأس يحيى«ع».
إنهما، وحق الله، مناسبتان متشابهتان متماثلتان، بكت فيهما السماء دماً عبيطاً، فكان حقاً على الله أن تهون عليه الدنيا، في هاتين المناسبتين، هواناً ما بعده هوان.. وها نحن نرى نتائج ذلك في واقع الأمة الإسلامية..
فسلام الله على الحسين«ع» وسلام الله على يحيى وإنّا لله وإنّا إليه لراجعون. والحمد لله ربّ العالمين.
عبد الله بن المُقَفَّع.. المقتول ظلمًا!
كان عبد الله بن المقفع ضحية السياسة وألاعيبها، وبسببها لقي حتفه، لكن هكذا حَكَمَت السياسة وهكذا أمر السَّاسة!
وُلِدَ عبد الله بن المبارك حوالى سنة ۱۰۶ هجرية، وكان اسمه «روزبة» في مدينة «جور» ببلاد الفرس، كان أبوه قد تولى الخراج للحجاج بن يوسف الثقفي أيام إمارته على العراق، فمد يده إلى أموال السلطان فضربه الحجاج ضربًا موجعًا حتى تقفعت يده، فسُمِّيَ المقفع.
عاش عبد الله بن المقفع ۲۵ عامًا في ظل الدولة الأموية، و۱۶ عامًا في ظل الدولة العباسية، وتلقى تعليمه بمدينة جور، حيث تثقف بالثقافة الفارسية، وعرف الكثير عن آداب الهند، ثم انتقل إلى مدينة البصرة فتشرَّب الثقافة العربية، إذ كانت البصرة مَجْمع رجال العلم والأدب، وكان «المربد» الشهير بها جامعة للأدباء والشعراء.
وقد اشتهر عبد الله بن المقفع في شبابه بسعة ثقافته الفارسية والهندية واليونانية، بالإضافة إلى فصاحة بيانه العربي، فاستخدمه «عمر بن هبيرة» كاتبا في دواوينه، وكذلك استخدمه «داود بن عمر بن هبيرة» وذلك في الدولة الأموية، أما في الدولة العباسية فقد عمل ابن المقفع كاتبا ل«عيسى بن علي» ابن عم الخليفة المنصور، وأسلم ابن المقفع على يدي عيسى بن علي وقُتِل بسببه!
اشتهر ابن المقفع حتى قبل إسلامه بمتانة أخلاقه، فكان كريمًا، عطوفًا، عاشقًا لحميد الصفات ومكارمها، شغوفًا بالجمال كما كان مؤمنًا بقيمة الصداقة، وإغاثة الملهوف، ومن الحكايات المشهورة التي تُروى عنه، أن «عبد الحميد بن يحيى» كاتب الدولة الأموية الشهير، اختبأ في بيت ابن المقفع بعد قتل مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، لكن رجال الدولة العباسية الناشئة توصلوا إليه، ودخلوا عليهما بيت ابن المقفع، وسألوهما: أيكما عبد الحميد بن يحيى؟ فقال كلاهما: «أنا» فقد قبل ابن المقفع أن يضحي بنفسه من أجل صاحبه، لكن العباسيين عرفوا عبد الحميد وأخذوه إلى السفَّاح.
وقد كانت لابن المقفع آثار أدبية كثيرة منها: كتاب «خداينامه» في تاريخ ملوك الفرس، وكتاب «آئين نامه» في عادات الفرس ونظمهم ومراسم ملوكهم، وكتاب التاج في سيرة أنوشروان، وكتاب «الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة»، في أخبار السادة الصالحين، وكتاب «ديانة مزدك» وكتاب «قاطينورياس» في المقالات العشر، وكتاب «باري أرميناس» في العبادة، وكتاب «ايسافوجي» أو المدخل لفورفوريوس الصوري، وكتاب «أنا لوطيقا» في تحليل القياس، ورسالة «الصحابة» التي تدور حول الجند والقضاء والخراج، وتلك الرسالة تحوي الكثير من آراء ابن المقفع السياسية لإدارة الدولة الإسلامية المترامية الأطراف بحكمة، وذلك بإصلاح حال المجتمع، ورفع مستوى الجند والخراج والقضاء، وفي هذه الرسالة إشارة هامة وواضحة إلى ضرورة وجود ما يشبه «القانون العام» للقضاة بحيث لا تترك القضايا للاجتهادات الشخصية للقاضي.
