السنة السابعة - العدد ۲۱۹۸ - الاربعاء ۱۱ربيع الاول ۱۴۲۶ - ۲۰۰۵‎/۰۴‎/۲۰
قضايا و آراء
Ara.gif
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
سينما
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
استراحة
اقتصاد
رياضة
الاسرة
منوعات
* الأمة والموقف القومي العربي من مشكلة الأقليات إنطلاقا من شعارات رومانسية كثيرة منها (أرض العرب للعرب) كان لقادة الفكر القومي العربي مواقف متشنجة تجاه مسألة الأقليات القومية والأثنية واللغوية على امتداد الوطن العربي. ومارست بعض الدول العربية سياسة تعريب خاطئة أدت إلى حرمان الأقليات من حقوقها الطبيعية في التحدث بلغاتها والحفاظ على تراثها الثقافي من جهة، وإلى افتعال معركة ثقافية ما زالت مستمرة حتى الآن بين العربية واللغات الأوروبية الأخرى
* يعتبر التقدم الذي أحرزه اليمين في فرنسا والنمسا الأهم والاكثر تاثيرا على الخارطة الجيوسياسية الاوروبية ولكنه ليس التقدم الوحيد الذي حصدته هذه التيارات في القارة العجوز. ففي ايطاليا فاز سيلفيو برلوسكوني بالانتخابات التشريعية ۲۰۰۱ بعد اقامة حلف مع التيار الفاشي الذي يتزعمه جيان فرونكو فيني، ومع حزب رابطة الشمال في لومبارديا بزعامة أومبيرتو روسي
صداقة التنين والحكيم
براكريتي جوبتا
يخاف العالم من طفرة (تنين) الصين، ويتوجس من النمو الواعد للهند (الحكيمة). ماذا لو قرر العملاقان الآسيويان تشكيل حلف استراتيجي؟ لن يكون هناك داع لتخمين الاجابة، فالدولتان قررتا انهاء خمسة عقود من الصراع العسكري والسياسي والاقتصادي والاستراتيجي وتوحيد جهودهما من اجل تشكيل جبهة آسيوية تقف امام اميركا من ناحية، واوروبا من ناحية اخرى. ونظرا لان سنوات العداء بين البلدين (كانت الهند حليفة اميركا خلال الحرب الباردة، فيما كانت الصين اقرب للمعسكر الشيوعي) شكلت إلى حد كبير خريطة القوى الكبرى في العالم، فإن تحالفهما الآن يشكل بدوره تغييرا محتملا في ميزان القوى في العالم.
ولم يخف المسؤولون الصينيون والهنود ذلك، اذ قال رئيس الوزراء الصيني ان القرن الواحد والعشرين سيكون (قرنا آسيويا) اذا وحدت الصين والهند جهودهما. ما هي إذا ملامح الاتفاق المهم بين الطرفين؟ وكيف يمكن ان يزيل خلافات الماضي؟ وما هي تأثيراته على توازن القوى العالمية؟ خلال مباحثات هذا بين رئيس الحكومة الصينية وين جياباو والمسؤولين الهنود اتفق الطرفان على تسوية النزاع الحدودي بينهما عند الهيمالايا والتي يبلغ طولها ۲۱۶۵ ميلا. كما وقعا ايضا على اتفاقيات بشأن التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي فضلا عن التبادل التكنولوجي والطيران المدني وقضايا اخرى.
وكمؤشر على حسن النوايا، تخلت الصين رسميا عن مطالبتها بمحافظة سيكيم الصغيرة بمنطقة الهملايا وعرضت بكين خريطة للمنطقة على المسؤولين الهنود توضح انها جزء من الأراضي الهندية، كما اعربت عن تأييدها لانضمام الهند الى مجلس الامن الدولي. الهند من جانبها اكدت على احترامها لسيادة الصين على التيبت وعدم السماح ب(النشاطات السياسية المعادية للصين) من داخل اراضيها، في إشارة إلى حكومة التيبت في المنفى بمنطقة دارمسالا بقيادة الدالاي لاما. واكد رئيس الوزراء الصيني وين جياباو ان ليس ثمة خصومة او تنافسا بين الدولتين وإنما علاقات جوار ودية تهدف إلى تحسين العلاقات من خلال التعاون. وقال في سياق حديثه حول العلاقات بين البلدين ان (البعض ينظر إلى الصين والهند كمتنافسين)، مردفا (القرن الواحد والعشرين سيكون قرنا آسيويا اذا طورت الصين والهند علاقاتهما وعملتا سويا). غير ان الاتفاق الاخير لم يكن تطورا مفاجئا، فالجانب الصيني ابدى اهتماما بالهند خلال السنوات القليلة الماضية اثر ملاحظة الصين للصعود السريع في معدلات النمو الاقتصادي في الهند، خاصة في ما يتعلق بقطاعات الخدمات ومجالات (الاقتصاد الجديد) مثل تكنولوجيا المعلومات والفضاء وتكنولوجيا الاشياء المتناهية الصغر والتحديث العسكري.
واذا وضعنا الدوافع الاقتصادية جانبا، ترغب الصين في تطوير علاقات افضل مع الهند لأنها تنافس الولايات المتحدة في ان يكون لها نفوذ في الهند، خصوصا أن الولايات المتحدة متقدمة على بكين بسنوات طويلة في إدراك امكانيات الهند كقوة عسكرية وتجارية واقتصادية، كما ان واشنطن زادت كثيرا من حجم تعاونها مع الهند في المجالين. يقول سريكانث كوندابالي، الذي ألف عدة كتب وأبحاث عن الصين بما في ذلك كتاب (الجيش الصيني)، خلال حديث له مع (الشرق الأوسط) ان الصين باتت تشعر بالقلق إزاء التحديات التي يشكلها نشر القوات الاميركية في محيطها، ليس فقط في مناطق تقليدية مثل اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا ونيوزيلاند، وإنما ايضا الفلبين وسنغافورة وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى. يضاف إلى ذلك ان الصين تشعر بمخاوف إزاء احتمال ان تصبح هدفا لضغوط واشنطن خلال فترة بوش الثانية في البيت الابيض.
