السنة التاسعة - العدد۲۴۵۸- - الثلاثاء۶صفر۱۴۲۷ -۷/۳/۲۰۰۶
قضايا و آراء
Ara.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
ثقافة
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
استراحة
اقتصاد
رياضة
الاسرة
منوعات
الأرشيف
RSS
التجفيف وسيلة للتجويع أم طريق للتحرير؟
ما الذي تنتظره الحكومة الإسرائيلية من إعلانها السلطة الفلسطينية «كياناً معاديا» ونعتها بالإرهاب، وما الذي ترمي إليه من وقف تحويل الأموال التي تقوم بجبايتها لحساب السلطة؟ أو منع تنقل الفلسطينيين بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وفرض حظر دخول عمال غزيين من القطاع إلى إسرائيل، وتحويل معابر «إيرز» و«كارني» و«كيرن شالوم» إلى معابر دولية وتجميد مشروع إقامة الميناء البحري والمطار في قطاع غزة؟
من المؤكد أن كل هذه الإجراءات، والمبالغة في التهويل لا تهدف إلا إلى تخويف وإحباط الفلسطينيين، وجرهم لاتخاذ مواقف متسرعة تطال إعادة النظر في قرارهم الديمقراطي في اختيار ممثليهم الجدد بالمجلس التشريعي، أو على الأقل صياغة البرنامج الحكومي بما يتماشى مع الشروط والتوجهات الإسرائيلية، و تركيع الشعب الفلسطيني وإخضاعه وتحطيمه ليستجدي المساعدات الخارجية، أو زرع الفتنة واستفزاز الفصائل وتأجيج الخلاف واللوم والتقريع فيما بينهم، وإذكاء التضارب بين سلطة الرئاسة والحكومة والمجلس التشريعي الذي إن حدث سيعقبه الانهيار والفوضى، وعواقب سيئة لن تكون لصالح أو مصلحة أي طرف.
والحقيقة أن تصعيد مثل هذه الإجراءات والعقوبات الجماعية واستخدام سياسة العصا والجزرة ليست بالأمر المفاجئ أو الجديد على الفلسطينيين، بل هي سياسة قديمة حديثة هدفها استغلال الأوضاع والظروف الإنسانية للنيل من ثبات الشعب الفلسطيني وصموده، وقد تمت ممارستها عليه أكثر من مرة في السنوات الماضية، وكانت ردود فعلها سلبية، على عكس ما كان المتوخى أو المتوقع منها بل صعدت من حدة التوتر والاحتقان وعدم الاستقرار وزادت من تمسك الشعب بمبادئه والالتفاف أكثر حول قيادته.
ويتساءل المحلل لهذه الإجراءات عن السبب من وراء كل هذا التخوف الإسرائيلي؟ هل الحكومة الإسرائيلية بحاجة فعلاً إلى كل هذا الابتزاز الاقتصادي وتجويع الشعب الفلسطيني والتضييق عليه، وتلقينه درساً لممارسته حريته وانتخاب ممثلين عنه خلافاً لمواصفاتها، في وقت تحتل فيه إسرائيل وتتحكم بكل شبر في فلسطين وتسيطر على جميع مقدرات الشعب الفلسطيني، أم أنها أعمال استباقية تهدف لتحقيق أغراض حزبية انتخابية إسرائيلية، أو تنفيذ حلول أحادية الجانب، والتهرب من تنفيذ اتفاقياتها والتزاماتها الدولية والإقليمية والفلسطينية وتمرير مخططاتها الاستيطانية والتوسعية والتي وجدت في نتائج هذه الانتخابات فرصة مناسبة لتنفيذها؟ أم هي إجراءات متقدمة للدور المطلوب من أمريكا والدول الأوروبية وإقفال الباب أمام أي محاولة تفاوض ومنع أي توجه لبدء الحوار مع ممثلي الحكومة الجديدة؟ أم هل القصد منها إفشال ديمقراطية الشعب الفلسطيني الذي قام باختيار ممثليه؟ أم هي إنكار ومصادرة نتائج الانتخابات من قبل من طالبوا بها؟ الم تكن الدعوة للديمقراطية مطلب أمريكي وأوروبي وإسرائيلي فكانت مكافأتهم للشعب الفلسطيني - على اختيار ممثليه بصدق وشفافية «شهد لها الجميع» - إفراطاً ومزيداً من التخويف والتهديد بالتجويع؟ أم الضغط على ممثلي المجلس التشريعي لعرقلة حضورهم وتغيير شعاراتهم، وتليين مواقفهم التي انتخبوا على أساسها، أو خطوات لإلغاء نتائج الانتخابات والقيام بانتخابات جديدة الغرض منها انتخاب وجوه مرضي عنها للمجلس.
