السنة العاشرة - العدد۲۷۱۵- - السبت۱۴محرم ۱۴۲۸ -۰۳/۰۲/۲۰۰۷
قضايا و آراء
Ara.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
ثقافة
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
علوم و تكنولوجيا
اقتصاد
رياضة
منوعات
الأرشيف
RSS
استراتيجية بوش: لا مغامرة ضد طهران ودمشق
أثارت الاستراتيجية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج بوش أخيراً، الكثير من المناقشات والانتقادات في الولايات المتحدة الأميركية، حيث وحّدت هذه الاستراتيجية الديموقراطيين والجمهوريين في انتقادها، واستُقبلت بمعارضة شديدة من الأغلبية «الديموقراطية» في الكونغرس لتمتد الى صفوف بعض أعضاء الحزب الجمهوري الذين أبدوا تحفظاً على خطة بوش العراقية الجديدة، فقد قال السيناتور الجمهوري تشاك هيغل «ان استراتيجية بوش تمثّل خطأ فادحاً هو الأخطر في السياسة الخارجية لهذه البلاد منذ فيتنام».
وتأتي هذه الانتقادات والرفض الشعبي لهذه الخطة لتزيد عزلة الرئيس بوش وصقوره المحافظين، تلك العزلة التي بدأت تباشيرها تظهر على أثر انتخابات الكونغرس النصفية، وحيث كان الملف العراقي السبب الأبرز في الهزيمة التي مني بها الجمهوريون في مجلسي الكونغرس والشيوخ، وقد ذهب بعض المحللين الى تشبيه عزلة الرئيس بوش اليوم بعزلة البيت الأبيض عندما كان يحتله الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون، إبان حرب فيتنام، حينها قام نيكسون بخطوة «الهروب الى الأمام» نفسها التي قام بها بوش، فعندما شعر بالهزيمة في فيتنام، قرر توسيع الحرب وقصف كمبوديا...

ما الجديد في استراتيجية بوش؟

الجديد أن الرئيس بوش أتى بسياسته الجديدة ليبدد الآمال التي راودت بعض صقور الإدارة الأميركية في إمكانية القيام بعمل عسكري ضد سوريا وايران، والتي تزايدت في ضوء التهديدات المبطنة التي أرسلها بوش وغيره من المسؤولين الأميركيين الى ايران والتي رافقها إرسال حاملة الطائرات «أيزنهاور» الى مياه الخليج «الفارسي» ونشر صواريخ باتريوت. لكن أتى خطاب بوش واستراتيجيته المعلنة، ليزيل تلك الأوهام على الرغم من تضمنه عبارات تصعيدية أهمها «... إننا سنعيق الهجمات على قواتنا، وسنعيق الدعم الآتي من ايران وسوريا، وسنقتفي أثر الشبكات التي توفر لأعدائنا في العراق الأسلحة المتقدمة والتدريب حتى نعثر عليها وندمرها». كيف ذلك؟
أولاً، كيف يمكن زيادة حوالى ۲۰ ألف جندي على القوات الاميركية في العراق التي لا تكاد تستطيع أن تضبط الأمن بشكل كافٍ في بلد يزيد عدد سكانه على ستة وعشرين مليون نسمة، أن تشكل دوراً استراتيجياً مهماً ومقلقاً للجارتين: ايران وسوريا؟ هذا إذا ما أضفنا الضوء الأخضر الاميركي للزيارة التي قام بها الرئيس العراقي جلال طالباني على رأس وفد رفيع الى سوريا، والتي أكد فيها أن «العراقيين يريدون تحطيم الطوق الذي فرضته القوى الاستعمارية على تقارب البلدين، شاكراً السوريين على رعايتهم قوى المعارضة العراقية لسنوات طويلة».
إذاً، ان الزيادة الخجولة لأعداد القوات لا توحي باستراتيجية جديدة بل تشير الى نوع من المراوحة أو «استمرار الحال على ما هي عليه»، وهو ما حذر منه تقرير بيكر - هاملتون في شأن العراق، وتأتي لتقضي على كل أمل للأميركيين في سحب جنودهم من العراق بعد فترة زمنية معينة كما أوصت اللجنة. وبالإضافة الى العدد المحدود للقوات الاضافية تعترض استراتيجية بوش الجديدة الكثير من المعوقات، أهمها عدم قبول السكان المحليين بالاحتلال، وهذا أمر مرهق لأي قوة عسكرية موجودة في بيئة غير صديقة، وعدم استعداد نوري المالكي على تنفيذ المطالب الاميركية وخاصة لجهة قمع المسلحين السنّة والشيعة على حد سواء.
