السنة التاسعة - العدد۲۴۳۱ - الثلاثاء ۱محرم ۱۴۲۷ -۳۱/۱/۲۰۰۶
قضايا و آراء
Ara.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
ثقافة
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
استراحة
اقتصاد
رياضة
الاسرة
منوعات
الأرشيف
RSS
أقنعة توني بلير الافريقية
في ردها على تدفق المهاجرين عبر سبتة ومليلة في المغرب، اقترحت المفوضية الاوروبية «استراتجية من أجل أفريقيا». تندرج هذه الخطة ضمن سلسلة طويلة من المبادرات ومنها تلك التي اقترحتها اللجنة الخاصة برئاسة توني بلير عام .۲۰۰۵ بيد ان التدابير التي لحظها رئيس الوزراء البريطاني وتبنتها مجموعة الدول الثمانية لا تشي بتغيير في التوجه الاقتصادي الراهن.
جعل الفقر من الماضي في القارة الافريقية بفضل «مشروع مارشل حديث»: هذا ما طمحت اليه علانية قمة الدول الثماني المنعقدة في غلين ايغلزن اسكوتلندا، بين ۶ و۸ تموز/يوليو .۲۰۰۵ لم يوفّر شيء لاخراج هذا المنعطف. حتى ان رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، الذي استضاف القمة، لجأ الى الموسيقيين بوب غلدوف وبونو من اجل تنظيم حفلات موسيقية ضخمة لكسب الرأي العام للفكرة.
ان هذا النوع من الحملات الدعائية ليس جديداً، اذ أُلقيت خطابات مماثلة وبوفرة بعد اطلاق «الشراكة الجديدة من اجل التنمية في افريقيا» عام .۲۰۰۱ والافضل أنّ الدول الثماني تبنّت خطة عمل من اجل افريقيا، في قمة كاناناسكيس في كندا عام ،۲۰۰۲ وهو مشروع بقي حبراً على ورق. بالرغم من المظاهر، فإنّ مبادرة غلين ايغلز تبقى في التوجّه التقليدي، وإنّ تكاثر هذه المبادرات يعبّر، قبل كل شيء، عن رغبة بلدان الشمال الاستمرار في فرض وجهة نظرها حول التنمية، بالرغم من الفشل الذريع للوصفات التي تقدّمت بها.
منذ سنوات والسيد توني بلير يريد نفسه بطل «الكفاح ضد الفقر» في افريقيا. ومن ضمن هذا التوجه، أسّس عام ۲۰۰۴ لجنة من اجل افريقيا، أذاعت تقريراً في شباط/فبراير ۲۰۰۵ بعنوان «مصلحتنا المشتركة» استُخدم قاعدة لمناقشات قمّة الثمانية. وضمّت هذه اللجنة، برئاسة رئيس الوزراء البريطاني، ۱۷ شخصية من بينها المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، ميشال كامدوسوس، والرئيس التانزاني بنجامن مكابّا ووزير المالية الجنوب افريقي تريفور مانويل ورئيس الوزراء الاثيوبي ميليس زيناوي والسيد... بوب غلدوف.
بعد مجموعة من الجمل غير ذات الاهمّية من نوع «ان الفقر والركود في افريقيا هما من اكبر مآسي زمننا الحاضر»، يتنطّح تقرير اللجنة الى تفسير البؤس في القارة السوداء من خلال حزمة «معقّدة» من العناصر السياسية والبنيوية والبيئية والبشرية. لكنه ينظر الى الجغرافية وسوء الادارة كعوامل حاسمة، بينما البقية لا تلعب سوى دوراً ثانوياً وهي الارتهان للحاجة الى المواد الاساسية وضعف الانتاجية الزراعية وتدهور النظامين التعليمي والصحي ووزر المديونية الخارجية وهروب الرساميل وتدهور المبادلات وهجرة الادمغة الخ...
يسترجع هذا التحليل الطروحات السطحية التي يصدرها عادة «الخبراء» الغربيون ومناصروهم من الافارقة والمؤسّسات المتعدّدة الطرف. وهو يخفّف خصوصاً من اهمية العوامل الخارجية، فالبيئة الدولية «تدهور المبادلات التجارية وهجرة الرساميل» لا تُطرَح إلاّ من الوجهة التقنية الجزئية. ولا يرد ذكر لعلاقات السلطة التي تتميّز بها العلاقات الدولية وتفسر هيمنة دول الشمال على المؤسّسات المتعدّدة الطرف صاحبة القرارات.
في المقابل، تتغيّر اللهجة بعض الشيء عند الحديث عن بداية تراكم الدين الخارجي، اذ يعترف التقرير بأنّ «الدين في جزئه الاكبر حصل من قبل الديكتاتوريين الذين أثّروا عن طريق النفط والالماس وغيرهما من موارد البلاد والذين استفادوا، إبّان الحرب الباردة، من دعم الدول التي تتقاضى اليوم هذه الديون. العديد من هؤلاء الحكّام سلبوا المليارات... باستخدامهم الانظمة المالية للبلدان المتطوّرة».