هل إعادة الانتخابات يعني إسقاط ممثلي الشعب الجدد أو إنهاء منهجهم السياسي أو تقليص عددهم؟ هل الأشخاص الذين سيتم انتخابهم مجدداً سيكونون مضمونين لتبني الخيار الأمريكي والإسرائيلي دون مناقشة أو على حساب الحقوق الثابتةوبدون قيام إسرائيل بدفع أي ثمن يرضي الشعب الفلسطيني ويحقق آماله. ألا تتوقع إسرائيل من استمرار إتباع هذه السياسة ردود الفعل العكسية لدى الفلسطينيين وزيادة توترهم واحتقانهم، وتنامي انتفاضتهم، متناسية بأنها نفسها بمأزق، فعليها إما الاستمرار بالاحتلال والسيطرة على الأرض وبالتالي تولي مسؤولية إدارة شؤون الفلسطينيين باعتبارها سلطة محتلة مسؤولة عن سكان المناطق المحتلة، أو الانسحاب وإخلاء المستوطنات وتسليمها للسلطة، وعليها إما السير في العملية السلمية ومواجهة محن التطرف والانشقاق لديها أو الانسياق معهم والسير على خطاهم. ألا يؤكد استخدام إسرائيل لأسلوب التجويع عن مدى تحكمها في مفاصل الاقتصاد الفلسطيني ومدى ارتباطه بها، وإن الإدعاء باستقلال الاقتصاد الفلسطيني أو حتى السياسي ما هو إلا سراب؟ لذا فعلى إسرائيل وهي تطالب غيرها أن تفكر بتقديم حل سياسي غير الاستمرار في احتلال الأرض وقهر واستعباد الإنسان الفلسطيني وتهجيره.تحتستطيع إسرائيل أن تدعي بعدم تواجد السلطة، وعدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض معه، كما تستطيع حرمان السلطة من مستحقاتها المالية، ووقف تحويل المساعدات المالية الممنوحة لها بموجب التزامات دولية، وتستطيع ممارسة مزيداً من القهر السياسي، والحصار والإغلاق، والضغط الاقتصادي، والكبت الاجتماعي على الشعب الفلسطيني وحتى قطع المياه والكهرباء عنه، إلا أن هذا سيؤدي حتماً إلى عدة انعكاسات وأزمات سلبية في العملية السلمية، إذ بدون تقديم أية حلول سياسية شاملة وعادلة، والاكتفاء بطرح حلول جزئية ومسكنات، والاعتماد على وسائل القوة والبطش لفرض الأمر الواقع ومخالفة إرادة الشعب الفلسطيني وتغييبه وإقصائه لا تشكل في مجموعها إلا حلولاً هشة ومؤقتة تتجاهل الحقوق والثوابت الفلسطينية، وتتعارض مع أبسط أسس العدالة والمساواة والقواعد الإنسانية والقيم الأخلاقية. ولن توصل في النهاية إلى أية نتائج أو تسوية. بل إن الاستمرار فيها سيولد براكين مكبوتة من الغضب والعنف، ويؤكد على مدى تخبط الحكومة الإسرائيلية، وارتباكها سياسياً وترنحها من نتائج العنف المتبادل الذي عاشته وتعصف بكلا الشعبين.