منذ البداية، كان الأمر الأصعب في تقرير لجنة دراسة العراق بالنسبة إلى بوش وفريقه هو القبول بفتح حوار مباشر مع ما سماه سابقاً دول «محور الشر» وهما سوريا وايران!، حيث اقترح التقرير عرض الحوافز عليهما مقابل المساهمة في استقرار العراق والقبول بالمطالب الاميركية، وهنا الصعوبة الكبرى! الصعوبة تكمن في أن الاميركيين، إذا أرادوا المفاوضة، عليهم أن يقوموا بذلك من موقع قوة لا من موقع ضعف كما هو موقفهم في العراق اليوم بعد الخسائر البشرية الهائلة وازدياد الضغط الداخلي في أميركا. لذلك لا تستطيع الولايات المتحدة وهي القوة العظمى في العالم، أن تفاوض من دون «عصي» ترفعها في وجه أعدائها، إذ يظهر للعلن أنه لم يعد لدى الأميركيين سوى «الجزر» لعرضه على جارتي العراق، من هنا كانت خطوة بوش في الهروب الى الأمام، وتصعيد الضغوط على الدولتين من خلال التهديد الكلامي والعسكري لتحسين شروط التفاوض، ومن ثم فتح قنوات غير مباشرة للحوار.
الأمر اللافت في خطاب بوش «قلقه» من السأم الذي أصاب «هؤلاء الملايين من الناس الذين ينشدون لأبنائهم مستقبلاً يسود فيه السلام... من أفغانستان الى لبنان وصولاً الى الأراضي الفلسطينية، وتخوّفهم من إمكان انسحاب الأميركيين من العراق»، لكن ما لم يقله بوش وأخفاه بين السطور أن قلقه ليس على الشعوب، بل على «وكلائه» الحكام الذين نصّبهم في هذه البلدان، والذين يواجهون رفضاً شعبياً متعاظماً في معظم البلدان التي أوردها في خطابه، وهذا يعني أن المأزق الذي تعانيه الادارة الاميركية والمشروع الاميركي للشرق الأوسط لا يكمن في العراق فحسب، بل يمتد من أفغانستان الى لبنان مروراً بفلسطين. والمأزق اللبناني لا يقل أهمية بالنسبة إلى الأميركيين عن المأزق العراقي، إذ تفيد بعض التقارير أن الادارة الاميركية تريد القضاء على حزب الله في لبنان، وهو ما عجزت الحملة العسكرية الاسرائيلية عن القيام به، لذلك أعدت خطة بناءً على توصية أحد صقور المحافظين الجدد «إليوت أبرامس»، تقوم على إمداد عسكري ولوجستي لقوى الأمن الداخلي التابعة لفريق السنيورة، وممارسة الضغوط على العماد ميشال عون لفك تفاهمه والتخلي عن حزب الله لعزله ثم القضاء عليه.
«المسؤولية عن الأخطاء هي مسؤوليتي أنا»، هذا ما أعلنه الرئيس بوش في خطوة شجاعة، تُظهر أنه لا يهدف من خطته الجديدة الانتصار في الحرب أو على الأقل بات مقتنعاً بعدم قدرته على الانتصار، لذلك لا يبدو أنه قد يقدم على مغامرة أخرى لإسقاط النظامين السوري والايراني بالقوة، بل أراد من خلال خطته المعلنة «حفظ ماء الوجه»، والتعويض على الحزب الجمهوري الخسائر التي لحقته في الانتخابات النصفية للكونغرس من جراء سياسات البيت الأبيض، ولكي يستطيع الانتصار في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهذا تماماً ما فعله الثنائي نيكسون وكيسنجر خلال حرب فيتنام وقبل انتخابات عام .۱۹۷۲ وهنا لا بد من الإشارة الى تقويم مستشار الرئيس الأسبق للأمن القومي بريجنسكي لخطة بوش الجديدة، الذي يقول: «يبدو المنهج بصورة عامة خاوياً من الناحية التكتيكية، وغير مفيد من الناحية الاستراتيجية...