الأمر الأكثر إثارة للقلق لدى المفاوضين الصينيين هذا الاسبوع ربما يكون اعتزام الهند والولايات المتحدة إرسال قوات تابعة للبحرية الهندية لإجراء دوريات في منطقة مضيق ملقا بين اندونيسيا وماليزيا، علما بأن هذا المضيق يعتبر خطا حيويا ومهما للسفن. ورغم ان الهند والصين، اكثر دولتين مأهولتين بالسكان عالميا، جارتان فإنه لم تجمع بينهما علاقات ودية على مدى العقود الخمسة السابقة. فالنزاع الحدودي بين الجانبين والحرب المريرة عام ۱۹۶۲ دفعت بنيودلهي إلى حضن الاتحاد السوفياتي السابق، القوة الشيوعية الاخرى المنافسة للصين آنذاك. ولم يزر الهند سوى بضعة رؤساء حكومات صينيين فقط على مدى العقود الخمسة السابقة ابتداء من زيارة الرئيس الصيني زو إنلاي في يونيو/حزيران عام ۱۹۵۴ (تبعتها زيارة لجواهر لال نهرو إلى الصين في اكتوبر من نفس العام)، بالاضافة إلى ثلاث زيارات لزو عام ۱۹۵۶ وزيارة اخرى عام ۱۹۶۰ اعقبها غزو قصير للقوات الصينية لأراض هندية، وهو الحدث الذي اسفر عن تدهور العلاقات بين الجانبين على مدى العقود الاربعة التالية تقريبا. ظلت الهند تشعر بقلق إلى علاقة الصين مع باكستان - المنافس التقليدي للهند - كما ان الصين ظلت تشعر بالاستياء والغبن تجاه الهند بسبب تقديم مأوى لزعيم التيبت الروحي الدالاي لاما.
لكن من وجهة النظر الجغرافية - السياسية يمكن القول ان نتائج التقارب الاخير بين الهند والصين يمكن ان تغير الكثير مستقبلا. فقد ورد في دراسة أعدها مجلس الاستخبارات الوطني الاميركي في ديسمبر/كانون الاول الماضي أن (عقد التسعينات كان نهاية القرن الاميركي، فيما يمكن النظر إلى بداية القرن الواحد والعشرين كفترة لصعود بعض الدول في العالم النامي، بقيادة الهند والصين)، وأشارت الدراسة إلى ان هذا التطور يمكن ان يقود إلى مجموعة من التحالفات الجديدة التي من المحتمل ان تكون خروجا بارزا عن مؤسسات وممارسات حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأشار التقرير ايضا إلى ان الهند (ربما تصبح بنهاية ۲۰۲۰ الأسرع نموا في العالم) وتتفوق بذلك على الصين. ثمة أمر آخر بارز، أثاره تصريح رئيس الوزراء الصيني عندما قال: ان (الهند والصين وروسيا تعتزم إقامة تعاون ثلاثي بينهما لإضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدولية وحماية السلام والأمن والاستقرار العالمي). وتقول ميرا سينها باتاتشارجي، زميلة معهد الدراسات الصينية، ان الجانب الصيني يستخدم كلمة (استراتيجي) لوصف العلاقة مع بضعة دول حليفة مثل روسيا، مما يسلط الضوء على الأهمية التي توليها الصين لعلاقاتها مع الهند. وتقول ميرا ان (البعد العالمي للعلاقة يعني ان هناك ما هو اكبر من مجرد قضايا بين الهند والصين، كما تعتقد ايضا ان كلمة (استراتيجية) التي تستخدم في وصف العلاقة بين الدول لها عدة مدلولات، من بينها تشكيل حلف ضد الولايات المتحدة الاميركية، التي تعتبر القوة العظمى الوحيدة، خصوصا بعد تدخلها في كل افغانستان والعراق والآن في ايران. إلا ان وزيرة الخارجية الاميركية كوندليزا رايس نفت ان يكون لدى واشنطن أي شعور بالقلق إزاء التقارب بين نيودلهي وبكين.
الغسيل الوسخ للديكتاتورية التشيلية
خوسي مالدافسكي
كلّ يقاتل بضراوة من أجل البقاء على قيد الحياة حياته الفقيرة اليائسة والحيوانيّة، والتي يرى أنّها تستحقّ التضحية بحياة الآخرين من أجلها، هذا الموت المعنوي، هذا الهزء بكلّ مشاعر التضامن، هذا النسيان للكرامة الانسانيّة، هذا كلّه أكثر حزنا من الموت الجسديّ. بريمو ليفي، لو انّه رجل. أذكر كنا، وكان صوت معذّبينا يدوّي داخل مراكز الشرطة السرّية التي يترأسّها الجنرال بينوشيه. أذكر لهجتهم القاطعة والفظّة. والخوف. أذكر الشعور بالعار لاضطرارنا الى خلع ملابسنا والجلوس عراة خلال عدة ساعات يومياً، معصوبي الاعين، معرّضين لانظار مجموعة من الغرباء الذين كانوا ينصبّون علينا بالشتائم والضرب، ويعرضون اجسامنا الى صدمات كهربائية قوية. وأنا...على ماذا يلومني أولئك الغرباء؟ ألأنني كتبت بأنّ القمع استهدف الصحافيّين، والقضاة، ورجال السياسة، والطلاب، وأولاد الشارع والمزارعين. وبأنّ التعدّي الدائم على حقوق الانسان يحول دون قيام حياة جماعيّة وتعاونيّة في المدن والارياف. وبأن الاشخاص الذين تمّ توقيفهم، من قبل جنود غير مدرّبين وغير قادرين على التحقيق، كانوا يتعرّضون غالباً للتعذيب. وبأنه أصبح من الاعتياديّ اللّجوء إلى الصفع العنيف على الاذنين الذي يؤدّي في بعض الاحيان إلى انثقاب طبلة الاذن، والضرب بالعصا، وربط الكواحل بقضيب، وغير ذلك من الفظائع. وخاصّة لأنني كشفت عن (ركام لجثث أشخاص تمّ قتلهم بالرصاص، أيديهم مقيّدة وراء ظهورهم).