وإذا كان فرض العقوبات الجماعية أمر يرفضه كل العقلاء محلياً وإقليمياً ودولياً، فإن التلويح بقطع المساعدات والإعانات المالية وتصنيفها وتفريعها ستجد رفضاً أكبر، فإن ما نسمعه من مسميات جديدة لأنواع المساعدات المقترحة وتنوعها يدعو للدهشة والاستغراب، فمنها ما هو للسلطة وأخرى للمؤسسات المدنية، ومنها لأغراض إنسانية وأخرى لأغراض اجتماعية، ومنها أموالً ستحول من منظمات دولية وأخرى من مؤسسات أهلية، ومنها ما سيحول بطرق فردية وأخرى جماعية، ومنها ما سيحول من دول عربية وأخرى إسلامية، وأموال ستخصص لدعم الإصلاح والمعارضة وأخرى لتأكيد حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، ومنها للانفتاح و آخر للّيبرالية، والحقيقة أن كل هذا التمويه والتضييع والتجفيف ما هو إلا تهرباً مما أفرزته نتائج الانتخابات الجديدة، وعدم رغبة الدول المانحة بالإيفاء بالتزاماتها الدولية، وهروباً منها لمواجهة الواقع، ومراضاة لأمريكا وإسرائيل، كما أن الهدف منها تمزيق الصف الفلسطيني وبعثرة جهوده وإلهاؤه واستغلال أمواله من قبل حفنة معينة لأغراض محددة، وفكرة تعمل على التجزئة والشرذمة والتفرقة وانتشار الفساد، على العموم فإن الشعب الفلسطيني لديه الخبرة الطويلة في المعاناة والتأقلم مع الألم وتجرع الآلام والصبر على الشدائد وانتظار الفرج، لذا فإن محاولة دفعه لليأس والإحباط ستزيد من حيويته ومناعته وصلابته.
يتضح مما سبق أن المستقبل المنظور أو حتى البعيد لا يحمل في طياته أي تسوية، إذ بعد مرور أكثر من اثني عشر سنة على اتفاقية أوسلو لم تف إسرائيل بالعديد من وعودها التي التزمت بها، وبدلاً من تقديم مبادرات حقيقية تثبت حسن النوايا كثفت من سياسة المراحل والخوض في المفاوضات وتوسيع المستوطنات واستكمال بناء الجدار وإفراغ الغور، والتضييق على الفلسطينيين، مما يمنع من إجراء أية تسوية سياسة خصوصاً بعد أن قامت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بتنفيذ معظم ما تعهدت به كإلغاء بعض بنود الميثاق والاعتراف بإسرائيل.
إن المنطلق الحقيقي لأية تسوية لا بد أن يبدأ من مبدأ خذ وهات وعلى أساس سياسة تبادلية من كلا الطرفين يراعي فيه كل منهما أصل الصراع، ويستند على إرجاع الحقوق لأصحابها وتحقيق العدل ونشر الأمن والسلام، أما مسلسل الحل أحادي الجانب، وسياسة التغاضي عن الحقوق، وفرض الإملاءات والشروط فلن يجدي نفعاً فليس بالاكراه والتجويع يتحقق السلام، لذا علينا أن نعي المخططات التي تحاك لنا، وأن نتكاتف معاً متخذين من التعددية وتداول السلطة والمشاركة الفعلية مدخلاً عاماً للوحدة الوطنية واضعين أمام أعيننا إصلاح وبناء الوطن، وحرية واستقرار المواطن، والارتقاء بأهدافنا نحو مصالحنا العليا فوق أية مصالح آنية أو فئوية أو شخصية.