طه ياسين رمضان «الجزراوي» ... تاريخ عريق في القمع والارهاب
مع قرب صدور حكم الاعدام بحق نائب رئيس النظام العراقي الاسبق البائد واحد كبار رجال دولة منظمة حزب البعث السرية الارهابية «طه ياسين رمضان الجزراوي» ستكتمل الدورة الاولى للاحكام التاريخية الصادرة بحق القيادات التي حكمت العراق طيلة اربعة عقود عجفاء كانت طافحة بالشعارات والصراعات والحروب والملاحم والفتن والتي لم تزل تتوالى فصولا محزنة في بلاد الرافدين التي تعودت عبر التاريخ ان تكون مسرحا حربيا وتراجيديا لمصارع وتدحرج رؤوس الطغاة وما اكثرهم في التاريخ العراقي بدءا من النمرود مرورا بولاة بني امية كزياد بن ابيه وابنه وكخالد بن عبد الله القسري وكالحجاج بن يوسف الثقفي، وولاة بنو العباس ثم المماليك وغيرهم الكثير وصولا لرعاة الغنم والشقاوات الذين تحولوا في غفلة من الزمان لسادة وحكام يهيمنون على موارد واسعة ويتحكمون بالستراتيجيات الاقليمية ويمارسون السياسة بعقليات التخلف والعصبية القبلية والتعصب الجاهلي ذي الخلفية العشائرية المريضة.
وطه الجزراوي هذا الذي ستتدلى جثته من حبل المشنقة العراقية لتضاف لجثث رفاقه وقادته في حزب البعث البائد وواحد من اكبر القادة البعثيين الذين لعبوا ادوارا خطيرة في لعبة الحكم والسلطة في العراق، وهو احد قادة ورواد مدرسة الارهاب البعثية في العراق فضلا عن كونه كان يمثل «جناح الصقور» في القيادة العراقية البائدة السابقة!.
رغم ان كل تلك القيادة الراديكالية والمتعاملة باساليب العنف الثوري ضد مخالفيها ومعارضيها كانت امام التحدي الخارجي قيادة فئرانية وجبانة تركت الشعب العراقي في ساحة المواجهة وفي لحظات الحقيقة لقدره ولاذت بالهروب لا تلوي على شيء، ليلقى القبض عليها اما في جحور الفئران او في مطابخ البيوت مثل طه الجزراوي نفسه!. والجزراوي الكردي الاصل الذي استعرب ليزايد العرب على عروبتهم وتنكر لاصله كان احد ركاب «البيك اب» الاميركي الذي دخل قصر عبد الرحمن عارف الجمهوري فجر يوم السابع عشر من تموز/يوليو ،۱۹۶۸ كما كان بحكم تكوينه العسكري المتواضع «نائب ضابط» في الجيش العراقي عضوا في المكتب العسكري لحزب البعث وتقلد رتبة «رائد» في الجيش بعد الانقلاب واصبح مسؤولا عن التعذيب والاستجواب والتحقيق في قصر النهاية، كما لعب دورا في القضاء على جماعة عبد الرزاق النايف في انقلاب ۳۰ تموز/يوليو ۱۹۶۸ عبر دوره في السيطرة على وزارة الدفاع.
وكان التاريخ العملي للجزراوي قد بدا مع حفلات التعذيب الشنيعة للمعارضين في معتقل «قصر النهاية» الرهيب بمعية الجلادين البعثيين من امثال ناظم كزار لازم وحسن المطيري وداود الدرة وسعد بن وحيدة خليل! وجبار لفتة وفرج الاسود وسالم الشكرة وسعدون شاكر وخالد طبرة وعمار علوش وفاضل الاعور! وغيرهم الكثير من عتاة الشقاوات والمجرمين البعثيين الذين عاثوا فسادا في اجساد وحرمات العراقيين.
وكان الدور الاول البارز له هو قيادته لميليشيا الحزب المسماة ب«الجيش الشعبي» اذ كان القائد العام له حين تشكيله رسميا في ۱۹۷۰ وفي العام نفسه صعد نجم الجزراوي في مجال القمع والارهاب السلطوي من خلال ترأسه لمحكمة «الثورة» القراقوشية الشكلية في قضية مؤامرة يوم ۲۰/۲۱ يناير ۱۹۷۰ المفبركة «التي كشف خفاياها جهاز المخابرات السوفياتية وتطوعت القيادة الشيوعية في العراق لنقل اخبارها لنظام البعث»! والتي ذهب ضحيتها حوالي ۶۰ شخصية سياسية عراقية.
