السنة التاسعة - العدد۲۴۵۸- - الثلاثاء۶صفر۱۴۲۷ -۷/۳/۲۰۰۶
ثقافة
Saghafe.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
ثقافة
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
استراحة
اقتصاد
رياضة
الاسرة
منوعات
الأرشيف
RSS
إهانة نبي الإسلام تجدد السؤال: مَن يكره مَن؟
الاسلام والغرب.. من الاحتكاك إلى الاختراق «۱-۴»
على أن من الواضح تماماً، أن الغرب لم يكن هو التحدي الأول الذي واجه الاسلام وإن كان ذلك لا يعفينا من الاعتراف بأنه الأخطر. فلقد مرت فترات من الخطر الشديد - كما يقول برنارد لويس - كان الاسلام مهدداً فيها، في الوقت نفسه، من الشرق والغرب، غير أن الاسلام تغلب عليها، واجتازها دون أن يتأثر. جاءه الأتراك غزاة فاتحين، فتحولوا إلى مسلمين مؤمنين، وتمثلهم المجتمع الاسلامي الكبير، فانصهروا في بوتقته، وكانوا هم أنفسهم من أقوى أعمدة الاسلام التي أقامت مجتمعاً كاد يفنى اجتماعياً وسياسياً. وبهذه القوة والحيوية تمكن الاسلام من الصمود، بل من دحر غزوات أعدائه الصليبيين الذين جاؤوه من الغرب.
ثم واجه الاسلام، بعد ذلك، ضربتين، أشد وأقسى وأحدث وأخطر فلقد سُحق الشرق الاسلامي مرتين، واحتله الغزاة الأجانب الذين سيطروا عليه بقوة السلاح. وعلى الرغم من أنهم لم يستطيعوا تحطيم حضارته الاسلامية القديمة الأصول، فإنهم «لغّموا» ثقة الذين صانوا هذه الحضارة بأنفسهم، وهكذا حولوا وجهتهم نحو اتجاهات جديدة.
أولى هاتين الضربتين، كانت الغزو المغولي في أواسط آسيا، التي حطمت الخلافة القائمة، وأخضعت للمرة الأولى، منذ عهد النبوة، قلب العالم الاسلامي لحكم غير اسلامي. أما الثانية فهي تأثير الغرب الحديث.
والذي يبدو أن الضربة الثانية كانت أقسى وأشد خطراً من الأولى، فقد استطاع الاسلام بقوته الذاتية أن يؤثر في التتار «المنتصرين» ويجذبهم إلى ساحته، فتقع المعجزة الاسلامية، ويدخل التتار في دين الله أفواجاً، ويسجل التاريخ - مرة أخرى - اعتناق الغالبين دين المغلوبين.
أما الضربة الثانية، فما زال العالم الاسلامي كله يقاسي آلامها، ويعاني آثارها إلى اليوم. ومن نافلة القول أن نذكر بأن ذلك ما كان ليحدث، لولا وجود أسباب ودواع «منها الداخلية ومنها الخارجية»، وهي ما أطلق عليها المفكر الاسلامي «مالك بن نبي» ظاهرة «القابلية للاستعمار»، وفيما يخص الطرف الثاني من المعادلة فان طلائع المستعمر قد جاست ديارنا واطلعت على خبايانا، ومن ثم دخلت «بيت العنكبوت» - كما تسميه الجاسوسة البريطانية «غرترودبل» - لتتعرف على خيط فيه!
وهنا، نجد أنفسنا ملزمين باثارة التساؤلات المشروعة والملحة:
كيف تم ذلك الاختراق الكبير ومتى؟
وما هي الأساليب التي مكنت الغرب من التسلل إلى ديارنا؟
وماذا عن: الأهداف، والخلفيات، والأبعاد؟
ثم - وهذا مربض الفرس بالنسبة لمسار البحث - من هم أخطر اللاعبين في هذه اللعبة الكبرى؟
وما هي الطرائق التي تذرعوا بها، وتدرعوا فيها - متنكرين - كغطاء مناسب لمهماتهم السرية الكبرى؟
ان بعض الجواب نجده في المانشيتات وهي تتصدر، اليوم، صفحات كبريات الصحف الغربية، وفي تعليقات نشرات الأخبار، وفي عناوين الندوات المتواصلة التي تنظمها - عاد - مراكز البحوث الاستراتيجية ذات الصلة الوثيقة بمراكز القرار، وفي تصريحات هذا السياسي اللامع، وتحليلات ذلك «الاستراتيجي» المرموق.. الخ والتي بجمعها - على تعدد مشاربها - هذا القلق المتزايد من امكانية أن يستأنف الاسلام مسيرته ثانية.