وعلى الأمتين العربية والإسلامية أنظمة ونخب سياسية مساندة الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده والوقوف معه في محنته، وعلى العالم بأسره أن يعرف بأن الشعب الفلسطيني كغيره من شعوب العالم لا يبيع حقوقه أو يتنازل عن مبادئه أو يتاجر بإرادته، مقابل تجفيف الأموال والمعونات عنها، أو تخويفها وتجويعها.
نبيل حمودة
من يقف وراء الفتنة الطائفية في العراق؟
تحركت القوى الأجنبية لإشعال نار الفتنة الطائفية والمذهبية في العراق، وللزجّ بشعبه في أتون من الفوضى العارمة التي ربما انتقلت عدواها الى مواقع أخرى يقتل فيها المسلمون بعضهم بعضاً، في حرب أهلية يصعب تصوّر نهاية لها.
وأول ما يلاحظ عند التمعن في انفجار الوضع في العراق بين السنّة والشيعة، هو أنه يأتي في أعقاب الانتفاضة الايمانية التي هب فيها العالم الإسلامي من أقصاه الى أقصاه احتجاجاً على نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الأكرم، عليه الصلاة والسلام. فقد تحرك المسلمون في كل مكان خلال الفترة الأخيرة في استنكار عارم لهذا الجرم الشنيع، وكان لهذا التحرك أصداؤه الواسعة في العالم أجمع، بحيث ظهر للعيان بالوضوح الكامل وقوف المسلمين قاطبة موقفاً موحداً من أجل هدف واحد أجمعوا عليه، وهو رفض الاساءة الى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم. وكأن القوى المعادية للإسلام الحاقدة عليه والرافضة لكل القيم النبيلة والمبادئ السامية أرادت أن ترد على هذا الموقف الجماعي الذي وقفه المسلمون، وأن تخلق بؤرة للتوتر الشديد في العراق الذي أصبح قابلاً للانفجار كلما شاء أعداء الإسلام والأمن في هذه المنطقة من العالم أن يزيدوا في إذلال هذا الشعب وفي احتلال هذا البلد.
إن تفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري «ع» في سامراء والهجوم على عدد كبير من المساجد في مناطق مختلفة من العراق، قد شحنا النفوس القلقة التي تعيش أوضاعاً غير مستقرة منذ سنوات عدة، مما دفع بعشرات الآلاف من أبناء الطائفتين السنّية والشيعية الى حال من الاستنفار يتوقع أن تؤدي الى مزيد من الاضطراب بتوسيع دائرة الانفجار الشعبي الكاسح الذي لا يجد أمامه حاجزاً يصده عن الاندفاع نحو المهاوي السحيقة والمسارات التي لا يعلم نهايتها أحد. وقد سقط حتى الآن عشرات القتلى في صفوف الجانبين.
وإذا كنا ممن لا ينساقون مع نظرية المؤامرة في كل الأحوال، فنحن اليوم لا يخامرنا الشك في أن أيادي مجرمة يحركها الحقد والكراهية هي التي أشعلت فتيل الصراع المفتعل بين السنّة والشيعة في العراق الذين توحدهم عقيدة واحدة، ويتجهون الى قبلة واحدة، ويرتبطون بمصير واحد. وهذه الأيادي المجرمة هي التي زجت بهذا البلد الشقيق العريق في إسلامه وعروبته والاصيل في حضارته ومجده التاريخي في هذه الفتنة، وهي التي فجرت الوضع لغرض خبيث - تسعى اليه - ذي وجهين، أولهما التغطية على الموقف الموحد الذي اتخذه العالم الإسلامي من نشر الرسوم المسيئة الى رسول الله الأكرم وصرف الانتباه عن الوحدة الشعورية التي تمثلت فيها الرابطة الإسلامية التي تجمع المسلمين، وثانيهما اغراق العراق في بحر جديد من الدماء والدموع بالفتنة الطائفية والمذهبية التي كانت نائمة، مما يُبعد الأنظار عن الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الأجنبي لهذا البلد العربي المسلم.