تقترح بريطانيا تمويل الزيادة في المساعدات، من خلال عائدات تُحصَّل من اقامة نظام «تسهيل التمويل الدولي»، ويتعهّد كلّ بلد بموجبه دفع مبلغ محدّد مقابل تعهّدات اقتصادية مشدّدة من قبل البلدان المُستفيدة. هكذا تبقى وتيرة المساعدات للتنمية متوقِّعة وثابتة. ويُمكن لصندوق تسهيل التمويل الدولي تحصيل المساعدات مباشرة من الاسواق الدولية للرساميل وتقديمها الى البلدان الفقيرة. لكن هذه الآلية تعزّز الشروط الاقتصادية التي تُفرَض على بلدان الجنوب. بتركيزه على التنمية، يُرجِئ نظام تسهيل التمويل الدولي اصلاح النظام التجاري او ايجاد أملاك عامّة وشاملة. وتقترح بريطانيا استكشاف طُرُق أخرى، كفرض ضريبة على النقل بايحاء من فرنسا. اضافة الى زيادة المساعدات، تقترح قمة الثمانية الالغاء التامّ لديون بعض الدول، في اطار المبادرة من اجل الدول الفقيرة الاكثر مديونية. لكنّ إبطال الدين لا يشمل سوى ۱۸ دولة من أصل ،۶۲ مُدرَجين في لائحة الامم المتحدة، ضمن اطار «أهداف الالفية للتنمية»، علماً بأنّ هذا الالغاء يتمّ على مراحل تصل الى أربعين عاماً. لذلك فانه وفق «يوروداد»، وهي تجمّع للمنظمات الاوروبية لمكافحة الفقر ومركزها بروكسل، فإنّ القيمة الحقيقية للالغاءات تصل الى ۱۷ مليار دولار وليس الى .۴۰ أضفْ اليه أنه، مقابل كلّ دولار يُلغَى من الدين، هناك دولار ينقص من المساعدات. فقرار مجموعة الثمانية يبدو بالتالي أنه لا يلبّي اهداف الألفيّة. لكن الشرط الرئيسيّ لإبطال الدين هو تسريع سياسات الليبرالية والخصخصة. ويُفترض بأن تأتي الموارد الرئيسية للتنمية من القطاع الخاص، ومن هنا التشديد على «حسن الادارة» التي يجب ان تخلق الشروط المؤاتية للاستثمارات الاجنبية. وفي استعادة لإحدى توصيات لجنة بلير، تشدّد قمة الثمانية على أنّ «المؤسّسة الخاصة هي المحرّك الرئيسيّ للنموّ والتنمية». لا ذكر لدور الدولة في اعادة توزيع الثروات والاستفادة من الخدمات الضرورية كالماء والكهرباء ومكافحة اللاّمساواة.
من ضمن هذا المنظار، يكون على الدول الافريقية إدخال المزيد من الليبرالية على سياساتها التجارية، بالاتّكال على الدول الثماني والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من اجل «بناء القدرة المادية والبشرية والمؤسّساتية الضرورية للتجارة بما فيها اجراءات تسهيل المبادلات». تذكّر هذه الاملاءات بتلك التي حدّدتها، قبل ۲۵ عاماً، المؤسّسات المتعدّدة الطرف والاطراف المانحة، والتي قدّرت منظمة المساعدة المسيحية كلفتها الاجتماعية والاقتصادية بالباهظة جداً «خسارة فرص العمل، انهيار المؤسّسات الصغيرة الحجم الخ..»، حيث أنّ التوجّه الليبرالي للتجارة منذ ۱۹۸۵ أدّى الى خسارة الدول الافريقية ما قيمته ۲۷۰ مليار دولار. تتفادى مجموعة الدول الثماني بعناية مسألة الدعم الزراعي في البلدان الغنية، وهذا ما يفسّر، ولو جزئياً، الفقر الواقع على الدول الافريقية. ففي العام ۲۰۰۲ مثلاً، أدّت المساعدات التي تمنحها الولايات المتحدة الى مزارعي القطن، البالغ عددهم ۲۵ الفاً، الى تراجع سوق القطن العالمي بنسبة ۲۵ بالمائة، ممّا أدّى الى خسائر ب۳۰۰ مليون دولار على صادرات كلّ من بنين وبوركينا فاسو ومالي، وجميعها مصنّفة بين الدول الاقلّ تقدّماً. مع ذلك، فإنّ لجنة بلير تشير الى أنّ زيادة الصادرات الافريقية، بنسبة ۱ بالمائة، ترفع قيمة هذه الصادرات الى ۷۰ مليار دولار سنوياً، أي أربعة أضعاف المساعدة العامة للتنمية.
