السنة التاسعة - العدد۲۵۲۹- - الخميس۱۸جمادى الاولى۱۴۲۷ -۱۵/۶/۲۰۰۶
شعر و ادب
Adab.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
شعر و ادب
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
استراحة
اقتصاد
رياضة
الاسرة
منوعات
الأرشيف
RSS
«المقامر» لدوستويفسكي؛ آخر شعراء التوتر الدائم
في العام ۱۹۱۶ حين أعلن الموسيقي الروسي سيرج بروكوفييف «۱۸۹۱ «۱۹۵۲ - امام أصدقاء له انه ينوي تلحين نص أوبرالي مقتبس من رواية «المقامر» لمواطنه الكبير دوستويفسكي، سخر منه الأصدقاء متسائلين باستنكار كيف يمكن لنص شديد الجوّانية، يقوم على صراع فرد مع إدمانه القمار، ان يتحول الى استعراض غنائي؟ بيد ان بروكوفييف، الذي كان في الخامسة والعشرين من عمره في ذلك الحين ويستعد للقيام بتجديد موسيقي كبير وقد أدرك ان القرن العشرين في حاجة الى مثل هذا التجديد، لم يأبه باحتجاجات الرفاق، وأنجز عمله خلال شهور قصيرة، ليقدم... لكن الفنان عاد بعد ذلك بعشرة أعوام ليحدث تعديلات في العمل، ولكن على ضوء مستجدات التحليل النفسي الذي كان خلال ذلك، التقط رواية دوستويفسكي تلك واشتغل عليها تحليلاً.
رواية «المقامر» هذه، التي أثارت اهتمام ذلك الموسيقي الشاب، وأساطين التحليل النفسي، تعتبر على اية حال، من اكثر روايات دوستويفسكي ذاتية، حتى وإن كنا نعرف ان الجزء الأكبر من كتابات صاحب «الجريمة والعقاب» كان مستقى من تجارب عاشها بنفسه، او من تجارب آخرين تناهت الى علمه. فالحال ان الطابع الذاتي في «المقامر» لا يخفى على احد. إذ ان قراء دوستويفسكي والمطلعين على سيرة حياته يعرفون ولعه بالقمار الذي جعله يخسر معظم ما كان يجنيه من مال. بل لم يكن واحد من دارسي حياة دوستويفسكي مخطئاً حين قال مرة ان تاريخ الأدب وتاريخ الإنسانية يدينان الى القمار نفسه بمعظم ما كتبه هذا الروائي الروسي الكبير. لماذا؟ لأنه اذ كان يخسر في القمار على الدوام، كان يضطر بعد كل خسارة كبيرة الى كتابة رواية ينشرها مسلسلة في المجلات كي يقبض ثمنها يعيش به لفترة او يأخذه معه الى طاولات القمار. وهكذا، كتب عدداً من أروع أعماله.
غير ان ما يحلو لنا، نحن هنا، اعتباره فضلاً للقمار على ادب الرجل، إنما كان عبئاً عليه في حياته. وهو اذ كتب «المقامر» في العام ،۱۸۶۶ فإنما كتبها لكي يعبر عن ذلك العبء، معرياً نفسه وإدمانه. لكن الرواية لا تتوقف في الواقع عند هذا البعد. فالأحداث فيها متشابكة ومترابطة، قماراً او خارج القمار، بحيث انها تشكل في مجموعها وفي نهاية الأمر صورة لحياة دوستويفسكي وهو في الخامسة والأربعين من عمره، ولأفكاره وإحباطاته، بل حتى لبعض العواطف التي عاشها والتي عبّر عنها - عرضاً - في ثنايا هذه الرواية.
