|
كما لو أني أتيت
|
|
|
|
قصية قصيرة.. قصة قصيرة..
|
|
|
|
|
|
|
كما لو أني أتيت
ألف.. باء
يا أبجد
من علّمك الحرف..
.. فخطّيت الكلمة
وأرّخت لنفسك سطراً من صحبك
حتى تنتهي الشلة.. بأسماء من حجر...
لم أجد المعجم في كلماتك
أو لم أصدفك هناك
فمن أنت يا ذا الأحرف..
كي تنشئ ذاكرةً تحفرنا فيها..
ونحفرها..
وسعاري نحوك..
أن أنزف قطراتي حبراً..
في بحر ورقي أبيض..
حتى يتلوث هذا العالم..
أدنس فراغ بياضكم جميعاً...
بنتاجي
وأبقى أنا خالد...
عينيّ..
ثقب محفور في تاريخ أنشأته
بئر... أرسل فيها دلواً ينتشلك..
فإذا ما عدت..
تخرج مني... للمستقبل..
ويكفيني معرفتي إخراجك من جلدي..
لأعيدك..
وأشكّل من أصحابك ما أنوي..
موت... وولادة
وكل «البين» المتوسّد بين الحرفين
تاء... واو
وما بعد الواو تجيء الأشياء الأخرى
فلا يمكن أن تنهي جملتك بواو تعطف...
متطلبةً.. كلمة..
ولا يمكن أن تنهي سطراً..
ما يأتي في ما بعد..
أنشده أغنية خلود..
أبجد.. هوز..
.. حتى ضظغ....
كوّني من هذي الأحرف
الكاف
كأني أتيت...
وقفت كما الظل في الهاوية
وكل النوافذ تبصق نوراً
كأني أتيت...
وحدّ السماء ارتطام موج
وبعض السبايا يخضن شعري
كأني أتيت...
كما الشريد على الطريق..
أبيت بلا شجر ليأويني
ولا نار تدفئني
لأحتمي من الوجع
بآلامي... وصورتك
أنا الجريح
كما لو أني أتيت..
طوقني بسكينك
۲۰۰۴
أيار ۲۰۰۱
هذي المرايا تتخلل العينين في صمت
بين الكؤوس تدور قهوتنا وحيدة
وكلما نظرت نحو حبيبتي الأولى
ضاعت لحظاتنا في زحام الراقصين
وكلما لامست وجهي بصورتها
تاهت الكلمات في ماض
هذي المسافة تمتد في سعة
سعة الطرق تحويني
لكنها.. أقصر
ولا تكفي لعذر أقدمه
على طبق من الفستق
سأبقى الآن منزوياً..
كالسلة الحمراء..
أو منفضة السجائر
وحدي أنا
الآن.. هنا
أيار ۲۰۰۱
دوران
أنا لن أعرف بعد اليوم..
كيف سأفهم من بين حديثك كلمة
أنا لن أعرف..
وسأبقى وحدي أجلس في هذي الغرفة
أشرب فنجان القهوة
وألعب بسجائرك.. وأدخنها
وأحصي عدد المرات التي فيها أذكرك...
.. كم مرة
أنا لن أعرف بعد اليوم..
إن كنت ستأتيني بغد..
.. نشرب النسكافيه مواجهة
.. تستعيرين سجائري لتدخنيها
.. تبكين وتبكين..
.. تحكين.. تضحكين.. تضربيني و تبكين..
أتناول الليبراكس وتبتلعين الفاليوم.
أنا لن أعرف..
أنا لن أعرف أبداً..
فافعلي ما شئت.. وأخبريني..
كي أفهمك هذي المرة..
وأعرفك..
وسط العتمة
ودخلت
كان الباب المغلق خلفي...
سيغلق أيضاً لو لم أدخل..
ودخلت
كان الركن صغيراً... و جلست
للخشبة رائحة من دمع عطيل...