إحدى ميزات التقرير، إن لم تكن ميزته الوحيدة والتي تتجاهلها القمّة، هي الدعوة الى اعادة توطين الرساميل، المسلوبة من الشعوب الافريقية على أيدي الانظمة غير الديموقراطية، والمُودعة في البلدان المتقدّمة. وفق التقرير، فإنها تساوي اكثر من نصف الديون الخارجية للقارّة أي مئات مليارات الدولارات. إنّ وضع هذا الاجراء موضع التنفيذ، من جانب حكومة توني بلير، يكون في الواقع امتحان حسن نوايا من رئيس الوزراء البريطاني الذي يقدّم نفسه «بطل مكافحة الفقر» في افريقيا. في الحقيقة، إنّ الرغبة المُعلنة لمجموعة الدول الثماني، في محاربة الفقر، تُخفي تطلّعات اقتصادية واهتمامات جيو استراتجية. فالسيطرة على الموارد الطبيعية الضخمة التي تعجّ بها افريقيا، من شأنها تمييل الدفّة في الحرب الاقتصادية التي تتواجه في البلدان الغربية. فكما تُوحي به لجنة بلير «بقدر ما يتغير العالم ويتطوّر بقدر ما تصبح الموارد الافريقية حاجة حيويّة لازدهار العالم». وكانت الولايات المتحدة، وبحجّة الحرب على الارهاب، عمدت الى «ضمان أمن» الدول الافريقية الغنية بالنفط. في الموازاة، تُضاعف كلّ من واشنطن والاتحاد الاوروبي من ضغوطها التجارية والاقتصادية على القارة الافريقية. ففي العام ،۲۰۰۰ انشأت واشنطن أداة للتدخّل في الاقتصادات الافريقية، تسعى الى رفع كافة الحواجز الجمركية وغير الجمركية من امام البضائع الاميركية. من جهته، يريد الاتحاد الاوروبي أن يفرض على افريقيا اتفاقيات تجارة حرّة، تُعرف باسم «الشراكة الاقتصادية».
دمبا موسى دمباله
محكمة عليا جدا في الولايات المتحدة
بالرغم من تراجع شعبيته المستمر الا ان الرئيس الاميركي سيتمكن من اجراء تغيير طويل الامد في توجه المحكمة العليا الاميركية. فمرشحه الى رئاستها، السيد جون روبرتس، حصل على موافقة مجلس الشيوخ. أما السيدة هارييت مايرز التي ستخلف قاضيا مؤيدا للاجهاض فلا توافق على الاجهاض الا في حال يشكل الحمل خطرا على حياة الام.
يتكرر السيناريو نفسه في العاصمة الفيديرالية، على مراحل منتظمة. يشغر أحد المقاعد في المحكمة العليا إثر استقالة أو وفاة أحد الأعضاء التسعة المعينين لمدى الحياة. يعيّن رئيس الجمهورية مرشّحه، فتعقد لجنة الشؤون القضائية التابعة لمجلس الشيوخ، والتي عليها تقويم ميزات المرشّحين، جلسات استماع عامّة يلقي خلالها أعضاء مجلس الشيوخ الخطابات المفخمة، فور تصويب عين الكاميرا ناحيتهم، قبل أن يوجّهوا سؤالاً أو اثنيْن الى المرشّح. يرفض هذا الأخير، بشكل عام، الردّ على الأسئلة المُلتبسة، متحجّجاً بأنّ أيّ تحديد من جهته قد يجازف بحرّيته المستقبلية بإصدار الأحكام. مع ذلك، يصوّت أعضاء اللجنة لمصلحته. يتبعهم مجلس الشيوخ. يصبح لدى الولايات المتحدة حينها قاضٍ جديد سيصدر على مدى عشرات السنين أحكاماً مصيريّة تتعلّق بالمجتمع الأميركي.
جرت الأمور على هذا المنوال، باستثناء مرّة أو مرّتيْن، منذ العام ،۱۹۸۶ السنة التي بدا فيها السيد أنتونين سكاليا متهرّباً خلال جلسة الاستماع اليه، لدرجة أنه رفض أن يقول لأعضاء مجلس الشيوخ اذا كان يؤيّد أم لا الحكم الشهير الصادر عن المحكمة الذي أقرّ، في العام ،۱۸۰۳ عن حقّها بالاعلان عن عدم دستورية قانون صادر عن الكونغرس. في العام ،۲۰۰۵ لم تتغيّر العادة، لكن الرّهانات أصبحت مرتفعة أكثر من العادة. سيتمّ تغيير شاغلي منصبيْن - وليس واحداً. منصب ويليام راينكويست، الرئيس السابق اليميني المتطرّف، الذي توفّي مؤخراً بعد قضائه ثلاثة وثلاثين عاماً في المحكمة العليا. كذلك منصب السيدة ساندرا أوكونور الأكثر اعتدالاً والمرأة الاولى التي شغلت منصباً في المحكمة العليا. إن كان تمّ استبدالها بامرأة محافظة أكثر منها، فسيكون للأمر تأثير طويل الأمد على التوازن داخل المحكمة - وفي البلد. بات خلف ويليام راينكيست معروفاً، بما أنّه تمّ تأييد السيد جون روبيرتس الابن الذي ليس أبداً محافظاُ أكثر من الرجل الذي سيأخذ مكانه، في نهاية أيلول/سبتمبر، من قبل مجلس الشيوخ بغالبية كبيرة «۷۸ صوتاً مقابل ۲۲». صوت كافّة الجمهوريّين لمصلحته، يرافقهم نصف الديموقراطيّين.