إننا نعلم يقيناً أن القوى التي تسعى الى زعزعة استقرار العالم الإسلامي وتمزيق صفوفه وادخاله في دوامة القلاقل والاضطرابات التي تؤدي الى الحرب الأهلية هنا وهناك، لها مصلحة في اشعال نار الفتنة المدمرة في العراق لتغطي على الجرائم التي ترتكبها، ولتخفي ولو موقتاً، فشلها الذريع الذي منيت به في العراق، وهو فشل مكشوف يؤكد اخفاق السياسة العدوانية والتوسعية التي انتهجتها الدولتان اللتان تحتلان العراق اليوم، يشهد به ويعترف من يملك الشجاعة من أحرار الفكر من مواطني هاتين الدولتين، وهم كثر. وينبغي أن لا يغيب عن الأذهان لحظة واحدة، أن إسرائيل هي المستفيدة مما يجري في العراق، وأن ثروات هذا البلد هي المستهدفة، وأن تشويه صورة الإسلام باقتتال المسلمين بعضهم بعضاً هو الهدف الذي تعمل له، إضافة الى تحويل الأنظار عما تمارسه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني من سياسات استيطانية استئصالية عدوانية.
ويتزامن ظهور نذر الحرب الأهلية في العراق مع الجهود والمساعي التي يقوم بها حكماء العالم بالدعوة الى إقامة تحالف بين الحضارات الإنسانية يهدف الى زرع الثقة وتعزيز الاحترام المتبادل وترسيخ أسس التفاهم والتعايش والحوار البنّاء، مع قيام بعض القيادات الأوروبية بالتجاوب مع هذه الدعوة الإنسانية الى التحالف بين الحضارات، والى كسر دائرة العنف والتعصب والإرهاب، والعمل معاً من أجل استتباب الأمن والسلام في العالم أجمع. ومن المؤكد أن من الأهداف المتوخاة عرقلة هذه الجهود والحيلولة دون المضي في المساعي الرامية الى إقامة تحالف حقيقي بين الحضارات.
إن ما يجري اليوم في العراق هو أمر خطير للغاية بكل المقاييس، سيكون له عواقب وخيمة إذا لم تتحرك الإرادات الحية وذوو النيات الحسنة والعقول الراجحة لوضع حد له. وان العالم الإسلامي الذي تروّعه الأحداث الدامية والأوضاع المتفجرة في العراق، يتطلع الى تطبيق استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية التي صادق عليها مؤتمر القمة الإسلامي العاشر الذي عقد في ماليزيا سنة .۲۰۰۳ هذه الاستراتيجية التي اشترك في وضعها وصوغها علماء وفقهاء ومفكرون وأكاديميون من المذاهب الإسلامية تحت اشراف «المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة» «ايسيسكو» التي تدعو المسلمين قاطبة الى نبذ الخلاف والفِرقة والتشتت والخصومة المذهبية والصراع الطائفي، والى الرجوع الى الاصول المشتركة بين كل المذاهب الإسلامية التي لا خلاف حولها، والى تغليب مصلحة الإسلام أولاً وقبل كل شيء على أي مصلحة أخرى مهما تكن.
لقد آن الأوان لتتحرك القيادات الدينية في العراق وفي باقي دول العالم الإسلامي من علماء السنّة والشيعة وفقهائهم، ومن كل ذي إرادة حازمة ونية حسنة وعقل راجح لمناشدة الجميع الكفّ عن ممارسة كل الأعمال التي تلحق الضرر بالإسلام والمسلمين على تعدد مذاهبهم. والمسؤولية في المقام الأول تقع على عاتق هذه القيادات الدينية العراقية، كما تقع على قادة الدعوة والفكر الإسلامي والعمل الإسلامي المشترك في الدول العربية الإسلامية، خصوصاً شيخ الأزهر الشريف والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي والأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي والأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي والمدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وغيرهم.