لقد أدعى قادة الجيش، منذ زمن طويل، بأنّ تفسير التعذيب والاختفاء وعمليّات القتل التي تمّ القيام بها خلال الحكم الديكتاتوري، مرتبط ببعض (التجاوزات) المتعلّقة ب(مسؤوليات فردية). وفي العام ،۱۹۹۹ قدّر الجنرال ريكاردو ايزورييتا، الذي ترأس القوى المسلّحة بعد الجنرال أوغسطو بينوشيه،أنه (لا يصحّ القول بأنّ احداً لم يقترف أيّ خطأ، خلال الحكم العسكري. لكن أن يقودنا ذلك إلى التفكير بوجود سياسة مؤسّساتية للتعدّي على حقوق الانسان، فهذا يعني تغيير الوقائع). ولم تتّخذ الأمور منحى جديداً الا في الخامس من تشرين الثاني ،۲۰۰۴ أي بعد واحد وثلاثين عاماً من الانقلاب الذي أسقط سالفادور ألليندي. وضمن وثيقة رسمية، بعنوان (الجيش الشيلي: نهاية رؤية)، أعلن قائد الجيش، الجنرال خوان ايميليو شير، أنّ (الجيش التشيلي قد اتّخذ القرار الصعب والنهائيّ بتحمّل المسؤوليّات العائدة اليه كمؤسّسة، في ما يخصّ الافعال المطلوب معاقبتها والمرفوضة أخلاقياً التي حصلت في الماضي).
وفي ۲۸ تشرين الثاني، نشرت بدورها حكومة الرئيس الاشتراكي ريكاردو لوغوس، تقرير (لجنة سجن وسياسة وتعذيب) التي تمّ انشاؤها بطلب من الحكومة. وتؤكّد الوثيقة القاسية بحق التوقيفات غير القانونية، والتعذيب الوحّشي الذي مارسه عملاء النظام العسكري خلال سبعة عشر عاما من الديكتاتورية، على مسؤولية الجنرال بينوشيه في ما يتعلق ب۳۰۰۰ عمليّة قتل واختفاء، كذلك في ۳۵۰۰ حالة من التعذيب - لقد تمّ نشر اسماء ۲۸۰۰۰ ضحية معترف بها، في كافّة الصحف التشيلية. وقد تمّ وضع قائمة ب۸۰۰ مركز للاعتقال والتعذيب وأكثر من ۳۶۰۰ معذّب. انّ العثور على اسمك مكتوبا بوضوح ضمن هذه اللائحة الطويلة من الاشخاص المعذّبين تشعرك بالقشعريرة. إذ لا تعويض دون الاعتراف بالخطأ. ومن غير الممكن العيش بسلام دون تعويض: ألم ينته الامر ببعض الذين نجوا من مجازر الابادة النازية، مثل بريمو ليفي، الى الانتحار لعدم تمكّنهم من تخطّي الصدمة النفسيّة؟ وباعترافه اخيراً بالجرائم التي اقترفها، يعطي عدوّ الامس فرصة جديدة لضحاياه السابقين لتضميد الجروح، وحتى التخفيف من وطأة الاهانة التي تعرّضوا لها. صرّح الجنرال شاير أنّه من غير الممكن تبرير جرائم الديكتاتورية، بالرغم من جوّ التناحر السياسي الذي شهدته التشيلي في ذلك الوقت. وبحسب قوله، ان الجيش التشيلي لم يتمكّن من الهروب من دوّامة الحرب الباردة. يتساءل (هل يبرّر مخطّط الصراع الدولي التعدّيات على حقوق الانسان؟ انّ جوابي واضح وصريح: (كلا). فمن المستحيل تبرير تلك التعدّيات لأيّ كان.) وقد جاء هذا الموقف، في الوقت الذي كانت المحاكم التشيلية تلاحق ۱۶۱ عسكرياً متّهمين بالتعدّي على حقوق الفرد، وان الديكتاتور السابق بينوشيه نفسه متّهم بسبب مسؤوليّاته. وقرّر القاضي خوان غوزمان ملاحقته، استناداً الى التقرير الطبي والنفسي الذي تمّ وضعه لمعرفة اذا كان من الممكن محاكمة الجنرال العجوز، الذي احتفل بعيده التاسع والثمانين، في ۲۵ تشرين الثاني المنصرم. ففي العام ،۲۰۰۲ استطاع التهرّب من المحاكمة الاولى حول اختفاء وقتل معارضين سياسيين، بسبب (خلل دماغي طفيف)، اثر تعرّضه لنزيف جزئي. لكن هذه المرة، صدّقت المحكمة التشيلية العليا على قرارات القاضي غوزمان، في ما يتعلّق باتهام السيد بينوشيه بعملية قتل وتسع عمليات خطف ضمن اطار عملية (كوندور)، وهو برنامج مشترك مع ديكتاتوريات جنوب اميركا العسكرية في السبعينات والثمانينات، كان هدفه التخلّص من معارضيهم. للمرّة الاولى، يتّخذ بعض المعاونين المدنيّين والعسكريّين السابقين للجنرال، مسافة من رئيسهم السابق. وقد تزعزعت صفوفهم، ليس فقط اثر الكشف عن التعدّيات التي طالت حقوق الانسان، انما خاصّة بسبب الاقرار في تموز ،۲۰۰۴ عن وجود أموال سرّية للديكتاتور السابق في بنك ريغز في واشنطن. هل في الامر تواطؤ أم انّ التاريخ يرتدّ على نفسه؟ فقد أتت الضربة القاضية من الحليف السابق، يوم اعلنت لجنة منبثقة عن مجلس الشيوخ عن تفتيش مكتب مراقبة العملة في الولايات المتحدة. وفي اطار القانون الوطني، لمحاربة الارهاب (غير ارهاب الدولة هذه المرة!)، وتشديد القوانين المتعلّقة بتبييض الاموال غير المشروعة، ركّزت هذه المؤسّسة اهتمامها على بنك ريغز، ولاحظت غياب أيّة وثائق تبرر أصل الاموال التي وضعها الجنرال بينوشيه، او تحويلها إلى حسابه بين الولايات المتحدة وإسبانيا وبريطانيا والتشيلي، عبر تغطية شركتين متمركزتين في الباهاماس. وقد اثارت الاموال التي يملكها الديكتاتور السابق - قد تصل قيمتها إلى اكثر من ۱۶ مليون دولار موزّعة بين لندن وواشنطن وميامي- تحقيقاً قضائياً آخر في التشيلي. وقضت هذه الاتهامات الجديدة على صورة النزاهة التي كان يتمتّع بها النظام العسكري. انها الحال، خاصّة بالنسبة لجيش المشاة الذي تشكّل (رؤياه) للديكتاتورية تنكّرا هائلا للديكتاتور. ووصف السيد ريكاردو لاغوس وثيقة الجنرال شاير بال(الخطوة التاريخية)، وأوضح بأنّ تنكّر الجيش الواضح للتعدّيات على حقوق الانسان، تجعله (راضياً وفخوراً، بصفته رئيسا للتشيلي). الا ان التوجّه الجديد للجنرال شاير لا ينطبق على كافّة عناصر المؤسّسة. فكلّ من قائد البحرية الاميرال ميغيل أنجيل فيرغارا، وقائد القوى الجوية الجنرال أوزفالدو سارافيا، وقائد الشرطة الجنرال البيرتو سيانفواغوس بيسيرا، يرفضون الاعتراف بالمسؤولية الجماعية لمؤسساتهم في الجرائم التي حصلت خلال الحكم الديكتاتوري. لا بل ان رئيس المخابرات الوطنية السابق (شرطة السيد بينوشيه السرية)، الجنرال مانويل كونتريراس، اتّهم الجنرال شاير بويؤكّد فولوديا تيتلبويم أنّ (مناصري بينوشيه ما زالوا يطمحون باستعادة السلطة). يلمّح هذا الكاتب والقائد الشيوعي الى السيد يواكيم لافين، موظّف سابق مهمّ في حكومة بينوشيه، كان قد حصل على ۴۹ بالمائة من الاصوات خلال الانتخابات الرئاسية الاخيرة في العام ،۲۰۰۰ وقدّم ترشيحه لانتخابات العام .۲۰۰۶ بالرّغم من كلّ ذلك، برهن الرئيس لاغوس، من خلال الكشف عن التقرير المتفجّر ل(لجنة سجن وسياسة وتعذيب) وبالسماح للتشيلي بمواجهة ماضيه، عن جرأة سياسية قد تغيّر مجرى التوزيع الانتخابي تحضيراً للتصويت المقبل. لعلّه من المبكر القول، بأنّ المصالحة بين التشيليين قد بدأت فعلاً. لكن الاشارة الاكثر ايحاءً الى (المناخ) الجديد في التشيلي، هو الندم المثالي الذي عبّرت عنه الصحافية التشيلية راكيل كوريا، احد الاقلام الاكثر شهرة في صحيفة (الميركوريو) الكبيرة، العدوّة اللّدودة لنظام سالفادور ألليندي. وقد نشرت، منذ فترة، فعل ندامة مؤثر جاء فيه: (كنت أحلم بأمور بسيطة: بالعطف والقليل من الايروتيكية، ببيت صغير ومدرسة جيدة لولدي... من ملذاتي: الكتابة جيداً، طرح الاسئلة الذكية، احراج محاورييّ... هل خطر ببال أحد اجراء تحقيق في صحيفة (الميركوريو) عن مراكز تعذيب شرطة المخابرات السرية؟ لا أحد، ولا حتى انا. لا استطيع تحميل أيّ كان المسؤولية. فانا لم أخضع يوماً للرقابة. كنت كلبة. في هذا الوقت، كانت تتعرّض نساء تشيليات للاغتصاب بواسطة حيوانات وقناني، وباللجوء الى الكهرباء واللّطمات، و كانوا يقتلون أولادهنّ وأهلهنّ. في الوقت الذي كنت أقرأ فيه قصصاً لابني، كان لديّ صديق حميم، وكنت أذهب الى الشاطئ برفقة أصدقائي الصحافيين.