يعود الوضع الملائم، للأعداء المُفترضين للسيد بوش، الى العديد من الأسباب. الأكثر جلاء هو أنّ الديموقراطيّين لا يزالون متأثّرين بهزيمة العام ،۲۰۰۴ لقد أثّرت على ثقتهم بأنفسهم. لكن السبب الأساسيّ لروعهم يعود الى اتّساع الانشقاق الايديولوجي في الولايات المتحدة. يُقال غالباً أنّ موقع الرئيس بوش أضعفه المجرى الذي اتّخذته العمليات العسكرية في العراق وإهمال البيت الأبيض في مواجهة إعصار كاترينا. الأمر دقيق جزئياً. فالرئيس يستمرّ بالاستفادة من الديناميكية المحافظة التي تعيد رسم المجتمع. منذ عشرين عاماً، لم يكفّ الديموقراطيّون عن الاعلان عن تراجع اليمين. لكن هم الذين يستمرّون بالتراجع.
المحكمة العليا ليست غريبة عن هذا التطوّر. حتى ولو بدا أنّ التقدّميين نسوا الأمر، لطالما كرهوا هذه المؤسّسة. فقد كانت تجمع، بحسب تعبير فرانكلين روزفلت، «تسعة عجائز» مهمّتهم احتواء الديموقراطية والحدّ من الاصلاحات الاجتماعية والسهر على إبقاء البلاد تحت وصاية الأغنياء.
في العام ،۱۸۵۹ سهّلت المحكمة المواجهة الأكثر دمويّة في تاريخ الولايات المتحدة، الحرب الأهلية، عندما قرّرت أنه ليس من حقّ ولايات الشمال منع العبودية في كافّة أنحاء البلاد. هاجمت الحركة النقابية في تسعينات القرن الماضي، قبل إعاقة القوانين التقدّمية للسياسة الاقتصادية الجديدة «نيو ديل» بعد أربعين عاماً. في العام ،۱۹۳۷ ردّ فرانكلين روزفلت على هذا الحاجز المُحافظ، عبر اقتراح «حشو المحكمة» «اقترح تسمية ستّة مُثبتين إضافيّين، جميعهم تقدّميون». خسر هذه المعركة لكنه ربح الحرب: عدل القضاة عن المواجهة وتنازلوا لرغبة الشعب.
رسمياً، بإمكان مجلس الشيوخ معاقبة القضاة بسبب أحكامهم، لكنّ التقدّميين سيكونون أوّل من يعتبر ردّة فعل كهذه بمثابة اغتصاب للعقيدة المقدّسة لفصل السلطات. هكذا، تبقى المحكمة الملاذ الأخير الذي لا توازيه أيّة سلطة أخرى. وهي الأكثر تشابهاً مع ما تقدّمه واشنطن من سلطة تتمتّع بسيادة مطلقة.
إنّ وضعاً كهذا، والذي يكاد يكون مقبولاً طالما أنّ المحكمة اكتفت بلعب دور الملاذ الأخير، أصبح أكثر جدليّة، منذ أن تحوّلت المحكمة الى منظّمة لجأت اليها أوّلياً كافة المجموعات الطوّاقة الى تحوّلات اجتماعية «نساء، أقلّيات، سجناء، الخ.». لأنّ المسؤوليات الجديدة، التي أخذتها على عاتقها، كانت قد سحبتها من السلطات المنتَخَبة، بالأخصّ الكونغرس. وبعيداً كلّ البعد عن تعزيز السيادة الشعبيّة، حوّلت الشعب الى مجرّد مُشاهد مُطيع للقرارات الصادرة عن القضاة غير المنتخبين الذين يتكلّمون باسمه.
وجاءت العواقب السياسية لهذا التبديل في المواقف كما كان متوقّعاً: كلّما اعتمد اليسار الأميركي على المحكمة العليا، كلّما قلّ اهتمامها برأي الأميركيين العاديين الذين غالباً ما تعتبرهم مجموعة محافظة تمارس التمييز العنصري والجنسيّ. لم يعد أمام المروّجين لليمين بعد ذلك، في المقابل، الاّ تحقير المتكبرين التقدميين، روّاد الجامعات النخبوية الذين كانوا يتبارزون بالتعجرف مُتقوقعين في هارفارد أو بيركلي. لم يفهم الديمقراطيّون بسرعة ما الذي يحدث. لقد تصوّروا أنهم أكثر قدرة على ربح الدعاوى منه الانتخابات، لذا قرّروا الإشاحة بوجههم، في الساحة السياسية، عن المسائل المتعلّقة بالاجهاض والصلاة في الأماكن العامة، الخ. لا شكّ أنهم تخيّلوا هكذا أنه، فور تأمين المحكمة ما يستلزم هذه المواضيع غير الشعبية، سيتمكنّون دون ندم من عقد تنازلات ديماغوجية مع اليمين. فبدل أن يعارضوا الجمهوريّين، غالباً ما قلّدوهم. لكنهم للأسف، لم يعودوا يحرزوا نجاحاً، منذ حوالي العشرين عاماً، حتى في المجال القضائي، بحكم الانحراف اليميني للمحاكم التي اختير عدد كبير من قضاتها - وليس فقط في المحكمة العليا- من قبل رؤساء الجمهورية الذين سيكونون قد احتلّوا البيت الأبيض، في العام ،۲۰۰۸ لمدّة ثماني وعشرين من أصل الأربعين سنة الأخيرة. خلاصة، لقد خسر الديمقراطيّون في المجاليْن. يشكّل وصول السيد جون روبيرتس الى المحكمة العليا، والوصول، غير المؤكّد منه، للسيدة هارييت مايرز «المعروفة خاصة بانتمائها الى تكساس وبقربها من الرئيس»، الفصول القضائية الأخيرة لهذه القصة. لقد درس السيد روبيرتس، البالغ من العمر خمسين عاماً، في مدرسة داخلية كاثوليكية؛ تخرّج من جامعة هارفرد. وفي كافة المواقف التي اتّخذها منذ خمسة وعشرين عاماً تميّز بيمينيته.