وكانت احكام الاعدام تصدر من الجزراوي في دقائق و«على الماشي»! ومن دون توفير حق الدفاع ولا النقض ولا التمييز ولا اي شيء من الاشياء المتعارف عليها قانونيا فضلا عن عدم تأهيله القانوني والثقافي فهو شبه امي اذ ان «نائب الضابط» في الجيش العراقي السابق كانت معروفة نسبة الجهل الذي يعيش فيه؟ ومع ذلك فقد اصدر احكام الاعدام المعدة سلفا من قيادة الحزب ووقع عليها لتكون ضمن وثائق ادانته التاريخية التي لم توضح كل تفاصيلها للاسف امام الراي العام العراقي او تخضع لتدقيق التاريخ الذي لا يرحم فقضية «الدجيل» رغم بشاعتها هي واحدة من ابسط الملفات في تاريخ نظام البعث البائد وفي ملف طه الجزراوي نفسه!.
واستمر الجزراوي بعد مسيرته الدموية العاصفة في تبوأ المناصب التي لم تكن تتناسب ومؤهلاته فهو تارة وزير للصناعة!! وتارة وزير للشؤون الاجتماعية وطورا جلاد من جلادي السلطة فضلا عن قيامه بدور عسكري في قمع انتفاضة ربيع ۱۹۹۱ الشعبية التي اعقبت الهزيمة البعثية المروعة في الكويت وحيث قام من خلال قيادته للقاطع الاوسط من العمليات باعدام مئات الابرياء لمجرد انهم وقفوا في طريق الياته الزاحفة وكان يصدر احكام الاعدام بكل برودة اعصاب وصلف وعنجهية، والعجيب ان هذا الجزراوي كان من القيادات البعثية القليلة التي بقيت حتى النهاية في السلطة دون ان يفقد راسه في التصفيات والتطهيرات المستمرة التي اقدم عليها المقبور صدام وبطانته من ابناء العشيرة والاعمام، لكونه كان يتصف بقدر كبير من الخبث المعجون بالجبن.
فمن بقي مع صدام من قيادات الحزب كانوا جميعا من المشهورين بضعف شخصياتهم وبجبنهم وخوفهم من القائد الاوحد ومن نماذج القيادات التافهة كعزة الدوري وطه الجزراوي ولطيف نصيف جاسم وطارق عزيز ومحمد سعيد الصحاف وناجي صبري الحديثي! الذي اضطر لانبات شواربه خوفا من صدام الذي صرح بان الرجل الذي ليس له شوارب ليس برجل! وغيرهم من جبناء البعثيين من قيادات الصف الثالث التافهة من امثال صلاح المختار والمتنقلة بين صنعاء وطرابلس الغرب ودمشق وعمان؟.
وكان الجزراوي من المحسوبين في البداية على خط الرئيس الاسبق احمد حسن البكر ولكن بعد ابعاد البكر في انقلاب صدام الدموي عام ۱۹۷۹ تبينت حقيقة ولاء الجزراوي لصدام من خلال مساهمته الفاعلة في اعدام القياديين البعثيين ال ۲۱ المعروفين بمجموعة «محمد عايش وعدنان حسين» وهي المؤامرة المفبركة الاخرى التي جعلت من صدام الراية البعثية الوحيدة بعد ان انهى حزب البعث او بقاياه بالكامل متسلحا بمباركة مؤسس الحزب ميشيل عفلق!، فكان الجزراوي بذلك احد رجال صدام الذي لم يكن يتردد عن تنفيذ اي مهمة يكلفه بها مهما كانت مهينة ومنها بل من طرائفها تنفيذ امر مباشر من صدام حسين لطه الجزراوي للانقاص من وزنه بعد ان تضخم كرشه كثيرا!.
وفعلا فقد عاد الجزراوي رشيقا بعد ذلك! وهو القانون الذي عرف ب«قانون الرشاقة»! وفي ازمة غزو الكويت كان الجزراوي مبعوث سيده لقمة القاهرة وكان متصلبا لانه يعبر عن مواقف صدام فقط لا غير!، وهي مواقف مزاجية تتسم بقدر كبير من الغباء السياسي، وبعد هزيمة «ام المعارك» المؤلمة تفرغ الجزراوي وبقية القيادة البعثية للانفراد بالشعب العراقي وقمع انتفاضته الشعبية في ربيع ۱۹۹۱ وهي المهمة التي يحسن ادائها لخبرته الطويلة في دهاليز وسراديب منظمة البعث السرية في القتل والاعدام خارج منظومة القوانين، وهاهو ذلك الجلاد العريق يقف اليوم امام سجله وماضيه ويدفع ثمن جرائمه وتجاوزاته وان جاءت متاخرة بعد اكثر من اربعة عقود، وهو مصير كل الطغاة والمتفرعنين الذين نسوا الله فانساهم انفسهم . ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب.