كما ونجده في هذا التخريب واسع النطاق، والتشويه المتضمن هذا التحقير المستمر المذهل للاسلام كمنظومة من منظومات الإيمان، باعتراف أحد كبار الخبراء الذين تعتمدهم أوساط الغرب الأكاديمية وهو البرت حوراني.
ونجده أيضاً في تعامل الخبراء الأكاديميين الغربيين المتخصصين في الاسلام مع الاسلام، إذ تناولوا - وما يزالون - في الغالب الأعم، هذا الدين وثقافاته المتنوعة ضمن اطار ايديولوجي اصطنعوه، وهو اطار مقرر ومحدد ثقافياً، اطار مفعم بالانفعالات العاطفية والتحيز الدفاعي، بل بالاشمئزاز أحياناً، وقد جعلت هذه الخلفية - أو هذا الاطار - فهم الاسلام أمراً عسير المنال.
ونجده - على أرض الواقع - في هذا «التدافع الحضاري» - كما يحلو للبعض تسميته - هنا وهناك، فمن الاعتداءات المتكررة على الجمهورية الاسلامية ومذابح الابادة الجماعية لمسلمي البوسنة، إلى مثيلاتها في الشيشان، وصبرا وشاتيلا، وآسام، وعاصفة الصحراء وتداعياتها المرعبة.. وأخيراً وليس آخراً في «قانا» آخر الأدلة الثبوتية على ضلوع الغرب في خطة التآمر على الاسلام، وفي اللحظة التي ينطلق فيها صوت «من داخل الغرب» يتحدى مؤامرة الصمت هذه، تصبح الايديولوجية والأصول العرقية هي الموضوع الرئيس حيث تنهال عليه شتى التهم، ويعرّض إلى ضغوط هائلة وارهاب فكري، من قبيل ما يتعرض له اليوم المفكر الفرنسي المسلم «رجاء غارودي» في أعقاب نفيه حصول مجازر ضد اليهود في كتابه الأخير «الخرافات التي ترتكز عليها السياسة الإسرائيلية». وقد وصف «غارودي» الهجمة الشرسة التي تستهدفه قائلاً: «ما أتعرض له الآن أشبه بعمليات الشنق في الأشجار دون محاكمة التي كانت سائدة في أميركا زمن رعاة البقر».
كل هذا يجري في عالم الغرب، في الوقت الذي يدير فيه هذا الغرب عينيه وبلا مبالاة، إن لم يكن بشماتة، عما يدور من مجازر، يندى لها جبين البشرية، على بعد خطوات من قلب أوروبا ونعني بها الجرائم التي ارتكبت ضد الانسانية في البوسنة.
والواقع - حسب ادوارد سعيد - أنك لا تجد شيئاً في دراسة الاسلام «حرّا» ولا تقرره الضغوط الملحة المعاصرة. وما أبعد هذا عن الموضوعية غير السياسية التي يزعمها كثير من الباحثين المستشرقين فيما يقومون به، فضلاً عما تعنيه هذه الصورة المختزلة للاسلام من دلالات وخلفيات، وخلاف ذلك تكمن عاقبة أخرى في استمرار الاحاطة بمعنى الاسلام أو رسالته وتطويقه وقولبته.
نعم، إن هذا «بعض الجواب» - كما ذكرنا - أما الجواب - على صعوبته غير اليسيرة - فيمكن تلخيصه بما يقوله الدكتور سمير سليمان: «ان محاولات تطويق الشرق الاسلامي لابتلاعه بالقوة، واستغلال ثرواته، ونقض مشروعه الكوني، وتخريب أصوله بهدف استهلاك انجازاته الحضارية. ان هذه المحاولات، ليست من المستحضرات الايديولوجية المتأخرة زمانياً، بل هي مشروع قديم أنجزت وعوده الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى».