ولست في حاجة الى القول إن انفجار الفتنة الطائفية في العراق سيكون مقدمة لما هو أدهى وأخطر، فأعداء الإسلام ينظرون الى هذا الانفجار كأنه تجربة أولى ستعقبها تجارب يخططون لها. وهذا منتهى الخطر الذي يجب على أولي الرأي والنباهة والحصافة أن يعوه جيداً، وأن يقدروه حق قدره.
إن القوى المعادية للإسلام - وينبغي أن نقر ونعترف بأن ثمة قوى معادية للإسلام وحاقدة عليه - تتربص الدوائر بالمسلمين في كل مكان، وهي تنفذ اليوم في العراق حلقة من مخطط عام وضعته في غفلة من العالم الإسلامي، وهو اشعال الحرب الطائفية في العراق، تمهيداً لتقسيمه، ثم تأتي الحلقة التالية التي علينا أن نعمل من الآن لمنع تنفيذها، وذلك بالمزيد من التضامن والتآزر ومراعاة المصالح العليا للأمة الإسلامية، وفضح المخططات الاجرامية التي تقف وراءها القوى المعادية للسلام وينفذها عملاؤها المندسون بيننا.
عبدالعزيز بن عثمان التويجري
يستطيع بوش، لو تجرأ، أن يحقق اختراقا في النزاع العربي الإسرائيلي المستعصي
لم يكن الرئيس بوش في يوم من الأيام أحوج إلى الشجاعة السياسية منه إليها الآن. فالشرق الأوسط على شفير كارثة قد تؤثر على أميركا نفسها ما لم تقم بعمل حاسم وجذري لمواجهة الموقف. فالسياسات الأميركية أدت إلى إشعال النار في المنطقة وتغيير هذه السياسات هو السبيل الوحيد لإخماد النار.
فالعراق يوشك أن يصبح مسرحا لحرب أهلية وحشية وإن لم تندلع بعد. وأفغانستان التي عادت طالبان تهددها من جديد، تعاني آثار الأفيون المدمرة وتوشك على الانزلاق إلى الهاوية. وفي باكستان يسير الرئيس مشرف على صراط خطير بين سياسات أميركا الاقتحامية العمياء و«الحرب على الإرهاب» وبين خصومه الحريصين على قلب نظامه.
لقد تصورت إسرائيل أن سحق العراق سيؤدي إلى عهد تسود فيه الهيمنة الأميركية - الإسرائيلية على المنطقة، غير أنها نادمة اليوم على دعمها الحماسي لقلب نظام صدام حسين. ذلك أن الحرب قد برهنت على محدودية القوة الأميركية أمام المقاومة الشرسة التي أيقظها الغضب الإسلامي.
أما إسرائيل التي تدعي بأنها بحاجة الآن إلى «عمق استراتيجي» أكبر فإنها تخطط للاستيلاء على أكثر من ربع الضفة الغربية، الأمر الذي يعتبر بمثابة وصفة لمزيد من العنف لأنه يقلص أي «دولة فلسطينية» في المستقبل إلى مجموعة بائسة من الكانتونات المنعزلة التي لا يمكن لأي زعيم فلسطيني أن يقبل بها، خصوصاً إذا كانت الحكومة بقيادة حركة حماس.
واللوم في قائمة الكوارث هذه يقع خطأ أو صوابا على أميركا. فهي لم تبلغ يوما هذا الحد من الكراهية التي تكنّها لها شعوب الشرق الأوسط. هذا في الوقت الذي تستعد القاعدة لتوجيه ضربة جديدة.
ومع أن الوضع الإقليمي يبدو اليوم مظلما أكثر من أي وقت مضى فإن العراق والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني من شأنهما أن يمنحا الرئيس بوش فرصة لإنقاذ رئاسته وموقعه في التاريخ، ولكن شريطة أن تكون لديه الشجاعة لتصحيح مساره وهدفه.