انها سجلات حافلة لواحد من مجرمي البعث الارهابي البائد وستتبعها سجلات اخرى لمجرمين اخرين يبدو طريقهم مفتوحا لمشنقة التاريخ، ومزبلته، والتاريخ لا يرحم الطغاة، وتبقى المشكلة الاساسية في طريق الطغاة انه لا احد يتعظ...!.
* كاتب عراقي
المكتوب يُقرأ من عنوانه.. لا جديد مع رايس
فشلت سياسة الرئيس بوش في الشرق الأوسط فشلاً ذريعاً. فالشرق الأوسط الكبير أولاً، والجديد ثانياً، لم يريا النور. بل على العكس تماماً، فالعراق الذي أُريد له أمريكياً أن يصبح منطلق التغيير الديمقراطي في المنطقة تحوّل إلى ساحة عنف متصاعد، تختلط فيه الصراعات وتتفاقم، وتحصد معها آلاف العراقيين وعشرات الجنود الأمريكيين كل شهر. أصبح العراق مستنقعاً يستنزف الإدارة الأمريكية ويورّطها كل يوم أكثر وأكثر.
وتعقّدت بسبب ذلك ملفات المنطقة على الأمريكيين. فإيران تخصب اليورانيوم في تحدٍّ سافر للإرادة الأمريكية، وسوريا تناكف في العراق ولبنان وفلسطين، وحكومة لبنان المدعومة غربياً تواجه معضلة داخلية، والرئيس الفلسطيني الذي يحظى بالقبول الغربي أصبح له حكومة من حماس، والحكومة «الإسرائيلية» تئن تحت وطأة الهزيمة في لبنان، إضافة إلى قضايا الفساد الداخلية. أما دول الاعتدال العربي التي تعتمد على السياسة الأمريكية للإسناد، فقد بدأت تتذمر من تهوّر الإدارة الأمريكية وعجزها عن استيعاب تعقيدات المنطقة وما يتطلبه التعامل معها من ضرورة التحول في السياسات.
لم يكن الرئيس الأمريكي بوارد القبول بتوصيات التقرير لأنها لا تعبّر عن توجهاته وقناعاته، ولكن لم يكن بإمكانه أيضاً أن يتجاهلها بالكامل. لذا، في حين أعلن عن تغيير مضاد لما ورد في التقرير حول الاستراتيجية الواجب اتّباعها في العراق، أوفد وزيرة خارجيته في جولة في المنطقة لكسب الدعم العربي لهذه الاستراتيجية الجديدة.
وبما أن البحث عن تسوية للقضية الفلسطينية يتصاعد دائماً كلما وجدت الولايات المتحدة نفسها تمر في أزمة في المنطقة، فقد استُلّت هذه النقطة من تقرير بيكر-هاملتون ليتم من خلالها «ذرّ الرمال في العيون» العربية. الآن أصبحت رايس معنيّة بإنعاش «خارطة الطريق» التي ما أن أطلقها بوش قبل ستة أعوام حتى أدخلها بناء على رغبة شارون في حالة سُبات «الكوما». الآن عادت رايس فجأة وتذكرت أن الفلسطينيين يعانون وأنهم يستحقون إنهاء هذه المعاناة و«التمتع» بدولة.
ولكن على الرغم من أن هذا التذكر المفاجئ لم يكن في جعبة رايس خطة جديدة للإنعاش والتنفيذ. قابلت ليبرمان وليفني وبيرتس، وتباحثت مع عباس، وعادت للقاء أولمرت، وجابت العواصم العربية، وصرحت في كل مكان عن الاهتمام بإيجاد تسوية سياسية، ولكن لم يكن لديها خطة، فقد جاءت للاستكشاف والاستماع، وكأن هناك مستجدات سوى ازدياد الاستيطان «الإسرائيلي» والمعاناة الفلسطينية. ولكنها مع ذلك حصلت على تأييد عربي لاستراتيجية بوش الجديدة بشأن العراق، ووعدت في المقابل أن يزداد اهتمامها الشخصي بالبحث عن التسوية التي ما فتئت تنشدها الدول العربية المعتدلة، لتبرر بواسطتها سياساتها الداعمة لأمريكا.