إهانة نبي الإسلام تجدد السؤال: مَن يكره مَن؟
مسألة الرسوم.. حرية تعبير أم عنصرية ثقافية؟
صدمة الرسوم الدنماركية الفاحشة التي أهانت نبي الإسلام وسخرت منه وحطت من شأن كل ما يمثله، ينبغي ألا تمر من دون أن نتوقف عند وقائعها ونستخلص دروسها، لأنها تشكل نموذجاً للكيفية التي تتعامل بها بعض الحكومات والنخب في الغرب مع الإسلام، وللكيفية التي ترد بها الأطراف الإسلامية على الإهانات التي توجه إلى عقيدتهم ونبيهم.
خلاصة الوقائع على النحو التالي: في الثلاثين من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي نشرت صحيفة «يولاندز بوسطن»، وهي من أوسع الصحف اليومية انتشاراً في الدنمارك، ۱۲ رسماً كاريكاتورياً للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، أقل ما توصف بها أنها بذيئة ومنحطة إلى أبعد الحدود، ومع الرسوم نشرت الصحيفة تعليقاً لرئيس تحريرها عبر فيه عن دهشته واستنكاره إزاء القداسة التي يحيط بها المسلمون نبيهم، الأمر الذي اعتبره ضرباً من «الهراء الكامن وراء جنون العظمة»، ودعا الرجل في تعليقه إلى ممارسة الجرأة في كسر ذلك «التابو»، عن طريق فضح ما اسماه «التاريخ المظلم» لنبي الإسلام، وتقديمه إلى الرأي العام في صورته الحقيقية «التي عبرت عنها الرسوم المنشورة».
كان لنشر الصور الكاريكاتورية وقع الصاعقة على المسلمين الذين يعيشون في الدنمارك «۱۸۰ ألف نسمة، يمثلون حوالى ۳ بالمائة من السكان البالغ عددهم ۵.۴ مليون شخص»، كما كان له نفس الصدى في أوساط ممثلي الدول الإسلامية في كوبنهاغن، فعقد ۱۱ دبلوماسياً منهم اجتماعاً بحثوا فيه الأمر، وقرروا مطالبة الصحيفة بالاعتذار للمسلمين عن إهانة نبيهم، ولكن رئيس تحريرها رفض الاعتذار، فطلبوا مقابلة رئيس الوزراء الدنماركي لإبلاغه باحتجاجهم على نشر الصور، فرفض مقابلتهم بدوره، وأبلغهم من مكتبه بأن الأمر يتعلق بحرية التعبير التي لا تتدخل فيها الحكومة، وقيل لهم إن بوسعهم اللجوء إلى القضاء إذا أرادوا.
حين علم بالأمر الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور اكمل الدين احسان أوغلو، فإنه وجه خطابات إلى رئيس وزراء الدنمارك والمسؤولين في الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي دعاهم فيها إلى التدخل لوقف حملة الكراهية ضد المسلمين، واتخاذ موقف حازم إزاء الإهانات التي توجه ضد نبيهم، وكان محور الردود التي تلقاها - خصوصاً من رئيس الوزراء الدنماركي - أن قضية حرية التعبير تمثل ركناً أساسياً في الديمقراطية الدنماركية، الأمر الذي اعتبر رفضاً لاتخاذ موقف إزاء الحملة، في الوقت ذاته تحرك سفراء الدول الإسلامية في جنيف، وقدموا شكوى إلى مفوضية حقوق الإنسان في العاصمة السويسرية، اعتبروا فيها موقف الصحيفة الدنماركية محرضاً على العنصرية والكراهية للمسلمين، فقررت المفوضية تحري الأمر وإعداد تقارير عن الموضوع يفترض أن ينتهي إعدادها يوم ۲۴ من الشهر الحالي.