في شكل مباشر تروي «المقامر» حكاية تلك التجربة الشخصية التي عايشها دوستويفسكي خلال رحلة قام بها الى الخارج. وهي تجربة أفلسته وأعادته الى بلده روسيا خائب المسعى مثقلاً بالديون... ولكن بالإحباطات ايضاً. في الرواية أعطى الكاتب بطله اسم ألكسي ايفانوفيتش، وجعله الراوية الذي يحكي لنا تفاصيل التجربة وحكايتها بصيغة المتكلم، ما يجعلنا، نحن القراء، نسبر أغوار حكايته وعواطفه في شكل مباشر. فمن هو ألكسي هذا؟ انه في الرواية معلم يشتغل لدى جنرال اعتاد بين الحين والآخر ان يسافر استجماماً الى الخارج حيث يقيم لفترة في مدينة متخيلة تدعى روليننبورغ «من «روليت» طاولة القمار الرئيسية كما نعرف.» وخلال الرحلة يقع ألكسي في غرام سلفته. وهذه السلفة المدعوة بولين تعامل ألكسي بقدر كبير من غرابة الأطوار مبدية كل نزواتها تجاهه. وذات يوم يحدث لألكسي ان يشعر بالحاجة الى لعب القمار في الكازينو، فتعطيه بولين مبلغ ۷۰۰ فلورين طالبة منه ان يلعب لها على طاولة الروليت. هنا، في البداية يلعب الحظ لصالح صاحبنا فيربح أول الأمر. لكنه ومثل كل مقامر مدمن، لا يكتفي بما حقق حتى تلك اللحظة من أرباح، بل يتطلع الى ان يلعب المزيد، لعل الحظ المواتي له يعطيه المزيد من الربح... فيلعب ويلعب حتى تكون النتيجة الحتمية: يخسر كل ما كان ربحه وما كان معه اصلاً. فيفقد رشده ويدخل في جو من الهذيان التام. في تلك الأثناء، يكون الجنرال محاطاً بشخصين مقامرين هما ديجرييو وبلانش، الرجل والمرأة اللذين ينتظران بفارغ الصبر، الاحتيال على الجنرال لنيل نصيبهما من إرث من المفترض ان تتركه له عمة مريضة. لكن الذي يحدث في شكل مفاجئ هو ان العمة تصل الى المدينة من دون سابق إنذار... تصل لكي تلعب القمار بدورها. فهي الأخرى مصابة بإدمانه. وهكذا، على غير المتوقع، تخسر العمة خلال بضعة ايام الجزء الأكبر من ثروتها. وإذ يرى المقامران، بلانس وديجرييو هذا يهجران الجنرال تاركين اياه لمصيره. بيد ان هذا لا ينهي الحكاية، بل يكون بداية تعقيدها. إذ، في شكل مفاجئ، يعود ألكسي ايفانوفيتش الى طاولة القمار ليربح هذه المرة ثروة طائلة. ولكنه هذه المرة ايضاً - بسبب بولين التي يدفعها كبرياؤها الى إفساد كل شيء، كما بسبب بلانش التي تعود الى التدخل من جديد - يعود ألكسي ويخسر هذه الثروة الطائلة الجديدة. ويفلس من جديد ويتحول الى مقامر محترف لا يمكنه ان يبارح طاولة القمار ويسعى بكل طريقة ممكنة او غير ممكنة للحصول على مال يلعب به. وإذ يثير ألكسي شفقة معارفه، نراه هو لا يبالي بذلك. بل حين يدنو منه مقيم انكليزي هو آستلي محاولاً إنقاذه عبر إعطائه مبلغاً يمكنه من العودة الى وطنه، يرفض رفضاً تاماً. فهو لم يعد في وسعه ان يترك طاولة القمار ابداً.
لعل أقوى ما في هذه الرواية، إضافة الى تمكين دوستويفسكي إيانا من التسلل الى داخل نفسية المقامر، وأحلامه وخيباته، وأفكاره التي تمزقه ليلاً نهاراً، بين التوقف عن جنونه هذا، أو المواصلة حتى الخراب التام «وهو صراع لا يمكن ان يدركه إلا من مرّ حقاً في التجربة»، أقوى ما في «المقامر» اذاً، هو ذلك الوصف المسهب والجنوني الذي يرسمه دوستويفسكي لصالة القمار والأشخاص المتحلقين حول الطاولات فيها. انه وصف واقعي، بل هيبر - واقعي، يتسلل الى عمق أعماق البشر وسطوح الطاولات والجدران والكرة التي تدور وتدور، والأرقام التي توصل اللاعبين الى التأرجح بين اقصى درجات الشاعرية، وأقصى درجات الجنون. اما الوقفات الأهم في الرواية فهي، بالطبع، لحظات التوتر الكبرى حين يبدو العالم، في نظر اللاعب، معلقاً بملميترات تدور فيها الكرة على سجيتها حتى تقف عند رقم قد يحمل السعادة للاعبه وقد يحمل التعاسة... ويقول لنا دوستويفسكي هنا بكل وضوح، وعلى رغم انه مقامر يكاد يكون محترفاً هو الآخر، ان حظ التعاسة اكبر من حظ السعادة بكثير. والحال ان ثمة من بين دارسي هذه الرواية من توقفوا مطولاً عند شخصية العمة وولعها بالقمار اكثر كثيراً مما توقفوا عند شخصية ألكسي نفسه. فالعمة، بسبب إدمانها اللعب في هذه الفترة المتأخرة من حياتها، تبدو - على رغم خسارتها - وكأن القمار كان إنقاذاً لها من شعور بالموت محتم. القمار أعطاها سبباً للعيش ما كان ليخطر في بالها أول الأمر... ولكنه واتاها انطلاقاً من هوايتها الجديدة، التي لم تفقدها، هي شيئاً، بل ادت الى حرمان وريثها من إرثها.