لقد عارض دعم الضمانات الانتخابية للأقلّيات، ودعم جهود الجمهوريّين للحدّ من نطاق الدمج العرقيّ والمساواة الجنسية عن طريق القضاء، وذكر مازحاً ما «يُسمّى» بحقّ حماية الخصوصية، وناقش دقّة القرار الذي يشرّع الاجهاض الصادر في العام ۱۹۷۳؛ أخيراً، كتب مؤيّداً التوقّف دقيقة صمت - أي للصلاة الفردية- في المدارس العامة. من جهة أخرى، إنّ فلسفته القضائية مُحافِظة تتّسم بكثير من الصرامة: بالنسبة اليه، يجب الاستناد الى نصّ الدستور «الذي تمّ نصّه منذ أكثر من قرنيْن من الزمن» بدل البحث عن الترجمة المبالغ فيها لما يقوله النصّ اليوم.
لم يؤدِّ شيء من كلّ ذلك الى تحريك حماسة الديمقراطيّين. وخلال جلسات الاستماع اليه أمام لجنة مجلس الشيوخ، بدا السيناتور جوزيف بيدن، المرشّح الوهمي للبيت الأبيض للعام ،۲۰۰۸ مُستاءً من أنّ السيد روبيرتس أبدى ازدراءه بالقانون ضدّ العنف الذي يُمارس على النساء، والذي كان السيد بيدن أحد عرّابيه في البرلمان: احتجّ قائلاً «أنا الذي نصّيته مع مجموعة العمل التابعة لي». وبنبرة أكثر تباكياً، تطال على الأرجح جمهوراً واسعاً جداً، توجّهت السيناتور الديموقراطية ديان فاينشتاين الى كلّ شخص عانى أبوه أو زوجه من مرض السرطان، قبل أن تسأل السيد روبيرتس: «إذا كنتَ مكان شخص يحبّ بصدق شخصاً آخر يتعذّب، رأي من تفضّلون أن تسمعوا، رأي الطبيب أو رأي السلطات؟س.اضطرب السيد روبيرتز قليلاً، ولم يعرف بماذا يجيب...
خلال الأيام الثلاثة التي دامت خلالها جلسة الاستماع اليه، رفض أن يجيب على مئات الأسئلة التي وُجّهت له، مُختبئاً وراء العموميّات، مُعتبراً بكلّ تواضع أنّ «القضاة هم بمثابة حكّام. لا يضعون القواعد بل يطبّقونها.» كما لو أنه من السهل ترجمة «القواعد» التي نصّ عليها الدستور الأميركي وبأنها نهائيّة كقواعد البايسبول. أخيراً، بعد أن تمّت مساءلته حول بعض كتاباته المُحافِظة جدا«في الفترة التي كان يشغل منصباً ثانوياً نسبياً في إدارة ريغن»، شرح بأنه تصرّف حينها كأيّ محامٍ يقول ما يودّ زبونه أن يسمعه، بحسب اعتقاده. أثار دعم السيد روبيرتس، لموقف البيت الابيض من ملفّ المعتقلين في غوانتانامو، قلق السيد راسل فاينغولد الذي تعنيه مسألة الحرّيات العامة بشكل خاص، كونه السيناتور الوحيد الذي عارض قانون الامن القومي «الباتريوت أكت» في تشرين الأول/أكتوبر .۲۰۰۱ لكنه صوّت هو أيضاً لمصلحة من أصبح اليوم رئيس المحكمة العليا.
إنّ انحناء الديمقراطيّين أمام السلطة القضائية الأعلى في البلاد جاء لمصلحة السيد روبيرتس. فبعد أن صبّوا الكثير من جهودهم في فكرة محكمة عليا تجسّد مبادىء الدستور الأبدية، يترددون اليوم في إعادة النظر بسلطتها. منذ أن بدأت المحكمة تتعالى عن الجموع، أصبحوا ينفرون من إخضاعها لمحاكمة قضائية ويتردّدون قبل مساءلة أولئك بالتحديد الذين يمثللون أمامها القرارات التي سيتّخذونها.
إلاّ أنّ لا شيء منع يوماً ما قاضياً من مناقضة تصاريحه السابقة من خلال إصدار حكم ما، مُتحجّجاً بتبدّل الظروف في تلك الأثناء؛ بعد تعيينه، لا يعود قاضي المحكمة العليا سوى رهناً لضميره. كان الديمقراطيّون غير قادرين على الكشف عن نوايا السيد روبيرتس وذلك لممارستهم نوعاً من التديّن الدستوري، في الوقت الذي كان هذا الأخير في موقع يمنحه صلاحيّة لعشرات السنين بإصدار أحكام ذات أهمية مصيريّة بالنسبة للبلاد.