خريطة الأقليات في العالم العربي
* الأمة والموقف القومي العربي من مشكلة الأقليات إنطلاقا من شعارات رومانسية كثيرة منها (أرض العرب للعرب) كان لقادة الفكر القومي العربي مواقف متشنجة تجاه مسألة الأقليات القومية والأثنية واللغوية على امتداد الوطن العربي. ومارست بعض الدول العربية سياسة تعريب خاطئة أدت إلى حرمان الأقليات من حقوقها الطبيعية في التحدث بلغاتها والحفاظ على تراثها الثقافي من جهة، وإلى افتعال معركة ثقافية ما زالت مستمرة حتى الآن بين العربية واللغات الأوروبية الأخرى
مسعود ضاهر
ليس من شك في أن مصطلح (الأقليات) ليس دقيقا ولا يجوز اعتماده في دراسات علمية جادة. فليس هناك تعريف علمي واحد لأية أقلية في الوطن العربي. وهناك جماعات تصنف في خانة الأقليات وتعد بعشرات الملايين. ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، الأكراد على المستوى العرقي وهم يتوزعون ما بين تركيا والعراق وإيران وسورية. ويقدر عددهم بحوالي ۲۵ مليون كردي. وهناك الأقباط في مصر على المستوى الديني ويقدر عددهم بعشرة ملايين. وهناك الأمازيغ في دول شمال أفريقيا، ويقدر عددهم باكثر من عشرين مليون، ويطالبون باعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية. يضاف إلى ذلك أن خارطة (الأقليات) في العالم العربي تضم عددا كبيرا من الطوائف المسيحية، والإسلامية، واليهود، والصابئة، وجماعات العبادات المحلية في جنوب السودان. كما ان هناك أقليات عرقية كالأرمن، والشركس، والتركمان، والشيشان، وبقايا الجاليات الأوروبية، وغيرهم. وإجمالا يشكل المسلمون العرب السنة (بمدارسهم الفقهية الأربع)، والشيعة (الجعفرية) غالبية سكان العالم العربي البالغ عددهم اكثر من ۲۰۰ مليون نسمة. وهنا تفتح (الشرق الأوسط) ملف الأقليات في العالم العربي وتبدأ أولا بوضع ظاهرة الأقليات في سياقها التاريخي والسياسي، ثم تعالج بشكل أكثر تفصيلا الحالات العربية التي شكلت فيها مسألة الأقليات قضية اشكالية بالتركيز على لبنان والعراق والسودان والجزائر.
بعد أن وضعت بعض الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وروسيا السلطنة العثمانية تحت رقابة مشددة وعملت على تفكيكها واقتسام ولاياتها، برزت مشكلة الأقليات بصورة حادة في المنطقة العربية والبلقان. وكانت السلطنة العثمانية تميز بين الطبقة الحاكمة والرعايا، وتقسم الرعايا على أساس نظام الملل العثماني الذي أعطى لكل طائفة حق إدارة شؤونها الدينية بنفسها، وبناء مؤسساتها التربوية، والثقافية، والاجتماعية، وإدارة أوقافها عبر مجلس وطني لكل منها دون تدخل مباشر من جانب السلطنة. لكن نظام (الملل العثماني) الذي شكل نموذجا متطورا للتعايش بين المذاهب والطوائف والجماعات الدينية والفرق الصوفية وغيرها في مرحلة القوة التي امتدت طوال القرنين السادس والسابع عشر، تحول إلى عبء عليها في مرحلة الضعف. فقد أضعفت الهزائم العسكرية السلطنة منذ أواسط القرن الثامن عشر. وتجرأ الأوروبيون عليها بإرسال حملة نابوليون بونابرت إلى مصر في أواخر ذلك القرن، وتحديدا في سنوات .۱۶۹۸ وكان نابوليون قد خطط لاحتلال مصر وبلاد الشام في طريقه لاحتلال (الأستانة) وإنهاء السلطنة العثمانية.
إلا أن صمود الجزار في عكا احبط مخططه العسكري قبل أن يتلقى أسطوله البحري هزيمة كبيرة أمام الأسطول الإنجليزي في معركة أبي قير قرب الإسكندرية. يلاحظ في هذا المجال أن نابوليون قد اكثر من إصدار البيانات الموجهة إلى طوائف بلاد الشام ومصر بهدف استمالة زعمائها إليه تحت ستار إنقاذهم من الحكم العثماني الاستبدادي ومساعدتهم على إقامة أنظمة ديمقراطية على النمط الغربي تحمي الأقليات الدينية والعرقية واللغوية. ورغم فشل مشروعه السياسي والعسكري بات على السلطنة العثمانية أن تواجه مطالب تلك الأقليات في طلب الديمقراطية، والحريات العامة والفردية.
أحلام الدولة - الأمة والموقف القومي العربي من مشكلة الأقليات إنطلاقا من شعارات رومانسية كثيرة منها (أرض العرب للعرب) كان لقادة الفكر القومي العربي مواقف متشنجة تجاه مسألة الأقليات القومية والأثنية واللغوية على امتداد الوطن العربي. ومارست بعض الدول العربية سياسة تعريب خاطئة أدت إلى حرمان الأقليات من حقوقها الطبيعية في التحدث بلغاتها والحفاظ على تراثها الثقافي من جهة، وإلى افتعال معركة ثقافية ما زالت مستمرة حتى الآن بين العربية واللغات الأوروبية الأخرى، خاصة الفرنسية في دول شمال أفريقيا العربية. وكان بالإمكان تجاوز تلك المعركة بسهولة عن طريق تعليم الطلاب اللغتين معا أو ثلاث لغات كما يجري في المدارس اللبنانية مثلا. والواقع انه يمكننا تحليل أبعاد السياسة العربية تجاه موضوع الاقليات، انطلاقا من فهم ابعاد المشكلات الكبرى المتعلقة بها، وأبرزها:
۱- سياسة الدولة العربية الحديثة تجاه الأقليات في داخلها نشأت الدولة العربية الحديثة من طريق انضمام أو سلخ عدد من المقاطعات، أو الإمارات، أو المشيخات التي توحدت في دولة مركزية، بعد أن توفرت لها قيادات قديمة - جديدة كان عليها أن تتعاطى بشكل إيجابي مع خصوصيات مكوناتها الداخلية. وخلال مسيرتها الطويلة والتي تجاوزت أكثر من نصف قرن واجهت الدولة العربية الحديثة مشكلات عدة منها مشكلة الأقليات. فكان عليها إظهار مقدرتها على تجاوز الموروث القديم للحدود القبلية، والنزاعات العائلية، والتشنجات الطائفية والعرقية. وقد تمتعت بعض القيادات العربية بروح عالية من المسؤولية الوطنية والقومية مكنتها من تجاوز غالبية الحساسيات السابقة للزعماء المحليين، وصولا إلى بناء دولة حديثة منفتحة على العلوم العصرية، وتخطط لبناء مؤسسات قادرة على التكيف الإيجابي مع تحديات العولمة.