إذاً، كما أشرنا، انطلق دوستويفسكي في كتابة «المقامر» من تجربة شديدة الشخصية، لكنه عرف في الوقت نفسه، كيف يفتح ادبه وسرده الروائي المدهش على العالم كله، على نزوات هذا العالم وجنونه، في شكل يجعل القارئ يحس ان لحظات التوتر في اللعب هي القاعدة في الحياة. اما ما عداها فهو الاستثناء. وما يقال عن «المقامر«۱۸۶۶» » هنا يمكن ان يقال طبعاً عن عالم دوستويفسكي الروائي كله. هذا العالم الذاتي وإنما المطل على موضوعية الكون في شكل يجعل الذاتي والموضوعي لدى هذا الروائي الروسي الكبير، شيئاً واحداً في نهاية الأمر.
ابراهيم العريس
نظرة في القصص الشعبي الفارسي «۳-۴»
فوائد ونتائج مطالعة القصَص الشعبي

إذا لم نعتبر القصص الشعبي جزءاً من أدب اللغة الفارسية الواسع- رغم أن بعض ذلك القصص ولاسيما المتقدّم منه ذو قيمة أدبية رفيعة جداً- فهو وبدون شك يحتلّ قسطاً من ثقافة عامة الناس وفلكلورهم. واليوم تبدو المطالعة في مجال الفلكلور الشعبي إحدى أهم العلوم الاجتماعية والبشرية، لاسيما في بلد مثل إيران، حيث غابت عنه العناية بشرح حياة الناس البسطاء وتوصيفها.
وتشتد أهمية هذه القصص كونها تشكل نبعاً فيّاضاً من أجل كسب الاطلاعات في مجال الحياة الاجتماعية للشعب الإيراني، ورصد آدابهم وعاداتهم ورسومهم وسننهم.
نعلم اليوم أنه في مقابل كل علم رسميّ معاصر ثمة علم شعبيّ شائع بين الناس، حتى أنه في الأيام السابقة كان الجانب الوهمي والخرافي لبعض العلوم يفوق جانبها العلمي والعقلي، وأن بعض العلوم، كالنجوم مثلاً، كان يعجّ بأكمله بالوهم والخرافات. وعلى كل حال ففي مقابل الطب الرسمي هناك طب شعبي، وفي مقابل الهندسة والرياضيات والنجوم الرسميّة ثمة هندسة ورياضيات ونجوم شعبية، وكذا الحال في باقي العلوم.
في مجال الأدب أيضاً نجد أنّه في مقابل الآداب الرسمية لكل أمة - أعم من المنظوم أو المنثور - هنالك آداب شعبية، وبين الشعب ثمة شعراء كانوا يشتغلون بحرفة ومهنة معينة، لكنهم في أثناء ساعات فراغهم كانوا ينشدون شعراً خطابياً، ولكن اسم هؤلاء الشعراء لم يَرِدْ في أي كتاب أو تذكرة رغم أن هؤلاء كانوا مشهورين بين الخطباء وعامة الشعب ممن كان يمتلك ذوقاً رفيعاً في الخطابة والإصغاء.
لذا، فإنه وبكل جرأة يمكن القول إنه في مقابل أسلوب الخواص ثمة أسلوب خاص بالعوام، وقبل أي تصنيف أو تفصيل في علم الأساليب يجب الإشارة والتمييز بين هذين القسمين المتمايزين.