يبدو أنّ لعبة المراوغة نفسها ترتسم بالنسبة للسيدة هارييت مايرز. فخبرتها كقاضية أضعف بكثير من خبرة السيد روبرتس. محامية أعمال سابقة في دالاس «تكساس»، لم تعتد على أيّ من المنابر التي تطلق أعضاء المحكمة العليا «ممارسة القضاء، التعليم»: حتى تعيينها، كانت مستشارة شخصية لرئيس الولايات المتحدة. تنتمي الى كنيسة إنجيلية تعادي الاجهاض بقوّة، وتوصّلت بفعل التزامها السياسي فقط للعمل الى جانب مرشّح جمهوري في نيبراسكا، الى قيادة حملة ضدّ وضع حدّ للحمل. أراد السيد بوش استباق بعض مصادر القلق المتعلّقة به: «أعرفها. أعرف ما في قلبها، أعرف بماذا تؤمن.» أصبح من واجب الأميركيين، من الآن فصاعداً، ليس فقط الاكتفاء باحترام الدستور والسلطة القضائية العليا، بل أيضاً إيلاء الرئيس ثقتهم... لا يُنذر وصول اثنين من محامي الأعمال، الى المحكمة العليا، بالخير بتاتاً، بالنسبة لأولئك الذين يعارضون السلطة المتزايدة لرأس المال في المجتمع. ألمْ يكن مكتب دالاس، الذي كانت تديره السيدة مايرز، يتضمّن قسماً مخصّصاً بكامله ل«تجنّب الحركة النقابية؟ أيْ انّه مكلّف بتجنّب وجود قطاع نقابي للمؤسّسات. هل يشكّل هذا الأمر أولويّة في الولايات المتحدة التي يرأسها بوش؟».
دان لازار
استهداف إيران ظلم
تتعرّض الجمهورية الإسلامية في إيران لضُغوط دولية شديدة من كل جانب للإقلاع عن استئناف برنامجها لتخصيب اليورانيوم، قطعاً للطريق أمامها في تطوير قنبلة نووية، مع أنّها تُصِرّ على أنّها ليست في وارد تطوير مثل هذا السلاح بل هي تتوخّى تطوير قدراتها النوويّة في المجالات السلميّة، خصوصاً في ميدان الطاقة الصناعيّة. وإيران رفضت صِيَغاً عُرِضت عليها للرقابَة على عمليات التخصيب بحيث يطمئن المجتمع الدولي إلى أنّ هذا البرنامج لن يَصبّ في مشروع تطوير القنبلة. وكان آخرها عرضاً من روسيا لإجراء التخصيب على الأرض الروسية وتحت الإشراف الروسي. وبعد ارتِفاع حِدّة التأزم بإعلان الدول الأوروبية، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، عزمها على الطلب إلى الوكالة الدولية للطاقة النوويّة إحالة الموضوع على مجلس الأمن حيث يمكن أن تتّخذ إجراءات وعقوبات في حقّ إيران، طرحت إيران العودَة إلى الحِوار مع الجانِب الأوروبي.
سعدنا بألا يكون في نِيّة إيران من قريبٍ أو بعيد تطوير سلاح نووي. فالقنبلة النوويّة سلاح إرهابي إجرامي بامتِياز، فهو سِلاح إبادة، أداة للقتل العشوائي بالجملة من دون تمييز، وهذا مُنتهى الإجرام في حَقّ الإنسانية، وهذا ما لا يجيزه الإسلام. فالله تعالى يقول في كتابه الكريم : «ولا تَزِر وازِرَة وِزر أخرى». ويقول أيضاً: «من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا».
ونحن نقول إنّ كل دولة تمتَلِك سلاحاً نووياً هي في واقِع الأمر دولة إرهابية بامتِياز. فما الداعي إلى الاحتفاظ بقنبلة نووية إن لم يكن ثمّة احتِمال، مهما ضَؤُل، لاستخدامها في ظرفٍ من الظروف؟ ومُجرّد وجود احتِمال لاستخدام هذا السلاح الفتّاك يجعل مُقتَنِيه في عِداد السفّاحين. لِذا قولنا إنّ كل الدول التي تحتفِظ بقنبلة نوويّة هي دول إرهابية. هذا ينطبِق على الدولة العظمى، الولايات المتحدة الأمريكية، التي سبق أن استخدمت القنبلة النوويّة قُبيل نهاية الحرب العالمية الثانية فوق مدينتي هيروشيما وناكازاكي في اليابان، فأبادَت مِئات الألوف من البشر، معظمهم من المدنيين الأبرياء العُزّل. وتنطَبِق وصمة الإرهاب على سائر الدول التي تقتَني القنبلة، بما فيها الدول الكبرى روسيا وبريطانيا وفرنسا والصين وعدد من دول العالم النامي وأبرزها الهند والباكستان. وتنطبِق هذه الوصمة أيضاً على دولة العدوان «إسرائيل». ومن الدول المرشّحة لاكتساب هذه الوصمة كوريا الشمالية. ولكن من حقّها أن تُطور قدراتها النووية السلميّة الصناعية إلى أبعد الحدود، وذلك على سبيل مواكبة التطوّر التكنولوجي الحضاري في العالم. ولا يجوز أن نكون في حالٍ من الأحوال متخلفين عن هذا الركب.