واستبشر هؤلاء «المعتدلون» خيراً بإعلان رايس عن عقد قمة ثلاثية مع عباس وأولمرت خلال الأسابيع القليلة المقبلة. فالمهم تحقيق حراك «حتى لو كان شكليا» يُستدل منه أن المستقبل يحمل في جعبته «إمكانية إيجابية». أما الضمانات التي من الممكن أن يُستدل بموجبها على التفاؤل فهي لا تزال غائبة، ولكن لا أهمية لذلك، فالوعد من عند رايس مقبول ومأمول.
هل يوجد حقاً «إمكانية إيجابية» في التحرك الأمريكي الحالي بشأن تحقيق التسوية السياسية؟ إن كان المقصود ب«الإمكانية الإيجابية» تحقق المطالب الفلسطينية بشأن إنهاء الاحتلال «الإسرائيلي» وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام ۱۹۶۷ «مع تعديلات طفيفة متبادلة» وحل قضية اللاجئين وفقاً للقرارات الدولية، فإن هذه الإمكانية غير واردة في رؤية بوش أو تحول رايس. فالإدارة الأمريكية، كسابقاتها من الإدارات وربما أكثر، تتبنى المواقف «الإسرائيلية» وتُنسّق سياساتها في هذه المسألة بالكامل مع «إسرائيل». لذلك لا يتوقع منها على الإطلاق أن تمارس أية ضغوط فعلية على الحكومة «الإسرائيلية» لجعلها تتبنى مواقف لا تريدها.
بالتالي فإن التحرك الأمريكي الحالي لن يخرج في إطاره عمّا تقبل به «إسرائيل». و«إسرائيل» تقبل الآن بعد أن شارفت على إنهاء إقامة جدار العزل داخل الضفة بحل انتقالي طويل الأمد، وفقاً لما حدّده شارون سابقاً، يقوم على أساس انتقائي تحتفظ «إسرائيل» من خلاله بما تريد من أراضي الضفة المفرغة من السكان، ويعطي للفلسطينيين البقايا المكتظة بالسكان.
هذه البقايا تُشكّل دولة الحدود المؤقتة المحصورة داخل الجدار. إن قبل الفلسطينيون والعرب بذلك ستستمر رايس في جولاتها المكوكية في المستقبل لإنهاء «الصفقة». عدا عن ذلك لن يكون في جعبة الوزيرة الأمريكية أية «إمكانية إيجابية».
هل يجب على الفلسطينيين والعرب الموافقة؟ بالتأكيد لا، فالأزمة الأمريكية في المنطقة خانقة، والعرب إن تكاتفوا وتشجعوا يمكنهم الاستحصال على أكثر من الحد الأدنى الذي تطرحه «إسرائيل». في هذا السياق يُفترض بالفلسطينيين والعرب التصميم على عدم القبول بالحلول الانتقالية كهدف، حتى ولو كان مرحلياً من جهة. ومن جهة أخرى عليهم أيضاً رفض العودة إلى عملية المفاوضات وفقاً لطريقتها القديمة «المراحل المفتوحة وغير المتوالية أو الملزمة».
بالمقابل، عليهم التشديد على طرح المبادرة العربية كأساس للعملية التفاوضية، والإصرار على أن يتم الاتفاق الواضح والصريح والمعلن على النتيجة النهائية للعملية التفاوضية، قبل أن يتم الغوص في تحديد آليات ومراحل عملية التسوية السياسية. على الفلسطينيين والعرب كي يحققوا الهدف أن يتشبثوا بضرورة إعلان «إسرائيل» قبولها بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والسيادية، ومن ثم الدخول معها في مفاوضات لتحديد الآليات والأدوات والجداول الزمنية لتحقيق هذا الهدف.
أما إن قبل الفلسطينيون والعرب بالعودة إلى نفس المسار التفاوضي السابق، المفتوح على مصراعيه، فإن رايس، ومن ورائها بوش وأولمرت، سيأخذون الفلسطينيين والعرب في «نزهة» جديدة. وللأسف، على الأغلب أن هذا ما سيحصل فعلياً، وسينتهي الأمر بتبرير القبول بالدولة ذات الحدود المؤقتة التي ستصبح مع مرور الوقت حدوداً دائمة. ولكن ما يجب الانتباه إليه أن مثل هذا «الحل» لن يجلب الاستقرار والأمن للمنطقة، بل سيؤجج صراعاتها ولو بعد حين.