لكن للأسف ففي كتب علم الأسلوبية والسبك الأدبي المعتبرة لا نكاد نرى أي ذكر لأسلوب العوام رغم أنه لا يوجد أي أديب من أدباء اليوم - رغم براعتهم وقدرتهم البيانية - إلا ويُفتن أمام عدة سطور من قصة كسمك العيار أو داراب نامه.
علاوة على ذلك فإن تقنية بعض هذه القصص يكاد يضاهي أسلوب أفضل قصص الكتّاب الأوربيين وأهمها؛ فقصة سمك العيار عبارة عن رواية كاملة لا تكاد تحوي أدنى عيب، وأسلوب القص فيها لا ينتابه أدنى نقص، فليس هناك أدنى حركة تغيب عن نظر الكاتب، ولامن حادثة تعرض عبثاً، وليس من مقدمة بلا نتيجة، حتى أن بعض القضايا التي تعرّض لها الكاتب في أول القصة قد قدّم نتائجها في نهايتها.
إن مؤلف «سمك عيار» قد اعتمد أسلوباً ما يزال يتبعه كبار كتاب القصة المعاصرين، فقد أدخل نظراته الأخلاقية والاجتماعية عبر سطور القصة دون إشعار القارئ بأدنى ملل أو ضجر، الذي غالباً ما ينشأ نتيجة انشغال الكتّاب بالوعظ وتقديم العبر بشكل مباشر.
لهذا فالشخص الذي يمتلك استعداداً في الفن القصصي، وأوقف ذوقه وقريحته لخدمة هذا الفن، فإن مطالعته للقصص الإيراني ستكون له مفيدة، وفي أغلب الأحيان ستكون مورد إلهامه، وستفجّر أمامه ينابيع الابتكار، إضافة إلى كونه في ذلك يبقى محافظاً على خصائص القصص الشعبي.
إن المؤلف الذي يتبع أسلوباً غريباً في كتابته لم يفعل أيّ شيء مهم، حتى ولو خلا عمله من أي عيب أو نقص. إن المهم هو أن تكون القصة ذات قيمة أدبية رفيعة علاوة على كونها «إيرانية»، وعلى أي قارئ سواء أكان إيرانياً أم غير ذلك أن يدرك خصائصها الشعبية الإيرانية. وحتى يكون ذلك كذلك فأي سبيل أمامنا سوى مطالعة القصص الشعبي الإيراني؟
أما النتيجة الأخرى التي يمكن جنيها من مطالعة القصص الشعبي الفارسي فهي تحصيل معلومات واطلاعات حول علم اجتماع التاريخ الإيراني، إذ أنه للأسف ليس لدينا في هذا الباب أي سند عن ماضينا، فكتب التاريخ الإيراني لا تتضمن أي اطلاع عن هذا، ولو أنه وردت فكرة حول هذا فغالباً ما تكون على شكل جملة معترضة أو على سبيل الاستطراد، وذات منحى فرعياً وطارئاً.
وبغضّ النظر عن الأشياء المتبقية عن القرون السالفة كالرسوم والنقوش والعمران، فإن المصدر الوحيد الذي يقدّم لنا اطلاعات مهمّة في هذا الصدد هو القصص الشعبي.
إن القصص الشعبي ينبع من حياة عامة الناس، لهذا فارتباطهما غير قابل للانفكاك، ولذلك فمن خلال هذا القصص يمكن الإحاطة بآداب الناس ورسومهم، شكل لباسهم وغذائهم وضيافتهم، كيفية تعامل الطبقات الاجتماعية المختلفة مع بعضها البعض وسلوكهم، منازل الفقراء والأغنياء، آداب الزيارة، أدوات الحرب والصراع، وسائل العيّارية، أساليب الغزو، رسوم المراسلة وكيفية استقبال السفراء والرسل وغيره.
علاوة على ذلك فثمة آداب وعادات ورسوم لاترتبط بشكل مباشر بالقصة. ولعل هذا النوع من الاطلاعات مهم جدّاً، فمثلاً، في العصر الصفوي يبدو أن تدخين النارجيلة والرشوة والارتشاء كان شائعاً بين أعضاء الحكومة، وهذا الفساد قد شمل حتى العيارين الذين يجب أن يكونوا مثالاً للزهد في أموال الدنيا والطمع بكنوزها.