ودم قيصر
أسود... أسود...
نقطة ماء تغرق في بحر
ألكل وردة...؟
للعمّ... و للملكة..
ولهملت أية وردة...
ثوبك علق بطرف الماء
فاحترسي... أم أنك... ستغنّي
سأسبح في هذا العالم...
حولك يا هملت
۷-۳-۲۰۰۰
زورقان
حين الإشارات كلها تشير للغرب
ليسا ذاهبين للحرب
حين الدروب تؤدي كلها لروما جديدة..
ليسا ذاهبين للحرب
حين المعابر تضاء بالأخضر..
والموت طريق سريع باتجاه واحد
ليسا ذاهبين للحرب
فلا وسع بين الأساطيل
ولا قطرة تخلو لنا فنبحر..
ليسا ذاهبين للحرب
نحن المستكشفون الصغار في عصر..
لم تبق فيه ذرة لم تكتشف
سفيننا ورق..
وشراعنا خرق..
فدمرينا يا ريح بالأساطيل الحديدية
لنبحر من جديد..
نبحث عن جديد يكتشف
ذاهبين للحب..
.. معاً..
المهند حيدر
|
|
|
|
|
مقبرة الدوّب
قصية قصيرة.. قصة قصيرة..
«وتفتح قلبي في الماء...بكل المسك وارسلت يدي الى الاعشاب المدفونة، فالتف الشبق الوردي لماء الليل عليها واختمرت لغة » لأوقات المد المتشح بأردية الغسق الدامي وقع اتساع الاصداء، التي ما انفكت تتجاذبه، اصداء تزخر بهمهمة غامضة، وانين مخنوق، ومتداخل يدثر الذاكرة برؤى موحشة تغرقه في مجاهيل خالها خلجانا شيطانية، تنفرط النبرات من عقد اصدائها، وما تلبث ان تتحول الى ايقاعات وئيدة «هولولولولولو هو لو يا الله».. يحس بدوامات الهواجس تلوح عبر خطاه المتعرجة تعصف به عواءات ظن انها تنبعث من بواطن مكامن مجهولة، ايقظت في ثنايا روحه لوعة اطياف غامضة. خرج من زوايا غرفته الطينية يغلفه المساء الحزين، يزحف بخطى منفلتة تنطمس بين ثنايا ارض لها انتفاخات رخوة يلج غرفة امه، وبصمت تشرع ذراعاه الضامرتان اللتان غمرتهما الاوشام، تعبث في ثنايا المحمل الحزين، شعر بعطونة ذكريات بعيدة وهي تهطل فوق اسيجة النجوم المفضضة التي يزخر بها غطاء «المحمل»، تغيب رؤاه خلف خانات تخبو بين جنباتها عدد مصرورة جرفته اليها نداءات ايقظت فيه غفوة الروح، التي اخذت تغلفها الرؤى ببقايا حنين مترسب في قرارة نفسه.
في البدء لم يكن يدرك سر بواعث تلك الاصداء التي ما برحت تتردد فوق كتل التخوم الواهية، لكنه افترض ان الاصداء هي مجرد نبرات طغت عليها «الزيران» ذات الايقاع الموتورة. الا انه في برهة اخرى حسب ان مكامن انبعاثها الحقيقية هي تلك الدار التي قيل ان فضاءات اروقتها مترع للاشباح.
تمادت اذرع المد بارتفاعاتها المتصاعدة عبر المنحدرات تحاول جاهدة الوصول الى اخر معاقلها، انحدر بزورقه تجاه مقبرة«الدوّب» الغرقى التي استباح المد سطوحها المعشبة، فكر ان السنة المويجات المتهادئة جعلت الحياة تدب بهياكلها، عادت اليه نداءاته باصداء متضخمة، عادت كما لو كانت خوارا او حشرجات جماعية تقذف بها اكف الموج من قرارة قيعان سحيقة«هولولولولوهولو يا الله..»