فأميركا لم يعد لها مكان في العراق الجريح خصوصا بعد أن أطلقت العنان لشياطين الطائفية. فعليها إذاً أن تعترف بالخطأ وتعلن عن جدول زمني لانسحاب قواتها وترك جيران العراق، إيران وتركيا والبلاد العربية، لتولي معالجة مشاكله. لأن هذه الدول ستكون مؤهلة، متى خرجت أميركا، لأن تعمل متحالفة على التوصل إلى هدنة بين الأطراف المتنازعة، فذلك يتفق جدا مع مصالحها قبل أن تصل حلقة العنف إلى بلادها.
فإذا ما تم التوصل إلى هدنة وساد العراق شيء من الهدوء فسوف يمكن عندئذ تأليف حكومة وحدة وطنية تكون أولى مهامها لمّ شمل البلاد من جديد. وسوف يحتاج العراق إلى صندوق لإعادة الإعمار يتم تمويله من أميركا وأوروبا وروسيا والصين واليابان، ودول الخليج «الفارسي» طبعا، ولا بد أن يترك للعراقيين شأن حل الخلافات في ما بينهم بعيدا عن تواجد قوات أجنبية.
كذلك الأمر بالنسبة للأراضي الفلسطينية حيث يتطلب الوضع اهتماما أميركيا فوريا. فالواقع أن الوصول إلى اتفاق عربي إسرائيلي قد يكون السبيل الوحيد لوقف تأييد الإرهاب في سائر المنطقة وإنقاذ سمعة أميركا المنهارة. فالمناسبة إذاً متوفرة واستطلاعات الرأي العام تشير إلى أن سبعين في المئة من السكان يرغبون بحل يقوم على إنشاء دولتين. ومن حق المرء أن يتساءل في هذه الحال: لماذا لم يتم التوصل إلى اتفاق؟ الأرجح أن ذلك يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية: أولها أن ميزان القوى يميل بشكل فاضح إلى إسرائيل، والثاني أن هنالك خلافا واسعا حول حدود إسرائيل النهائية، والثالث هو أن المتطرفين في الجانبين سيسارعون إلى نسف أي اتفاق لا يلبي مطالبهم.
وكمثال على التطرف نذكر على وجه الخصوص شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي والعضو البارز في حزب ليكود الذي انضم إلى حزب كاديما الجديد، ولكن دون أن يغير أفكاره المتشددة. فهو قد أعلن هذا الأسبوع بأن إسرائيل تنوي الاحتفاظ بما لا يقل عن ست مستوطنات كبرى إضافة إلى القدس الشرقية ووادي الأردن، أي أكثر من ربع الضفة الغربية.
فإذا كانت واشنطن ترغب باستعادة شيء من سلطتها وصدقيتها فعليها أن تتبرأ فورا من مشروع سلب الأرض هذا، وتؤكد تحررها من النفوذ الإسرائيلي البالغ. ذلك أن النزاع يدل على أن الفلسطينيين والإسرائيليين لا يمكن أن يتوصلوا إلى اتفاق في ما بينهم، فهم بحاجة إلى تدخل حازم لمساعدتهم لا تملك القدرة عليه سوى أميركا وحدها. ولدى بوش الآن الفرصة لإعادة الاعتبار إلى أميركا بعد إخفاقاتها العديدة في مسيرة السلام طوال الخمسة عشر سنة الماضية.
ولقد أخفق الرباعي المؤلف من أميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في التوصل إلى اتفاق. والسبب يعود بصورة خاصة إلى أن هذا الرباعي لم يوضح يوما تصوره للحل النهائي. فالرباعي اكتفى بطرح خريطة الطريق دون توضيح وجهتها. ونتيجة لذلك تم تجاهلها من قبل طرفي النزاع وتابعت إسرائيل توسيع المستوطنات وبناء جدار الفصل في عمق الأرض الفلسطينية في حين أخفقت السلطة الفلسطينية في تجريد المليشيات المتطرفة من سلاحها كما كان يفترض أن تفعل.