۲- وتعتبر تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، من أرقى التجارب الوحدوية العربية في التاريخ الحديث والمعاصر. فقد رسخت دعائم الوحدة على أسس ثابتة لم تضطر معها إلى إعادة فرض التوحيد بالعنف أو الإكراه بعد ردة معاكسة، على غرار ما حدث في تجربة اليمن بعد توحيد شطريها الشمالي والجنوبي. وقد جمعت الدولة الجديدة سبع إمارات ومشيخات تقدمت جميعا بخطى مسرعة على طريق التقدم الاجتماعي والثقافي، والازدهار الاقتصادي، وبناء علاقات سليمة مع دول الجوار وباقي الدول العربية والعالمية. كما نجحت المملكة العربية السعودية، ومصر، وتونس، والمغرب، وسورية، والأردن وغيرها في تجاوز الكثير من سلبيات الموروث القبلي والطائفي. في حين أن دولا أخرى كالسودان، والعراق، ولبنان، ما زالت تعاني من الموروث السلبي للعهدين العثماني والأوروبي. فبناء الدولة الحديثة على أسس سليمة يتطلب تجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية والقبلية الموروثة، والانتقال بها نحو المواطنية السليمة.
۲- اعتماد مبدأ المواطنة لحل مشكلة الأقليات يؤكد المفهوم الخلدوني للعصبية القبلية على أن بناء الدولة يفترض وجود عصبية دينية أو قبلية. إلا أن العصبية القبلية لا تنسجم بأي حال من الأحوال، مع طبيعة الدولة العصرية التي تعتمد في استمرارها وثباتها على تجاوز كل أشكال العصبيات السابقة على ولادة الدولة العصرية، وبناء الدولة الجديدة على أساس المواطنة والمساواة التامة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. ففي الفصل التاسع من (المقدمة)، وهو بعنوان (في أن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة)، أشار ابن خلدون إلى (أن السبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وأن وراء كل رأي منها وهوى عصبية تمانع دونها فيكثر الانتقاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت وإن كانت ذات عصبية لأن كل عصبية ممن تحت يدها تظن في نفسها منعة وقوة). ويمكن التأكيد على أن معظم الزعامات القبلية أو العرقية أو الطائفية لم تكن تطمح إلى بناء دولة حديثة، أو لعلها تدرك الآفاق الوطنية المرجوة منها فتهرب نحو تحالف تقليدي يساهم في إعلاء شأنها، ويضمن لها نفوذها ومصالحها لعقود طويلة. وهنا تبرز أهمية الدور الرائد الذي تقوم به السلطة المركزية في الدولة الحديثة شرط أن تكون ديمقراطية وعادلة، وتعتمد الشفافية في اتخاذ القرارات، وتفضل مصلحة البلاد العليا على المصالح الشخصية.
۳- النزاعات الاجتماعية واثرها على تطور الأقليات في بعض الدول العربية شهدت الدول العربية تبدلات بنيوية مهمة في مختلف المجالات طوال النصف الثاني من القرن العشرين. فالبداوة التي كانت تشكل الغالبية الساحقة من دول الخليج (الفارسي) وفي كثير من الدول العربية الأخرى في أواسط القرن العشرين قد انحسرت بشكل حاد في نهاية ذلك القرن. وازداد التوسع الحضري بمعدلات كبيرة في معظم الدول العربية لدرجة أن بعض المدن العربية تضم نسبة كبيرة من السكان قد تصل إلى نصف سكان البلد. كذلك ارتفعت أعداد الريفيين بشكل ملحوظ على حساب انحسار البداوة والسكن الصحراوي.
وبسبب سوء توزيع الثروة والمداخيل الوطنية والقومية تحولت ظاهرة التمدين السريع إلى أزمة حادة تعاني من نتائجها السلبية غالبية الدول العربية بعد ظهور أحياء مدينية فقيرة، وأكواخ البؤس، ومدن الصفيح، وتدني أو انعدام كل أشكال السكن الصحي فيها وتحولها إلى بؤر للفساد، وباتت أرضا خصبة لكل أشكال العداء للدولة المركزية. ونظرا لأن المشاركة في إدارة الدولة ومؤسساتها شكل مصدر غنى ونفوذ فإن غالبية الأقليات كانت مهمشة، وتعرضت لكل اشكال القمع والاستغلال. مما انعكس بصورة سلبية على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، ودفع بأعداد كبيرة منها للسفر إلى الخارج.