الا تتعب تلك الاصوات..؟
يا لرعونتي . ربما كانت اضغاث احلام. ودّ لو يستطيع رأب ذلك الشرخ الذي اعتراه، ترك ظله الموشوم على جسد المياه ارتعاشات قلقه، هز ازلاق«المردي» زورقه، وجعل جسده الناحل يململ.
كان بالمستطاع رؤية بقايا ظله المستفز وهو ينسفح عبر دوامات اخذت تنداح على غير هدى.
يا الهي انه بكاؤها.. هكذا اعلن..
هاهو يتناهى الى سمعه بوضوح عبر ضجيج الاصوات المتلاطمة كصدى رجع بعيد، ظل مصغيا ينصت من دون ان يلتفت الى شيء. مثلت رؤى امه امامه محذرة اياه من مغبة الامتثال لتلك النداءات المتأتية من اصقاع ضائعة في مجاهيل سحرية.
لا تقترب من تلك الطافية انها الشؤم عينه.
فكر بان امه ربما كانت تمسك بخيوط فجيعة ما، استشفت بوادرها من خلال اضطراباته المفضوحة الناجمة عن تلك النداءات . تدفق سيل الرؤى العارم مثل لجج مكتظة بالهدير. لفحته ظنون امه التي كانت ترزخ تحت نير مخاوفها. رآها تدفن وجهها في فوهات المباخر تحاور الادخنة المتفاتلة مثل افاع متوحشة، تكشف صدرها المرصع بالاوشام نحو السماء. تنساب من بين شفتيها ترنيمات لها وقع قدسي، تنعكس عبر مرايا روحها المتلفعة بالتمائم والادعية التي كانت تجلبها له مشفقة عليه بها. ربما لم يكن اشفاقا لكنه الخوف من شيء ما، شيء اخذ يلوح عبر ازمة الوهم وانعطافات سنين الجدب الموحشة. حينها احست برمال فجيعتها وهي تسفي كاشفة عن معالم ما اقترفته في ما مضى من سني عمرها العجاف. لهذا بدا يقينها راسخا في مأساة مهاتراته. كانت تفسر انجذابه نحو تلك الدار المطلة على المقبرة المائية، وكذلك تجواله بين ركام الهياكل الطافية بان له ما يبرره. ولاسيما ان اروقة الدار ذاتها قد شهدت ولادته. يومها استنشق عبق البحر الذي كان يخبو بين جنبات محرابها اذ طافت به على ظهر«لنج» مخدومها الذي لا احد يعرف سر اختفائه الاخير، وسط صخب«النهمة» وايقاعات البحر المتفاقمة. كم ودت لحظتها لو يرتقي وليدها منزلة اولئك الرجال الذين ركبوا البحر، وروضوه لبلوغ مأربهم، لذا اقدمت على الايفاء بما نذرته، واعتبرته يقينا. محقته الاصداء بقسوة وقعها عليه. عندما امسى المد بأوجه بزغت اشباح الدوب المترنحة وهي تجوب الشط مقطورة بتلك«الفلك» التي رسمت بدخانها الاسود هالات من خيوط متأرجحة تحف بها سماء الدوب. لم يكن يهتم بما يجول بخلد اصحاب تلك الدوب المارقة اما بالنسبة لهم فان ملابسات مهاتراته هذه اضحت مألوفة لديهم، كذلك لم يكن بمقدور نسوة«الجراديغ» تخيل ما يجري في تلك المجاهيل المريبة.