ومن كتب ابن المقفع الشهيرة كتاب «الأدب الكبير» وكتاب «الأدب الصغير» وهما يحويان الكثير من الحِكَم المستمدة من الثقافات الإسلامية واليونانية والفارسية. ومن حكمه المشهورة: «المصيبة العظمى الرزية في الدين» - «أربعة أشياء لا يُستقل منها القليل: النار، المرض، العدو، الدَّيْن».
وتميز ابن المقفع بأسلوبه الرشيق السهل، فقد كان رأيه أن البلاغة إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها، وكان ينصح باختيار ما سهل من الألفاظ مع تجنب ألفاظ السَّفِلَة، ويقول: «إن خير الأدب ما حصل لك ثمره وبان عليك أثره».
أما أهم وأشهر كتب ابن المقفع على الإطلاق فهو كتاب «كليلة ودمنة»، وهو مجموعة من الحكايات تدور على ألسنة الحيوانات يحكيها الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم، ويبث من خلالها ابن المقفع آراءه السياسية في المنهج القويم للحُكْم، والمشهور أن ابن المقفع ترجم هذه الحكايات عن الفارسية، وأنها هندية الأصل، لكن أبحاثًا كثيرة حديثة تؤكد أن كليلة ودمنة من تأليف ابن المقفع وليست مجرد ترجمة، كما أن بعض هذه الأبحاث يعتقد أن الآراء التي أوردها ابن المقفع في كليلة ودمنة كانت أحد الأسباب المباشرة لنهايته الأليمة، وموضوع كليلة ودمنة يستحق مقالاً منفصلاً.
وهنا نأتي للنهاية المفجعة التي أشرنا إليها، فقد كان عبد الله بن المقفع كاتبًا «لعيسى بن علي» الذي أمره بعمل نسخة من الأمان الذي أعطاه له الخليفة المنصور «لعبد الله بن علي»، فأضاف ابن المقفع عبارة في الأمان نصها: وإن أنا نلت عبد الله بن علي أو أحدا ممن أقدمه معه بصغير من المكروه أو كبير، أو أوصلت لأحد منهم ضررًا، سرًّا أو علانية، على الوجوه والأسباب كلها تصريحًا أو كناية أو بجبلة من الجبل، فأنا نفي من - محمد بن عبد الله - ومولود لغير رشدة، ولقد حل لجميع أمة محمد خلعي وحربي والبراءة مني، ولا بيعة لي في رقاب المسلمين، ولا عهد ولا ذمة، وقد وجب عليهم الخروج عن طاعتي، وإعانة من ناوأني من جميع الخلق. فأسرَّها المنصور في نفسه، وتلقف تهمة كانت شائعة في تلك الأيام وهي تهمة الزندقة، رمى بها البعض عبد الله بن المقفع «وقد ثبتت براءته منها»، فأمر والي البصرة «سفيان بن معاوية» بقتله، فقطع جسده قطعًا قطعًا ورماه في التنور، وكانت آخر كلماته: والله إنك لتقتلني؛ فتقتل بقتلي ألف نفس، ولو قُتِل مائة مثلك لما وفُّوا بواحد.
وهكذا راح الأديب العبقري والإنسان الفاضل، ضحية السياسة والخلافات السياسية داخل الأسرة العباسية، ولم يقتل كخصم سياسي، بل ألصقت به تهمة الزندقة التي هو منها بريء بشهادة مؤلفاته، وبشهادة الأبحاث التي دارت حول حياته وفكره.
من وقت لآخر كان يثور أحد أفراد الأسرة الحاكمة على الخليفة، ويجمع حوله الأنصار، وقد تدور حروب بين الخليفة والثائر عليه، وغالبًا ما كانت الأمور تنتهي في صالح الخليفة، وكانت تختلف نهايات الثوار، فإما الموت في المعركة أو السجن أو الإعدام، أو النفي، أو الحرب، وعهد الأمان كان يمنحه الخليفة للثائر حسب مقتضيات الظروف؛ ليطمئنه على نفسه وأهله وأمواله وأنصاره، وأحيانًا كان رجال الخليفة يجدون له مخرجًا لينقض هذا العهد وينقض على خصمه عندما تأتي الظروف.

منير عتيبة