عداء التعايش في القارة العجوز
* يعتبر التقدم الذي أحرزه اليمين في فرنسا والنمسا الأهم والاكثر تاثيرا على الخارطة الجيوسياسية الاوروبية ولكنه ليس التقدم الوحيد الذي حصدته هذه التيارات في القارة العجوز. ففي ايطاليا فاز سيلفيو برلوسكوني بالانتخابات التشريعية ۲۰۰۱ بعد اقامة حلف مع التيار الفاشي الذي يتزعمه جيان فرونكو فيني، ومع حزب رابطة الشمال في لومبارديا بزعامة أومبيرتو روسي
جورج الريس
قبل كل انتخابات مهمة في أوروبا، ومن بينها الانتخابات البريطانية التي حمي وطيسها مع اقتراب موعد إجرائها في مايو/أيار المقبل، تتجه الأنظار الى التأثير المتزايد للأحزاب اليمينية على الحياة السياسية والاجتماعية، بل الى تأثير الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة على خطاب الأحزاب الاشتراكية والليبرالية، وهي تأثيرات يمكن ملاحظتها مؤخرا فى معالجة الأحزاب الاشتراكية والعمالية لموضوعات الهجرة واللجوء على سبيل المثال. وليست ظاهرة اليمين المتطرف إجمالا بجديدة على الساحة الأوروبية، لكن القوة السياسية المتزايدة التي باتت تتمتع بها وتعكس نفسها فى صناديق الاقتراع هي الجديدة. وقد شهدت أوروبا منذ بداية الثمانينات امتدادا جديدا للاحزاب اليمينية، واليمينية المتطرفة، تزامن مع محاولات الاتحاد الاوروبي الناجحة في تخطي الافكار والنزعات القومية الاوروبية لبناء ثاني اكبر قوة سياسية واقتصادية في العالم. وقلب هذا المد أوروبا رأسا على عقب وغيّر خارطتها الجيوسياسية في فبراير/شباط ۲۰۰۰ عندما حصل الحزب الليبرالي النمساوي بقيادة هايدر على حوالي ۳۰ بالمائة من الاصوات في الانتخابات التشريعية سمحت له بالاشتراك في حكومة ائتلافية، ثم وصل الى ذروته في ابريل/نيسان ۲۰۰۲ عندما حقق جان ماري لوبان انتصارا تاريخيا في فرنسا بحصوله على نسبة ۲۰ بالمائة من الاصوات، أوصلته الى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية. وبينما يعوّل بعض الخبراء هذا المد الى مناوأة بعض الناخبين للنظام الحاكم واحتجاجهم على السياسات الاوروبية المنفتحة ويعتبرون ان الاصوات الجديدة التي حصدها اليمين الاوروبي ما هي إلا عقاب للطبقة الحاكمة تزول مع زوالها، يعرب بعض آخر عن تخوفه لانخراط هذه الاصوات في الاحزاب اليمينية المتطرفة انخراطا مطوّلا أو دائما.
ويعتبر التقدم الذي أحرزه اليمين في فرنسا والنمسا الأهم والاكثر تاثيرا على الخارطة الجيوسياسية الاوروبية ولكنه ليس التقدم الوحيد الذي حصدته هذه التيارات في القارة العجوز. ففي ايطاليا فاز سيلفيو برلوسكوني بالانتخابات التشريعية ۲۰۰۱ بعد اقامة حلف مع التيار الفاشي الذي يتزعمه جيان فرونكو فيني، ومع حزب رابطة الشمال في لومبارديا بزعامة أومبيرتو روسي. وفي الدنمارك حصل الحزب الشعبي الدنماركي الذي تتزعمه بيا كارسغارد على نسبة ۱۲بالمائة من الاصوات في الانتخابات التشريعية ۲۰۰۱ جعلت منه الشريك الثالث في الحكومة الدنماركية المحافظة. أما في النروج فقد حصل حزب التقدم اليميني المتطرف الذي يتزعمه كارل ايفان هايغن على نسبة ۱۵بالمائة من الاصوات في انتخابات سبتمبر/أيلول ۲۰۰۱ جعلته يتقدم الى المرتبة الثالثة في لائحة الاحزاب النرويجية بعد حزبي العمال والمحافظين.
وفي بلجيكا استطاعت التيارات اليمينية الفوز ب۱۵ مقعدا في البرلمان البلجيكي، بالاضافة إلى خمسة مقاعد في مجلس الشيوخ، وعلى الرغم من أنها لا تشارك فعليا في الحكومة إلا أن الخبراء يعترفون بأن لهذه القوى وزناً مهماً في الحياة السياسية البلجيكية استطاعت من خلاله فرض وجودها على المسرح السياسي. أما في هولندا فقد استطاع اتباع بيمس فورتوين، زعيم اليمين المتطرف بقيادة الزعيم الجديد مات هيربين، الحصول على نسبة كافية من الاصوات في الانتخابات التشريعية ۲۰۰۲ سمحت له بالحصول على ۲۶ مقعدا في البرلمان الهولندي والفوز بأربع حقائب وزارية في الحكومة الجديدة من بينها وزارة الهجرة. والمعروف ان فورتوين المعادي للإسلام والذي اغتيل في مايو/أيار ،۲۰۰۲ على يد مواطن هولندي، كان قد اقترح على غرار ما اقترحه لوبان في فرنسا، حذف مبدأ (اللا تمييز) من الدستور الهولندي. وفي البرتغال حصل باولو بورتاس زعيم الحزب الشعبي البرتغالي المناهض للهجرة على نسبة ۹ بالمائة تقريبا في انتخابات ۲۰۰۲ أعطته حقيبة وزارة الدفاع. أما في سويسرا فقد حصد زعيم حزب الشعب السويسري كريستوف بلوشر على اكثر من ۲۸ بالمائة من الاصوات في انتخابات .۲۰۰۳
أما بالنسبة لبريطانيا وألمانيا، فعلى الرغم من تمكن اليمين من الفوز ببعض المقاعد في الانتخابات البلدية (مانشستر - بريطانيا ۲۰۰۲) والانتخابات الاقليمية (ساكس انهالت وهامبورغ - ألمانيا ۲۰۰۱)، على سبيل المثال لا الحصر، إلا أنه بقي بعيدا عن الوصول الى تمثيل يسمح له بالمشاركة الفعلية في تقرير مصير هاتين الدولتين. وتبقى اسبانيا الدولة الاوروبية الوحيدة التي هي في منأى عن موجة اليمين المتطرف، إلا انها ما زالت تعاني من النزعات الاقليمية اليمينية القومية التي لعبت في الماضي دور الحكم في الحكومة المركزية. وما زالت تلعب هذا الدور في بعض الحكومات الاقليمية. وقد حكم الحزب الشعبي اليميني الاسباني منفردا بعد فوزه للمرة الثانية على التوالي في انتخابات ۲۰۰۰ ثم خسر هذه الانتخابات لصالح الحزب الاشتراكي في العام الماضي.