في البدء ظن البعض من حراس مخازن الارصفة ربما كان يلتقي بامرأة ما، قد يجوز هذا الافتراض لكن اية امرأة تلك التي تستطيع موافاته في ثنايا تلك الدار الرابضة حذاء مترع الدوب الغرقى، التي تناقل الناس عنها حكايات لاحصر لها... قبل ان يعتلي«مسناة» الدار، احس بانشداد غريب راح يمده برؤى الطفولة البعيدة.. اطل من هناك على المياه التي تراءت له مثل مرآة متشظية تتجسد من خلالها عوالم متناثرة. لم يلبث طويلا حتى بزغت امامه اشباح صحبه. اعتراه شيء من الخوف، تصاعدت حوله اصداء كانت قد هدأت. ارتجف جسده الناحل مثل سعفة داوية، احس بانه امسى اكثر تشنجا ازاء صورهم المتناثرة، حاول ان يلم بحشد الوجوده تلك. وفيما هو يمعن بتفرس ليتمكن من احتواء بعدهم عنه ادار رأسه، حاول ان يمسك بذيول ازمنة خلت. ازمنة صحبه الذين تقاسموا الموت مثلما تقاسم الاخرون منهم الغربة والضياع في غياهب هوّة سحيقة لا احد يدرك قرارها. ودونما جدوى، اراد تمييز نبراتهم التي ما زالت عالقة في طوايا الاصداء، احس بخواء دواخله، استدرك بوعي لم يعد للزمن اي وجود فيه بعدما شعر بان الجلبة الخفية للاصداء، اذا ما طفت فيجب ان تطفو على الابخرة ذاتها التي حملت ملامحهم بفعل المد المشوب بالريح الشرقية الدبقة وقد امدته بسخونة استوائية حادة لم يستطع من جرائها رؤية الاشياء وفق معطياتها. لهذا تراه حينما اعتلى«المسناة»، انعطف باتجاه الدار بعد ان خلف مفترق الشط وراءه.
كانت ثمة هياكل مترهلة بالطحالب التي استوطنتها تطلع بالافق النهري الذي وشته صواري«اللنجات» المترامية. كان يعرف انه لايقوى على الحد من هذا الصدع المتستر خلف رؤاه المنبعثة من ثغور لها وقع عدمي ما برحت تتقاذفه عبر احداث خلت.
ولج الدار وشعر بحبور جلي من جراء انغماسه بالاشياء التي احتوتها، انتابه احساس وجل وتفاقمت بين ثناياه ومن حوله الاسئلة.
كيف ارتمت الدار هنا وحيدة وبعيدة عن اخوة البيوت كي تصبح مأوى للظنون التي جعلت منها وجودا منسيا، ظل مسمرا في مكانه الذي احتوته فيه شناشيل ابنوسية الشرفات بتفاقم انسياب الريح الدبقة وهي تسري بين اوصاله، بقي واجماً، مطلاً من هناك وهو يرى اضمحلال وضوح كتل التخوم الطافية وسط ضباب الماء، وعلى صفحات المياه برغم وثوب القمر الذي استل نفسه من خلف ركام بقايا الدوب واللنجات ذات الصواري المهشمة، والتي خالها مثل شواهد حجرية تسور رقعة الدار، التي بقدر ما كانت تشيخ وسط تلك الانواء..كانت تزدحم بالذكريات مثلما هي مزدحمة الان بالاسئلة، اروقتها لا تنام بل تتأرق. هبط من الشرفات العلوية وهاهو يجوب
الاروقة التي كان قد ولجها، طاف حول سدرة الدار، كان ثمة انتظار غامض، تناهى الى سمعه نقيق الضفادع الحاد، عاد جافلا دونما رؤية، تسلل بزورقه عبر اغصان العرائش المتحاضنة، متجاوزا الدار التي بقيت ترزخ تحت وطأة عزلتها، عاد الى مقبرة الدوب الغرقى، وقتها استجمعت الرؤى والاصداء نداءاتها بعنف لتنسكب في قرارة نفسه بذات الوتيرة «وهولولولولولوهولو ياالله.»اعتمر عدة غوصه بعد ان تأزر بصرتها الكالحة، انسل بجسده الضامر من فوق ظهر لنج غريق. هبط منزلقا باتئاد
تحف به الاصداء، التي ما زالت تتجاذبه نحو الاعماق، اذ تنادت عوالم القيعان عبر ايقاعات الزيران التي تصاعدت برتابة لها صدى الرنين
المخنوق فاحت من الاعماق رائحة المخاض، كان ثمة شيء قابع هناك، ربما كان حبله السري الذي اودعته امه القاع ايفاء لنذرها.