إن عمرو أميّة - عيّار الأمير حمزة في سيرة حمزة البهلوان أو رموز حمزة- لا يخطو خطوة دون أجر، ويقبض الذهب من العدو والصديق، ويأخذ ضريبة من العدو حتى على لحيته وشاربيه، وعند نجدته لأحد الأصدقاء يقبض منه أجر مشيه، وفي ميدان الحرب يخطف الأسلحة المتكسّرة من صراع الأصدقاء والأعداء ويضعها في كيسه الذي لا يملأه حتى كنز قارون.
علاوة على ما تقدّم فإننا نجد في هذا القصص ذكراً لأسماء الكثير من المناصب العسكرية والمقامات والرتب والوظائف التي تُمنح في بلاط الملوك؛ ففي قصة «رموز حمزة» يتولّى عمرو بن معد يكرب سبعة عشر منصباً في البلاط، في حين نجد أبطالاً آخرين يتولون وظيفة الحجابة وآخرين الحراسة، ومجموعة تتولى أمور فرقة المراسم والإيقاع، وأخرى تتعهد أمور المطبخ الملكي.
إن التاريخ التقريبي لبعض الرسوم والآداب الشعبية لا يمكن تعيينه إلا عبر الاستعانة بهذا القصص.
في «اسكندر نامه» ثمة مشهد لمناظرة بلاغية بين مِهْتَر نسيم عيّار الاسكندر ومهتر مزدك عيّار هيكلان فيلتن، هذا المشهد يدلّ على أن المناظرات البلاغية كانت موجودة في العصر الصفوي، وأن رسومها وقواعدها واضحة. كذلك هناك العديد من رسوم الزهد والتصوّف والدروشة التي لا يمكن رؤيتها إلا في القصص الشعبي من مثل تصوّف لندهور بن سعدان وأنصاره في قصة رموز حمزة.
ومن ذلك أيضاً شيوع استعمال الأفيون والبنج والترياق في العصر الصفوي، وهو ما يعكسه القصص الشعبي ولاسيما قصّتيّ «اسكندر نامه» و«رموز حمزة.»
علاوة على ما تقدّم فإنّ مطالعة القصص الشعبي يعرّفنا على القصة الأصلية من سواها، كما يعرّفنا على أقدم منشأ لكل قصة. ومع أن عناصر التاريخ والزمان والمكان لا يمكن تحديدها بدقة في هذه القصص إلا أن أصول علم الأسلوب وقرائن أخرى قد تساعدنا في معرفة التاريخ التقريبي، وتقدّم أو تأخّر القصص، علماً أن تعيين هذا التقدّم والتأخّر مفيد جدّاً لمعرفة كيفية تحوّل وسير فنّ القصة وتطوره، وكيفية رواية قصة واحدة في أزمنة مختلفة.

تعداد القصص الشعبيّ

إن تعداد الحكايات الشعبية الفارسية غير معروف بشكل قطعي، ولعلّ كاتب هذا المقال قد أحصى ۱۶۳ قصة، بعضها عبارة عن روايات متعددة لحكاية واحدة. ولكن من المؤكد أن تعدادها الحقيقي قد يصل إلى ضعف العدد المذكور.
إن كثيراً من الحكايات تلك لم يبق منها إلا اسمها، وثمة نسخ منها ما زالت تقبع تحت الغبار على رفوف المكتبات.
لكن لابدّ من الإشارة أولاً إلى أن مقدار الكتب التي طبعت قليل جدّاً مقابل الكتب التي لم تطبع بعد. وثانياً ربما كان الكثير من هذه الحكايات يقبع في المكتبات الخاصة، ولمّا يصل حتى اسمه أو عنوانه إلى أسماع المحققين، فعلى سبيل المثال أنني اشتريت يوماً كتاباً عتيقاً وناقصاً ومشوّهاً من إحدى المكتبات، وقد كان عبارة عن قصة لم أسمع باسمها إطلاقاً، ولم أتعرّض يوماً لأيّة علامة أو ذكر لها في فهرست المخطوطات، فبطل هذه الحكاية موسوم ب«ملك خسرو بياباني»، وربما كان هذا اسم الحكاية، وسيرته تختلف عن سير أغلب أبطال القصص الشعبي، ويبدو أنه ابن تاجر، حيث تعترض حياته الحوادث والطلاسم بصورة تختلف عن باقي مثيلاتها في الحكايات الأخرى. وبدون شك فإن ثمة كتب ونسخ مماثلة لهذه الحكاية تتناثر في جوانب إيران وأرجائها، لذا فمازال هناك متسع من الوقت اليوم من أجل تعيين التعداد الحقيقي للقصص الشعبي. فما دامت الجهود قاصرة والمخطوطات - الخصوصي منها والعمومي - لم تجمع بعد في مكان واحد، والروايات الشفهيّة لم تدوّن، فمن غير الممكن الحديث عن عدد صحيح في هذا الصدد.