إيران عاودت عرضها استئناف التفاوُض مع الجانب الأوروبي. فعلامَ تُفاوِض؟
إنّنا نتمنّى أن تُطالِب إيران بتجريد «إسرائيل» من كل أسلحة الدمار الشامِل، بما فيها القنبلة النووية، وأن تُطالِب كذلك الدولة العظمى وسائر الدول الكبرى بالتخلّي هي أيضاً عن أسلحة الدمار الشامِل التي في حوزتها كي تكون هي القدوَة لسواها من الدول الأصغر التي تسعى إلى حِيازة مثل هذه الأسلحة. وفي المُقابِل يجب ألا يكون هناك مانِع لدى إيران في القُبول بإشراف دولي، من جانب الوكالة الدولية للطاقة النووية، على عمليات تخصيب اليورانيوم داخل الأرض الإيرانية للتحقق من عدم الذهاب إلى حدود إنتاج سلاح نووي.
هكذا يظهر بوضوح أن الحملة الدولية على إيران جائرة، غير مُنصِفة وغير عادلة، وهي تنمّ عن سياسة الكيل بمكيالين وازدواج المعايير. والمؤسف أن هذه الحملة الدولية تترافق وحملة داخل لبنان تصوّر إيران وكأنها الشيطان الأكبر أو الشرّ المُطلق، فيجري الحديث على لسان بعض المُنفعلين من أهل السياسة في لبنان عن العلاقة مع إيران أو مع ما يسمى الحلف السوري - الإيراني وكأنها سبّة أو وصمة عار. من حقّنا أن نتساءل: هذا التناغُم بين الحملة الدولية والحملة الداخلية في لبنان، هل هو بَريء؟ هل هو من باب المصادفة؟ أم هو آية من آيات سلطان الهيمنة الأمريكية التي تُخيّم على الساحة اللبنانية هذه الأيام فتتحكّم بالمسار والمصير؟ إذا توصّلت إيران إلى امتلاك تكنولوجيا الطاقة النووية السلمية، فإن ذلك يُعدّ إنجازاً، يمكن ويجب تصديره إلى عالمنا العربي في يوم من الأيام في خدمة قضية التنمية.
خطوات سورية بالاتجاه الصحيح
لعل في انشداد الأنظار العربية والدولية، وتحول سوريا إلى بؤرة للتركيز والانتباه ما يزكي الدور الإقليمي الحساس الذي تلعبه دمشق في إطار الصراع الدائر في المنطقة بين المشروع الوطني الديمقراطي التحرري العربي والمشروع الصهيوني، فقد لجمت الانتفاضة الفلسطينية الباسلة المشروع الصهيوني عند تخومه الحالية، وتواصل سوريا دورها الرائد والمساند في تشكيل نواة ولب حالة الممانعة في المنطقة.
وعليه، فان توفير وتثمير العلاقة المتداخلة بين الثابت الوطني/ القومي، والسياسي المتحول في الموقف السوري يستدعي من القيادة السورية الشابة جملة من الإجراءات الداخلية التي لابد منها أمام تدفق الضغط الخارجي الكبير والظالم، عدا كونها حاجة سورية صرفة.ومن هذا المنطلق، نستطيع تفسير الخطوة الأخيرة في دمشق بإطلاق سراح النائبين السابقين رياض سيف، ومأمون الحمصي، مترافقة مع الوعود الجدية والخطوات الملموسة المنطلقة، والتي تبشر الشعب السوري بفتح بيكار دائرة التطهير ومكافحة الفساد على أوسع قوس ممكن، وذلك في سياق السياسات الإصلاحية، وإعادة تحديث القوانين.
وتطوير الحياة السياسية الداخلية الجارية في سوريا، بما في ذلك تطوير ائتلاف الجبهة الوطنية/ صيغة وبرنامج وصلاحيات ودور/ وتوسيع صفها بعد انضمام الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى عضويتها.
فبغض النظر عن الأسباب التي حدت لوصول البعض ممن اصطلح على تسميتهم بأبناء ربيع دمشق إلى سجن عدرا المركزي الواقع على التخوم الشمالية الشرقية للشام، فإن إطلاق سراح النائبين السوريين السابقين رياض سيف ومأمون الحمصي، وكل من وليد البني، فواز تللو، والمحامي حبيب عيسى، خطوة ثقة سورية بالاتجاه الصحيح، يفترض بها أن تستكمل نفسها بإنهاء ملف ما تبقى من المعتقلين السياسيين، الذي طالما تحول إلى شماعة تعلق عليها جزءاً من التداعيات الراهنة الحاصلة في إطار ما يجري حول وداخل سوريا وعلى دائرة قوس الصراع الإقليمي.