فعلى أميركا إذاً أن تعلن بوضوح رؤيتها للحل النهائي لأن زمن التهرب والغموض قد ولى، لا سيما أن المعتدلين في الجانبين يعرفون تماما ما يمكن أن تكون شروط الاتفاق: القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية ذات السيادة والمنزوعة السلاح في الضفة الغربية وقطاع غزة. لا لحق العودة إلى إسرائيل بالذات، فحدود ۱۹۶۷ هي نقطة البداية في أي مفاوضات حول الأراضي. تعويض الفلسطينيين عن أي أرض تود إسرائيل الاحتفاظ بها في ما وراء الخط الأخضر وخصوصا الكتل الاستيطانية الرئيسية الثلاث وذلك بمنح الفلسطينيين مساحات أرضية مساوية. أما المستوطنات الأخرى، فلا بد من إزالتها وإسكان أهلها في إسرائيل.
على أميركا أن تقر مثل هذه المبادئ وتصر على ضرورة إجراء المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين تحت إشراف دولي. ولكي يكون لهذه المفاوضات أمل في النجاح فإن على أميركا أن تمنع إسرائيل فورا من محاولة عزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية وأيضا فصل الضفة عن غزة. وعلى الفلسطينيين من ناحيتهم أن يهيئوا الشروط الملائمة للتفاوض على اتفاق، وذلك بإقامة حكومة وحدة وطنية مؤلفة من فتح وحماس وغيرهما من الفصائل على أساس برنامج سياسي مشترك. وعليهم التأكيد على نبذ العنف على أساس هدنة طويلة الأمد، ودمج جميع المليشيات في قوة أمنية واحدة، ونزع سلاح المليشيات المتمردة كالجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى.
أجل، يصعب أن نطلب كل ذلك من الفلسطينيين في وقت يجهدون في البحث عن المال الضروري لتوفير لقمة العيش للشعب، وهم بحاجة ماسة لتنفس الصعداء بعد خمس سنوات من الحصار الوحشي. وإنه ليصعب أن يطلب من حركة فتح التعاون بعد الهزيمة التي منيت بها في انتخابات الشهر الماضي. وهنالك تيار قوي في فتح يحبذ عدم الاشتراك في الحكومة أملا في أن تخفق حماس في المهمة فتعود أيام العصر الذهبي - والمحسوبيات - ولكن أي انقسام في صفوف الفلسطينيين سيؤدي إلى الفشل في انتزاع دولتهم من إسرائيل التي تفوقهم قوة وجبروتا.
ويعتقد بعض المراقبين من الطرفين العربي والإسرائيلي أن هنالك أمرين ضروريين للوصول إلى نتيجة مرضية، الأول الإعلان عن قيام دولة فلسطينية تكون أقدر من منظمة التحرير أو من السلطة الفلسطينية على التفاوض بشأن الحل النهائي مع دولة إسرائيل. والثاني أن يكون هنالك تواجد دولي ميدانيا، مدني وعسكري، ليراقب سلوك الطرفين ويحافظ على السلام في الوقت الذي تجري فيه المفاوضات.
إن أميركا تملك المفتاح. وعليها أن تختار بين الانتظار العبثي لانعزال حماس وفشلها أو أن تقدم بالعكس على التعامل مع الممثلين الجدد في المنطقة. فلدى حماس حلفاء أقوياء في إيران وسورية وحركة الإخوان المسلمين الدولية وفي الرأي العام العربي. تلك هي القوى التي على أميركا أن تتعامل معها على الأقل من أجل سلامتها الذاتية.
باتريك سيل