نقاط الضعف في القصص الشعبي:
علاوة على المصائب التي جرّها أصحاب دور النشر والمؤلّفين غير اللائقين على هذه الحكايات، فثمة نقاط ضعف أخرى، فالحكايات القديمة التي تمتعت بنقاط قوة أعم من قوة الحبكة والفصاحة ودقة نظر كتّابها وقدرة بيانهم، قد انحطت وانحدرت بمرور الأيام، فأقدم حكاية شعبية فارسية موجودة وهي «سمك عيار» تعد الأقوى والأجمل، أمّا «أبو مسلم نامه» و«داراب نامه» اللتان تعدّان تاليتان زمانياً فتبدوان أضعف.
إن الحكايات الشعبية التي طبعت ليس لها عمق تاريخي موغل، فتاريخ تدوين أهمها لا يتجاوز حدود العصر الصفوي ما عدا بعضها نظير «تيمور نامه» التي دوّنت في زمن أسبق. ولعلّ أغلب الحكايات الفصيحة والمهمة لم تطبع بعد، من أمثال قصة «فيروز شاه» وقصة «قران الحبشي» و«قهرمان قاتل» و«أبو مسلم نامه» وغيرها.
ويبدو أن الضعف في الفن القصصي كان يزداد مع مرور الأيام والتاريخ، فالقصّاصون الجدد ليس لديهم أي هدف أخلاقي واجتماعي ومعنوي سام، ولا يبدو في قصصهم أي مظهر لروح السموّ والرفعة والإنسانية والمروءة والقيم التربوية والتعليمية؛ فقصة سمك العيار تحوي آلاف الملاحظات والمسائل الهامة في حين تبدو قصّتا «رموز حمزة» و«اسكندر نامه» وكأنهما ألّفتا للتسلية الصرفة وملأ الفراغ، ففيهما تكرار ممل ومزعج.
إن البيغمي مؤلف «داراب نامه» كلّما أرسل بطلاً إلى الميدان فإنه يفصّل تمام جزيئات سلاحه ولباسه بكل دقة، وهذا الأمر يتكرر حتى ولو نزل ذاك البطل مئة مرّة إلى الميدان. كذلك هو الحال في قصة «أبو مسلم نامه»، بل إن هذا التكرار الممل والخانق يفوق نظيره في «داراب نامه» إلى حدّ أنه لو حذفنا الظواهر التكرارية والأوصاف المتشابهة التي تتكرر كثيراً دون أي تغيير، فإن حجم القصة يهبط إلى ما دون حجم ثلثها.
ويبدو أن كاتب الحكاية يروي يومياً قسمة لمستمعيه، لذا فإن هذه الجوانب التكرارية التي كانت تمتزج مع حركات القصاص لم تكن لتبدو مملّة، ولكن حينما دوّنت هذه العبارات المكررة، واحتلّت مقداراً كبيراً من الصفحات، فإنها في الطبع ستكون سبباً في إعراض القارئ وملله.
أما نقطة الضعف الأخرى في هذه الحكايات فتتمثل في الأخطاء الفنية، وهي أخطاء تزداد مع مرور الأيام، ففي قصة سمك العيار قلّما ترد حادثة أو واقعة دون هدف، أو تذكر عبارة دون فائدة، أما في رموز حمزة فالبطل يقتل عدّة مرّات ومن ثم يعود إلى الميدان، حتى وكأن الكاتب يتعمّد هذا العمل.
ويبدو أن علّة هذا الأمر هو أن النسخ المدوّنة لهذه الحكايات قد جمعت عن روايات متفرقة دون مقارنتها مع بعضها الآخر.
من جهة أخرى فإن الكذب العجيب والإغراق العجائبي والمضحك والبعد الكبير عن الوقائعية، هي بعض خصائص الحكايات المتأخرة، فمثلاً في «رموز حمزة» و«اسكندر نامه» يتدرّج وزن دبّوس وعمود الأبطال من سبعمائة رطل حتى سبعة آلاف رطل.
د. محمد جعفر محجوب