أدرجت المسألة ضمن جدول أعمال القمة الإسلامية التي عقدت في مكة في السابع من شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وبناء على ذلك عبرت إحدى توصيات المؤتمر عن القلق إزاء الحملات الإعلامية المسيئة إلى الإسلام ونبي المسلمين، وأشارت إلى مسؤولية جميع الحكومات عن ضمان احترام الديانات المختلفة، وعدم جواز التذرع بحرية التعبير للإساءة إلى الأديان والمقدسات.
بعد ثلاثة أشهر من التجاهل والصمت، وفي أعقاب التفجيرات التي حدثت في لندن، علق على قضية الرسوم الكاريكاتورية المفوض العدلي بالاتحاد الأوروبي فرانكو فراتيني، قائلاً إن نشرها لم يكن تصرفاً حكيماً، باعتبار أنه من شأن ذلك أن يشيع الكراهية ويشجع على التطرف في أوروبا.
بينما الرسائل يتم تبادلها بين الأطراف المختلفة، انتقد ۲۲ سفيراً دنماركياً، أغلبهم عملوا في البلاد العربية موقف حكومة بلادهم من المسألة، وقام وفد من مسلمي الدنمارك يمثلون ۲۱ مركزاً إسلامياً ومنظمة بزيارة إلى القاهرة، التقوا خلالها شيخ الأزهر والأمين العام لجامعة الدول العربية، وانتقد وزراء خارجية الدول العربية سلبية الحكومة الدنماركية إزاء الإهانة التي لحقت بنبي الإسلام، ووجد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أنه لا مفر من اتخاذ موقف عملي يوصل رسالة الاحتجاج والغضب إلى حكومة الدنمارك، التي تعاملت مع الحدث بقدر لافت للنظر من عدم الاكتراث واللامبالاة، ولذلك قرر إعلان مقاطعة المنظمة لمشروع دنماركي، يتمثل في إقامة معرض كبير تحت عنوان «انطباعات عن الشرق الأوسط» تغطي حكومة كوبنهاغن جزءاً من تكاليفه، ويفترض أن تسهم الدول العربية «الخليجية» في تغطية بقية النفقات، وبعث الدكتور اكمل الدين أوغلو رسالة بهذا المعنى إلى الجهة المعنية في كوبنهاغن، أبلغها فيها بأن منظمة المؤتمر الإسلامي طلبت من كل الأعضاء مقاطعة المشروع، احتجاجاً على موقف بلادهم الرسمي من إهانة نبي الإسلام.
من ناحية أخرى، كانت بعض المنظمات الإسلامية في الدنمارك قد رفعت قضية ضد الصحيفة التي تبنت الإساءة البذيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن المدعي العام رفض القضية معتبراً أن نشر الرسوم الكاريكاتورية تم في إطار حرية التعبير التي يحميها القانون، وفي حين اختص رئيس تحرير صحيفة «يولاندز بوسطن» بالقرار، فإن صدوره شجع صحيفة مسيحية محافظة أخرى في الترويج «مجازينت» على إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية الاثني عشر، ومن ثم الترويج لحملة السخرية البذيئة من نبي المسلمين ودينهم.
ولا يزال الملف مفتوحاً، حيث قدم مسلمو الدنمارك طعناً في قرار المدعي العام، وثمة مشاورات حول الموضوع ما زالت جارية بين ممثلي الدول الإسلامية في جنيف ولدى منظمة اليونيسكو، وليس معروفاً بعد كيف سيكون موقف ممثلي تلك الدول من المسألة.
إن ما يثير دهشتنا واستياءنا ليس فقط أن يتطاول شخص أو منبر إعلامي على نبي الإسلام ومقدسات المسلمين، فالمتعصبون والموتورون والحاقدون والمغرضون، موجودون في كل مجتمع، وهم كثر في الغرب، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بالشأن الإسلامي، ومن أسف أن أصوات هؤلاء طغت على أصوات العقلاء والمنصفين من مثقفي الغرب، لكن ما يثير الدهشة والاستياء أيضاً وبدرجة أكبر هو مسلك الحكومة والقضاء في الدنمارك، حيث يفترض أن تتنزه مواقفهما عن الهوى والغرض، وأن يكون تعبيرهما أكثر التزاماً بمعايير الإنصاف وبمقتضيات المصلحة العامة.