ومع أن إطلاق سراح الآخرين لم يكن بالمفاجأة بعد أن تواترت المعلومات بهذا الشأن قبل فترة في دمشق، إلا أن التوقيت كان ملفتاً للانتباه من حيث سعي القيادة السورية لتوفير عنصر الراحة في الوضع الداخلي في سياق سياسات الإصلاح الداخلي النابعة من الإرادة السورية نقيضاً للإصلاح المستورد. . ومن حيث الحساسية المرهفة التي تضبط إيقاع دقات الساعة السياسية السورية مع الجهود الحثيثة للمملكة العربية السعودية ومصر العربية في العمل المشترك مع القيادة السورية لمعالجة الملف المتعلق بتداعيات العلاقات السورية مع بعض أطراف المعادلة اللبنانية، والتعاون السوري مع لجنة التحقيق الدولية بشأن الملف المتعلق باغتيال الشهيد رفيق الحريري.
إن إطلاق النائبين السابقين رياض سيف ومأمون الحمصي والآخرين، خطوة ايجابية، يفترض بها أن تتلوها خطوات في سياق إعادة ترتيب الوضع الداخلي السوري ومعالجة الملفات المطروحة، بعد أن أضحت سوريا في اللحظة الراهنة أمام نقطة انعطاف مفصلية لتمتين الجبهة الداخلية.
وأولى الخطوات الضرورية، طي ملف ما تبقى من المعتقلين السياسيين بشكل نهائي بالتوازي مع إقرار قانون الأحزاب المنتظر الذي أشبع نقاشاً في المداولات الجارية بين أطراف الائتلاف الجبهوي الحاكم والمؤلف من ثمانية أحزاب، فضلاً عن مشاركة بعض أطراف المعارضة الديمقراطية والقومية بشكل مباشر أو غير مباشر. مع تطوير أساليب وأدوات الخطاب الإعلامي، وتوسيع فسحة الرأي الآخر وفق التعاقد الوطني المجتمعي، بعيداً عن صراخ المتشنجين والمتأففين من المتضررين على الضفتين.
وفي هذا السياق فإن المعلومات المتوفرة تشير إلى سعي دمشق لإطلاق فضائية جديدة منفتحة وبثوب ديمقراطي قريب جداً من الليبرالية في سعي القيادة السورية لتقديم الخطاب السياسي السوري والموقف العام بطريقة ايجابية بعيداً عن القوالب الجامدة. وغني عن القول، بأن توفير عنصر الراحة في الوضع الداخلي يتطلب أيضاً، التوجه الايجابي في التعاطي مع باقي قوى وموزاييك المجتمع السوري الوطنية المتنوعة بطيفها الأيديولوجي والسياسي، والتي لم تتلوث أياديها بالدماء والتخريب الداخلي.فضلاً عن مراجعة تجربة الأعوام الأخيرة من زاويتي الأداء الداخلي والخارجي «بايجابياتها وسلبياتها» بروح نقدية جادة، واتخاذ الخطوات الملموسة في هذا الإطار من حيث المحاسبة والتدقيق والبناء الايجابي على الاستخلاصات الناتجة.
وفي هذا السياق لابد من التطرق إلى ضرورة تحقيق المزيد من الانفتاح الداخلي، ودفع سبل ومسارات الحركات الداخلية في المجتمع السوري، بما في ذلك إشراك المجتمع ومؤسساته في محاربة ظواهر التسيب والفلتان والبيروقراطية الضارة غير المنتجة، بشكل واضح وشفاف، الأمر الذي يستدعي دك معاقل ومفاصل الفساد، ورد الاعتبار لشرعية القانون والمؤسسات وتطهيرها من الفاسدين الذين لا ضمير لهم. فإصلاح الوضع الداخلي، عنصر مهم في تعزيز عوامل الصمود والثبات أمام الضغط الخارجي الظالم المسلط على سورية منذ ما قبل وبعد احتلال العراق.
ومع أن الفساد ظاهرة عالمية بالإجمال، وحالة مستنسخة عالمثالثية على وجه الخصوص، ولم تنج منه أي من المكونات البشرية في اطار الدولة الحديثة والمعاصرة، الا أن مكافحة الفساد الاحتيالي القائم على «البلف واللف والدوران» المقنع والمغطى بورق السليفان.
والاحتيال على القانون، مسألة على غاية الأهمية من أجل رد الحقوق العامة والشخصية حال استلابها أو التعدي عليها من قبل أحد، واحترام القانون باحترام الكفاءة وتكافؤ الفرص والمهنية.
وفي إدخال القطاعات المجتمعية الشعبية في الحياة السياسية والمؤسساتية بديلاً عن نمو واستشراء الحالات المترهلة والمتكلسة، وفتح الطرق أمام الدماء الشابة الواعدة في البناء والالتزام. فالمجتمع العربي السوري مجتمع فتي بنسبة تفوق ال۶۰ بالمائة من إجمالي عدد السكان، ويزخر بالطاقات والإمكانات والكفاءات البشرية الخيرة، فضلاً عن الخيرات المادية.أخيراً، إن مكافحة الفساد، ودك معاقله ومفاصله، خطوة جبارة تنتظر القيادة الشابة في سوريا، على طريق تطوير الوضع الداخلي وحماية البلد، وتحقيق المزيد من الشفافية الايجابية، حتى لا يجد الشعب السوري نفسه أمام مفاجآت غير محسوبة، أبطالها فاسدون قدامى/ جدد.
علي بدوان