باسم الشريف
|
|
|
|
|
الكومبيوتر يقرأ إيقاع الشعر
يدرك اغلب من كتب الشعر في هذا الجيل: ان عروض الشعر العربي مهما أتقن من قبل دارسيه فانه لا يخلق شاعرا، وكثيرا ما كانت الفطرة الذوقية او الأذن الموسيقية اجدر في تكوين الشاعر من تعلم العروض. وليس أدل على ذلك من ان الشعر العربي وجد قبل الخليل بن احمد الفراهيدي «ت۱۷۵ ه»، ولا يعني هذا ان الشاعر اكبر من العروض.
ولا يقلل ذلك من أهمية العروض كعلم يؤهل موازين الشعر العربي، وقد ظهرت قديما وحديثا كتب عديدة، اختصت بدراسة عروض الشعر العربي وتطوراته في بحوث الشعر الحر والبند.
وعموما فالعروض علم يعنى بالأصوات ومقاطعها في الكلمات، وما فيها من حروف ساكنة ومتحركة، سواء في البيت الشعري في القصيدة العمودية، او في الشطر الشعري للقصيدة الحرة «قصيدة التفعيلة» لكي يحكم وزن القصيدة دون أي خلل.
ان صعوبة دراسة هذا العلم تكمن في مصطلحاته المتنوعة وتعقيداته بحيث يستدعي التبسيط والتيسير، وفي عصر التقنيات المتطورة لم يخطر ببال باحث قط ان يحاور الكومبيوتر ليرى هل بوسعه ان يقرأ الشعر، ويدرك أوزانه باختلاف تركيباتها، الا محاولة لم يسبق لها مثيل سجلت براءة اختراعها شاعرة بصرية كانت تتلمس خطواتها الأولى منتصف التسعينيات، وهي تحمل بكالوريوس حاسبات فتقدمت الى كلية العلوم بجامعة البصرة بأطروحة ماجستير حظيت بتقدير «امتياز» تحت عنوان «حوسبة علم العروض العربي» تلك هي الآنسة جنان العيداني.
أشارت الباحثة في مقدمتها الى ما عرف عن اللغة العربية من بنية صوتية متينة، وقدرة على تأدية وظائفها بحس ذوقي عال، تحكمه علوم النحو والصرف والصوت والدلالة، والشعر العربي بكونه واحدا من فنونها جسد منذ القدم رصانة العربية وقدرتها على الارتقاء بالمعنى من خلال قوالب وزنية أنشأت للشعر موسيقاه الخاصة، وقد أسس العالم البصري الفذ الخليل بن احمد الفراهيدي من خلال استقراء أشعار العرب علم العروض، وهو علم ذو قوانين شائكة ومتداخلة يميز بحور الشعر العربي.
وأشارت الباحثة ايضا الى ان محاولتها في حوسبة علم العروض ترمي الى تسهيل هذا العلم، بوساطة التقنية الحاسوبية المتطورة، بحيث نجح في تصميم نظام حاسوبي خبير وتطويره للقيام بتحليل أبيات الشعر العربي، على وفق ما يمتلكه النظام من حس موسيقي متأت من مرونة عالية، في استخدام مبادئ العروض وقوانينه وتطبيقاتها.