فليس صحيحاً أن السخرية والطعن في نبي الإسلام ورموز المسلمين يعد من قبيل ممارسة حرية التعبير، لأن الذي تعلمناه في دراسة القانون أنه لا توجد حرية مطلقة إلا فيما يخص حرية الاعتقاد والتفكير، أما التعبير فهو سلوك اجتماعي يرد عليه التنظيم في أي مجتمع متحضر، وعند فقهاء القانون في النظام الأنجليسكسوني وفي النظم اللاتينية، فضلاً عن الشريعة الإسلامية، فإن حرية التعبير يسبغ عليها القانون حمايته طالما ظلت تخدم أية قضية اجتماعية، ولا تشكل عدواناً على الآخرين، وللمحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة أحكام متواترة بهذا المعنى، والعبارة المتكررة في تلك الأحكام تنص على أن حماية حرية التعبير تظل مكفولة طالما تضمنت حداً أدنى من المردود الاجتماعي النافع، ونصها بالإنجليزية كما يلي:
A minimum of social redeaming value
إن كل القوانين تجرم سب الأشخاص والقذف في حقهم، حيث لا يمكن أن يعد ذلك نوعاً من حرية التعبير، لأن السب في هذه الحالة يعد عدواناً على شخص آخر، ومن ثم فأولى بالتجريم سب نبي الإسلام الذي يؤمن بنبوته ورسالته ربع سكان الكرة الأرضية، وحين حدثت في الأمر الدكتور أحمد كمال أبوالمجد وهو خبير قانوني دولي، أيد ما ذكر وأضاف أنه حتى إذا سلمنا بأنه لا توجد نصوص في التشريعات الدنماركية تعاقب على سلوك الصحيفة المشين، فإن هناك التزاماً أخلاقياً وسياسياً يفرض على المسؤولين في الدولة إدانة ذلك المسلك، انطلاقاً من الحرص على حماية المعتقدات الدينية ودفاعاً عن فكرة التعددية الثقافية.
وإضاف الدكتور أبوالمجد بأن عدم اتخاذ موقف صريح وحازم من جانب حكومة الدنمارك إزاء الطعن في نبي الإسلام يفتح الباب لشرور كثيرة، من بينها فتح الأبواب الواسعة لإشعال حروب ثقافية لا مصلحة لأحد فيها، الأمر الذي يهيء المناخ لإحلال القطيعة بين الشعوب والثقافات محل التواصل، والصراع محل التعاون، وليس معقولاً أن يكون ذلك ما تسعى إليه حكومة الدنمارك.
إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: لماذا لا تعلن حكومات الدول الإسلامية استهجانها واستنكارها لموقف حكومة الدنمارك بشكل صريح وحازم، أسوة بموقف منظمة المؤتمر الإسلامي التي دعت إلى مقاطعة المؤتمر الدنماركي عن الشرق الأوسط، ذلك أن مثل ذلك الطعن الجارح إذا وجه إلى أي رئيس دولة في منطقتنا لقامت الدنيا ولم تقعد، ولسحب السفير وتهددت العلاقات الدبلوماسية فضلاً عن المصالح الاقتصادية للقطيعة، فهل نستكثر على نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام أن نغضب لشخصه ولكرامته بما هو دون ذلك بكثير؟ وألا يخشى إذا استمر الصمت الرسمي في العالمين العربي والإسلامي، أن يخرج علينا من يطرح العنف بديلاً عن المعالجة الدبلوماسية الرصينة، فيفتي مثلا بإهدار دماء محرر الصحيفة الدنماركية ورساميها، وتكون هذه شرارة فتنة جديدة لا يعلم إلا الله مداها؟
أخيراً فإن الواقعة تجدد سؤالاً آخر طالما طرحناه حينما كان يفتح باب الحديث عن عداء المسلمين المزعوم للغرب، هو: مَن حقاً يكره مَن؟
فهمي هويدي