وتحمّل بعض الاحزاب الهجرة مسؤولية المشاكل التي يتخبط فيها الاتحاد الاوروبي ولا تطالب بوقفها فحسب، وانما تذهب الى أبعد من ذلك لتطالب بترحيل المهاجرين. وفي موقف عدائها للاتحاد الاوروبي تحمّله مسؤولية جميع مشاكل الهجرة وتعتبر أن الاجراءات والقوانين الاوروبية هي المسؤولة الوحيدة عن تفاقم مشاكلها الاقتصادية وعن تزايد تيارات الهجرة وتطالب باسترجاع (السيادة الوطنية). بينما ينادي البعض الآخر من هذه الاحزاب بدمج المهاجرين في المجتمعات الاوروبية وبوضع قوانين جديدة لتنظيمها، لاعتبار أن اوروبا بحاجة ماسة الى اليد العاملة الاجنبية للمحافظة على قدرتها الانتاجية وقوتها الاقتصادية التي تؤمن مستوى المعيشة الذي يصبو اليه الاتحاد الاوروبي. هناك عامل آخر يلفت النظر عند الإمعان في معظم الاحزاب اليمينية الاوروبية وهو ان قاعدة ومحبذي هذه الاحزاب (يؤلهون) الزعيم أو القائد الذي يلعب دورا رئيسيا في الحزب، فاذا رحل رحل الحزب معه. أما الاحزاب اليمينية الكبرى، المعتدلة في الكثير من الاحيان، خصوصا في المواضيع المتعلقة بالسياسة الاوروبية والهجرة، فقد حافظت على قاعدة شعبية مهمة بالالتفاف نحو وسط اليمين واعتماد سياسات جديدة بعيدة عن الآراء اليمينية الرجعية التقليدية في محاولة منها لتوسيع قاعدة ناخبيها والبقاء في السلطة، أو في محاولتها للوصول اليها.
أما القاسم المشترك الاكبر بين هذه الاحزاب اليمينية المتطرفة فهو الديماغوجيا وخطابات التعبئة التي تجذب الناخب، والداعية الى كراهية الاجنبي ورفضها للمسلم والمهاجر، والتحذير من مخاطر الارهاب التي (تهدد وجودها) والدعوة الى الانتماءات القومية التي لا تقود الا الى باب الانعزال والانكفاء على الذات. وربما يكون هذا الاخير هو الهدف النائم لبعض هذه الاحزاب ذات النزعة القومية أو الاقليمية. كما وانها تدعو الى حجب جميع الحقوق الاساسية الا عن السكان الاصليين. وذهب بعضها الى أبعد من ذلك بكثير حين ظهرت في فرنسا والمانيا الشعارات القائلة (فرنسا للفرنسيين) و(ألمانيا للالمان). وبالرغم من اختلاف اليمين الاوروبي في الكثير من العقائد والمبادئ الا انه يلتقي في دفاعه عن الهويتين الاوروبيتين الدينية والثقافية ولكنه يختلف على أوروبا الاقتصادية. فبينما نرى، من جهة، كيف ان الجبهة الوطنية الفرنسية التي يتزعمها لوبان تنغلق على نفسها وتتمسك بقيم اليمين المتطرف التقليدية داعية الى طرد الاجنبي والمهاجر والى رفض الاندماج في الاتحاد الاوروبي الذي تعتبره سبب كل مشاكلها، نرى من جهة أخرى انفتاح اليمين الهولندي ورفضه لتبني مبادئ اليمين الرجعية. وبينما تسعى معظم قوى اليمين الاوروبي بالمشاركة في حكومات الدول التي تنتمي اليها رغم اختلافها مع حزب الاكثرية يظهر لوبان من جديد ليرفض اية مشاركة في أية حكومة ائتلافية.
ربما يعود سبب المد اليميني المتطرف في اوروبا الى الاخطاء التي ارتكبتها الاحزاب الحاكمة في معالجة قضايا الهجرة وقضايا التمييز العنصري الذي أساء الى الاقليات المتعايشة في المجتمعات الاوروبية، وربما يعود الى موجة الارهاب الاصولي التي عصفت في العالم في السنوات الاخيرة، أو الى التقصير الحاصل عند الحكومات الاوروبية في اعتماد سياسات من شأنها ان تحد من توسعه نحو الطبقات الاجتماعية غير اليمينية تقليديا. كما وربما يعود هذا المد الى تبني فكرة معاقبة الاحزاب الحاكمة من قبل فئة معينة من المجتمع. ولكن من الواضح ان هذه الظاهرة بدأت تتزايد منذ الثمانيات ووصلت الى أوجها في السنوات القليلة الماضية. ومن الصعب جدا التكهن حول مصيرها في المستقبل، ولكن من السهل اتخاذ التدابير اللازمة والصارمة في شتى المواضيع العالقة التي كانت سببا مباشرا لظهورها من جديد.