والنظام الحاسوبي الذي اقترحته الباحثة من الأنظمة التعليمية التي تساعد الطلبة تشخيص هوية البيت الشعري، وتحديد انتمائيته لأي بحر من بحور الشعر العربي، فضلا عن الكشف عن مكوناته اللفظية، واختبار اماكن التقطيع الصحيحة التي تعطي البيت الشعري موسيقاه الخاصة، وقد طبقت الباحثة هذا النظام على اكثر من شواهد الشعر القديم والحديث، وتوصلت الى نتائج أثبتت قدرة برنامجها الحاسوبي، وكفاءته في تحديد التفعيلات والمقادير اللفظية، وقراءة وزن البيت ومعرفة ايقاعه.
وقد توزعت الرسالة في أربعة فصول، وبالإمكان التوقف عند أهم النقاط التي كشف عنها أي فصل من تلك الفصول باختصار، بما يقدم حقيقة جديدة وعلمية، تقول ان الكومبيوتر يجيد حقا قراءة ايقاع الشعر العربي ولعل أهم تلك النقاط:
ان التقنية الحديثة والتطور الكبير للحواسيب الإلكترونية، صارت تتعامل مع مختلف مجالات الحياة، بشكل يتيح لمستخدميها السرعة والدقة والمرونة، وان اية محاولة للتواصل مع التراث العربي تقنيا، تخلق نسيجا معرفيا يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ويجمع بين الأصالة وروح التجديد.
المهتمون بعلم العروض اتفقوا على ان هذا العلم، قد يسبب ارباكا في ذهن المتلقي، بحيث صار من المهم البحث عن أساليب جديدة، تحاكي الذهن البشري ليرتكز على مفاهيم هذا العلم بصورة أدق وأسهل، واتجهت الفكرة الى فتح أفق علمي حاسوبي يسهل مهمة قراءة عوالم الايقاع، والنغم، والموسيقى، والصوت في إطار محاكاة الحاسوب وتطويعه لمحاكاة المنطق الأدبي.
ان تنوع مصطلحات العروض بين وزن وقافية وتفعيله، وغيرها من مفاهيمه استدعى البحث وراء الظاهرية، واعداد هيكل مرن ترتكز عليه هذه المفاهيم وصولا الى البنية الباطنية التي تحكم نسق البيت الشعري وسلوكه من خلال موسيقاه الداخلية.
نهج البحث الى تصميم مجموعة من الدوال البرامجية، لتحويل الكتابة الإملائية الى كتابة عروضية، باستثناء بعض الشواذ، مع ملاحظة تنوع أنماط وأوزان بحور الشعر العربي، وبنيتها الداخلية التي تعد العمود الفقري الذي يستند عليه معنى البيت على وفق ضوابطه اللفظية، التي كانت تدرك بالحس الموسيقي الفطري.
من المحاولات الجديدة في دراسة العروض كانت محاولة الدكتور طارق الكاتب في كتابه «موازين الشعر العربي باستعمال الأرقام الثنائية، وقد ربط ما بين سلوك النظام الثنائي، وسلوك المتحركات والسواكن للبيت الشعري، واعتمد الصفر لتمثيل المتحرك، واعتمد الواحد لتمثيل الساكن، ثم قام بتحويل الصورة الثنائية للبيت الى شفرة بدلالة النظام العشري، ولخص جهده بمجموعة من الجداول، وصلت الى اثنين وعشرين جدولا يجب الرجوع إليها عندما يراد تحديد هوية البيت الشعري.
ان التقدم التكنولوجي المتسارع في معمارية الحاسبات، وهندسة البرامجيات وإمكانات لغات البرمجة كائنية المنحى الحديثة، جعلت اية معضلة من وجهة نظر قابليات الكائن البشري امرا بغاية السهولة، وفي هذا الاطار تبنى الفصل الثاني من الدراسة تقديم دراسة تحليلية للهياكل الوزنية للبحور واقترح تمثيلا لها مستخلصا من دراسة احصائية اشتملت على عدد كبير من الابيات الشعرية.
كما غطى الفصل الثالث متطلبات نظام التقطيع المقترح من خلال تطوير خوارزميات، تتبنى معالجة الكتابة الاعتيادية وتحويلها الى عروضية وتحويل الاخيرة الى مقاطع صوتية، بعد تحويلها الى متحركات وسواكن، وكذلك منهجية التقطيع والعرض النهائي الذي روعي فيه توفير كل ما يتطلبه تحليل البيت الشعري وشفرة التفعيلة.
ان تنوع نظم توزيع التفعيلات تمخض عن ظهور هياكل وزنية تفرد كل واحد منها بنظام ايقاعي خاص به، وهذه النظم الوزنية لها القابلية على الاحتفاظ بايقاعها العام حتى بعد تعرض بعض تفعيلاتها الى الزحافات والعلل، هذا يعني انه يمكن النظر الى كل بحر على اساس كونه مجموعة شاملة ويمكن وبسبب الزحافات والعلل تجزئتها الى مجاميع جزئية، كل منها له طابعه الإيقاعي الخاص.
ان كل بحر من بحور الشعر العربي مثل مجموعة هياكل وزنية مساوية لعدد اوزانه، وفي احد الجداول تعرض الباحثة بحر الرجز الذي يحتوي على خمسين وزنا، أي له خمسون تمثيلا رسوميا، وكل تمثيل رسومي من تلك التمثيلات يحتوي على مجموعة من الأنماط متمثلة بحاصل جمع خلايا العمود الاول للجدول * حاصل جمع خلايا العمود الثاني * الخ.
تمخضت دراسة الباحثة لبنية الشعر العربي العمودي الصوتية عن جملة استنتاجات، أهمها ان للشعر صورتين: ظاهرية متمثلة بخطه، والاخرى باطنية حاملة لايقاعه متجسدة بلفظه، وان جذور الصورة الباطنية تتشكل في تسلسل رمزي بين المتحركات والسواكن يمكن تدوينها باعتماد أي رمزين، ويمكن تحديد المقادير المقطعية اللفظية للبيت الشعري بعد تحديد انتمائيته، واعتماد الطول المقطعي للصدر والعجز وبعض التفعيلات في حالة وجود اكثر من تقطيع لنفس الطول المقطعي.
دونت الباحثة في الصفحات الاخيرة من رسالتها قبل الملحق توصيات للعمل المستقبلي لتطوير البيت الشعري باستحداث موسيقي «دندنة» في حاسبات رياضية معينة، فضلا عن تعليم الحاسبة نغمات خاصة لتفعيلات البيت الشعري، والعمل على كشف الأوزان المختلة التي نظم بها بعض الشعراء، لكنها لم تقر من قبل العروضيين، وتطوير النظام ليشمل أيضا آلية تمييز الموشحات.
لقد اعتمدت الباحثة مصادر عربية تزيد على العشرين في الأصوات اللغوية، وموسيقى الشعر، وتخريج القوافي، وتهذيب العروض، والبنية الإيقاعية للشعر العربي، كما اعتمدت مصادر أجنبية في علم الحاسوب وتقنياته. ووقعت الدراسة في تسعين صفحة من الحجم الكبير، وكانت هذه الرسالة الجامعية المتميزة والجديدة والجادة بإشراف الأستاذ الدكتور صباح عبدالعزيز، والدكتور جواد راضي العلي، وقد ناقشها الأستاذ المساعد الدكتور جاسم طعمة سرسوح والأستاذ المساعد توفيق عبد الخالق والمدرس الدكتور عبدالحسين محسن، وكان لها صداها الطيب في أروقة كلية العلوم بجامعة البصرة وفي الوسط الأدبي عموما في بصرة الخليل مؤسس علم العروض وفقيهه الأول وإذا ما طبعت ونشرت فسيكون لها صدى آخر يؤشر قدرة باحثة بصرية من حفيدة الخليل على الإتيان بالجديد الذي يضاف الى علم من ابرز علوم العربية.
محمد صالح عبد الرضا
|
|
|
|